هل تقعُ حرب الإخوة الأعداء؟علي انوزلا
هل تقعُ حرب الإخوة الأعداء؟علي انوزلا
ليس المقصود هنا بـ "الإخوة الأعداء" اليمنيين، رغم أنهم يخوضون منذ أكثر من إحدى عشرة سنة حروبًا طاحنة فيما بينهم، بالوكالة عن قوى خارجية سعودية وإماراتية وإيرانية وأمريكية.. هؤلاء ليسوا سوى وقود ورماد الحرب التي يتقاتلون فيها فيما بينهم وعلى أرضهم. أمّا حرب الإخوة الأعداء الحقيقية، فهي تلك التي اشتعلت منذ سنوات بين السعودية والإمارات، وبقيت تُدار في الخفاء، قبل أن تطفو اليوم إلى السطح عبر القصف والبيانات الاتهامية الحادّة المتبادلة بين الرياض وأبوظبي.
ما يحدث في اليمن ليس طارئًا ولا وليد لحظته. فجذوره تمتد إلى اللحظة التي أُجهضت فيها ثورة اليمنيين خلال "الربيع العربي"، حين تدخلت الرياض وأبوظبي لإفشال مسارات التغيير في اليمن، كما في سوريا وليبيا والبحرين ومصر، عبر رعاية ثورات مضادة هدفت إلى منع صعود قوى شعبية قد تهدد أنظمة الحكم الملكية في الخليج.
في اليمن تحديدًا، سعت الدولتان في البداية إلى إنقاذ ديكتاتور اليمن السابق علي عبد الله صالح، وعندما انقلب هذا الأخير ضدهما وتحالف مع الحوثيين، قوّضتا التوافق الذي كان على وشك أن يتبلور بين مكونات المجتمع اليمني، تحت رعاية المبعوث الأممي جمال بنعمر، لأنهما كانتا ترَيان فيه خطرًا وجوديًا عليهما، قد يحوّل اليمن إلى نموذج مقلق لأنظمتهما التي تخشى الديمقراطية بقدر ما تخشى المجهول. وقد عبّر بنعمر عن ذلك بوضوح عام 2018، حين اتهم السعودية والإمارات بتقويض الحل السياسي الذي توصل إليه بعد سنوات من العمل الدبلوماسي المضني والدؤوب، قائلاً أمام محكمة في نيويورك إن بعض قادة دول الخليج لم يكونوا مستعدين لقبول يمن ديمقراطي، لأن الديمقراطية تعني التنافس وعدم التحكم في النتائج، مفضّلين أن تبقى لهم الكلمة الفصل في حكم بلادهم وبلاد الشعوب التي تحيط بهم.
وفي عام 2015، تُرجم هذا الرفض السياسي إلى حرب مدمرة شنّتها السعودية والإمارات، تحت لافتة "التحالف العربي" وبمشاركة عشر دول من بينها المغرب. وبإسم الدفاع عن "الحكومة الشرعية اليمنية" التي اختطفتها الرياض فعليا عندما نقلت مقرها إلى السعودية، وحولت أعضائها بما فيها رئيسها السابق والحالي إلى موظفين تحت إمرة مخابراتها، شنّ التحالف حملات عسكرية مدمّرة قادتها الرياض، وأسفرت عن عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، ودمار واسع للبنية التحتية، ودفعت اليمن إلى حافة المجاعة والفقر ، ونحو أكبر كارثة إنسانية في العالم. غير أن صمود اليمنيين، ولا سيما الحوثيين، أدّى إلى تفكك التحالف، وانسحاب الإمارات منه عام 2019، فيما وجدت السعودية نفسها مضطرة إلى التفاوض مع خصومها لوقف هجماتهم.
منذ تلك اللحظة، لم يعد التحالف السعودي/الإماراتي سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها صراعًا مفتوحًا على مصالحهما في الجنوب اليمني، صراعٌ تُغذّيه أطماع جيوسياسية واقتصادية للدولتين على أنقاض دولةٍ مدمَّرة وشعبٍ مُفقَر.
التطورات الأخيرة ليست سوى شرارة جديدة في هذا الصراع المؤجَّل بين الإخوة الأعداء، فهي تضع فكرة "الأمن الخليجي المشترك" أمام امتحان وجودي، في ظل تضارب المصالح وتآكل الثقة بين عموديه الأساسيين. فما يجري في اليمن يتجاوز الإشتباك الذي حدث اليوم، ليكشف عن صراع أعمق بين الرياض وأبوظبي على شبكة الموانئ والممرات البحرية التي يتيحها الجنوب اليمني، وحول النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية جيوسياسية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق