صورة غير قابلة للحشر في عتمة النسيان (يوم طردت قائد مقاطعة من الجمع التأسيسي لفرع للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأبركان) يوسف الطاهري
صورة غير قابلة للحشر في عتمة النسيان (يوم طردت قائد مقاطعة من الجمع التأسيسي لفرع للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأبركان)
يوسف الطاهري
في الصورة: يوسف الطاهري، محمد الخطاب ممثل المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عبد الوهاب الصافي و عابدي احميدان.
--
ليس للبحث عن مجد أو بطولة لا أدعيها، أروى رواية لحظة موازية لالتقاط الصورة أدناه، بل لضخ نفس جديد في روح منهكة باستبداد اليومي الهالك الذي داهم حياتنا منذ عقود خلت. وأقول إننا لم نكن كما نحن الآن، ولا كما ينظر لنا من خلال عدسة مزيفة لا تسمح برؤية صافية عن ماضينا.
توصلت بالصورة وأنا غارق في همومي اليومية، منشغلا بأشياء مرتبطة بأحلام من مهامها أن تفصلني عن ماض مرهق النظر إليه، والتي أرى أنها وحدها تبرر وجودي، ومن غيرها قد يستقر الفناء. ذلك الوجود الذي أردت له ألا يكون عاديا، فالعادي الروتيني متعب ومؤلم، بل قد يكون قاتلا عندما ينشئ للبؤس جسورا يتسلل منها ثقيلا يفسد متعة الوجود.
وفي الوقت الذي كنت تخلصت فيه منذ مدة طويلة من الاسترجاع المزمن لغبن العذابات التي خلفها الوعي المتأخر بغباء الاختيارات المصيرية، وأني فشلت في تحقيق ما استوى في ذهني كقناعة، حلما وأفقا، أكان الأمر يتعلق بذاتي الشخصية، مصيري الاجتماعي المهني والفكري، أو كان يتعلق بفشل الاختيارات التي تعلقت بها وقدمت كل ما أملك وما لا أملك من أجل تحقيق آفاقها، غير أن عوامل عديدة شكلت عوائق طبيعية جعلت منها أوهاما، لم تتمكن أن تصمد في وجه التطورات التي عرفتها البلاد.
وأنا أعيش هذه اللحظات هائما تائها في أحشائها، توصلت بصورة من الرفيق والصديق العزيز عابدي احميدان، أفعمت عواطفي دفئا غريبا بعد عقود من الزمن على التقاطها، و أنعشت ذاكرتي وأشعلت فيها الرغبة في الغوص من جديد في ثناياها، وزيارة معابرها ومسالكها الوعرة المكلفة التي شكلت ظروفا عامة لتلك الصورة.
الصورة تكثف بداخلها مناسبات كثيرة وتاريخ منير للمدينة والبلاد بشكل عام. إنها مشحونة بفيض كبير من الأمل والطموح في بناء حياة جديدة في البلاد يطبعها الاحترام الفعلي لحقوق الإنسان في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية الاجتماعية الثقافية المدنية والسياسية.
حدث بموازاة مع الصورة التي التقطت لمنصة اللجنة المشرفة على الجمع التأسيسي للجمعية المغربية لحقوق الانسان والذي انتخبت فيه رئيسا لها، حدثا غير قابل أن يحشر في عتمة النسيان. لأن فيه من الدلالات ما يؤكد أن الخبة الفاعلة مستعدة وقادرة على المواجهة ومنسجمة مع مشروع الدفاع عن حقوق الإنسان بكل جرأة والذي كان قد انطلق يتوسع منذ إعادة تأسيس الجمعية بعد إطلاق سراح مناضليها في سنة 1987 (عبد الرحمن ىنعمرو ورفاقه).
دخلت متاخرا قاعة البلدية حيث ينعقد الجمع التأسيسي، وكنت مكلفا بتحضير تقرير حول حقوق الإنسان في بركان. وقد فوجئت بقائد إحدى المقاطعات المخزنية يحتل مقعدا في وسط منصة اللجنة المشرفة على التأسيس، بقرب من الأخوين عابدي والأخ مصطفى بشراوي. وعلى الفور تشاروت مع الأستاذ المناضل محمد الخطاب المحامي بهيئة تازة حول شرعية حضور القائد، وخلصنا إلى أنه ليس له الحق في الحضور لأن الجمع التأسيسي هو اجتماع خاص بالمنخرطين رغم أنه ينعقد في قاعة عمومية.
اتجهت نحوه (أي نحو القائد) فطلبت منه أن يغادر القاعة لأنه ليس من حقه الحضور، فزعق رافضا وقال إنه بصفته ممثل للسلطة من حقه قانونيا أن يحضر الجمع التأسيسي. فما وجدت أمامي إلا أن أطلب منه أن يجلس في القاعة بعيدا عن المنصة. لكنه رفض، وأخيرا طلبت منه ألا يحتل مكان المؤسسين في المنصة وينتقل إلى مقعد موجود في طرفها.
وذلك ما كان، فقد جلس في مقعد موجود في طرف المنصة. واستمرت أشغال الجمع وفي نفسي تلتهب رغبة في إدانة قوية لهذا السلوك المذل وغير القانوني لقائد المقاطعة. ولما جاء دوري، تلوت التقرير حول حقوق الانسان في المدينة، وحتى لا يمر حدث إصرار القائد على اقتحام خلوتنا كمنخرطين والتي يمنحنا إياها القانون، ختمت التقرير بالقول: إن آخر خرق لحقوق الإنسان تعرفه المدينة هو ما يرتكبه قائد المقاطعة الآن، من خلال حضوره القسري في اجتماع خصوصي يفترض ان حضور ه يقتصر على الأعضاء المنخرطين في الجمعية.
وهنا كان الحدث، فعندما نهض القائد يرغد ويزبد، محتجا على اتهامي له بانتهاك حقا دستوري يتضمنه قانون الحريات العامة، وتعالت الأصوات في القاعة تطالبه بالانسحاب الفوري من القاعة، وخرج هاربا وهو يصرخ ويتوعد الجمعية، ومن ورائه كاتبه.
شكل هذا الحدث واحدا من أهم الأحداث المرتبطة بظروف نشأة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأبركان، وطبعا هناك أحدثا أخرى ستأتي المناسبة لذكرها.
شكرا لرفيق عابدي احميدان على إرساله للصورة، خاصة وأني لم أكن أهتم بالصور في تلك لمرحلة العصيبة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق