"الراعي الصغير الذي أصبح شيوعيًا: رحلة من البرية إلى الفكر الثوري"القراءة الأولى الجزء الأول/الرفيق حسن اولحاج
اهداء الى رفيقي المناضل المشتبك و العضوي علي فقير
قراءة نقدية للكتاب ,وسأرجع اليه بالتفصيل في الأيام القادمة
القراءة الأولى
الجزء الأول
تُعدّ سيرة علي فقير في كتابه «الراعي الصغير الذي أصبح شيوعيًا» أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ فهي رحلة شخصية تمتزج فيها التجربة الفردية بالتحليل السياسي والاجتماعي لتاريخ المغرب في النصف الثاني من القرن العشرين. يستعرض الكاتب رحلة التحول من طفولة رعوية بسيطة إلى نضال سياسي شيوعي ملتزم، مقدمًا نموذجًا لتفاعل الفرد مع بيئته ومجتمعه وتجاربه الخاصة.
نشأة البطل والبيئة الاجتماعية
ولد علي فقير في عام 1946 في أسرة رعوية جنوب شرق المغرب، حيث تربّى على مراقبة الطبيعة والعمل مع الماشية، في بيئة بسيطة لكنها غنية بالتجارب الإنسانية. منذ الصغر، استمع إلى قصص الأجداد عن المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي وضد سلطة المخزن، ما زرع في داخله وعيًا بالظلم الاجتماعي وأهمية الكفاح من أجل الحرية والكرامة.
لقد شكّل التباين الطبقي بين الفلاحين الفقراء وعائلات السلطة المحيطة به حجر الأساس الذي غرس بذور التفكير النقدي لديه، وأكسبه إدراكًا مبكرًا لارتباط العدالة الاجتماعية بالحياة اليومية.
التعليم ونشأة الوعي السياسي
مع التحاقه بالمدرسة، بدأ الراعي الصغير يفتح نافذة على العالم خارج القرية. التعلم لم يكن مجرد اكتساب للمعرفة، بل فرصة للاطلاع على الأفكار المختلفة والنقاشات السياسية. خلال سنوات دراسته الثانوية والجامعية، تعرف على التيارات السياسية المغربية، وابتعد عن التيارات الإصلاحية التقليدية التي لم ترَ في التغيير جذوره الحقيقية، متجهًا نحو الاشتراكية والماركسية‑اللينينية التي اعتبرها وسيلة لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر، والتخلص من الاستغلال الطبقي.
التحول الفكري للكاتب كان نتيجة تفاعل بين البيئة الاجتماعية، التعليم، والتجارب اليومية، فكان اختياره الشيوعية قرارًا واعيًا يمثل التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد.
العمل السياسي والنضال التنظيمي
بعد اختيار الفكر الشيوعي، انخرط علي فقير في الحزب الشيوعي المغربي، وهو قرار محفوف بالمخاطر في فترة كانت فيها الدولة تقمع التيارات اليسارية بقوة. يقدم الكاتب في هذا الجزء سردًا لتجارب التنظيم السرّي، العمل الجماعي، النقاشات الفكرية، والتضحيات الشخصية من أجل الجماعة، مؤكدًا أن النضال لا يقتصر على الفكر فقط، بل يتطلب انضباطًا وتضحية مستمرة.
كما شارك في الحركة الطلابية والاحتجاجات السياسية التي اجتاحت الجامعات المغربية، مؤكدًا أن النشاط الجماعي جزء أساسي من فهم الصراع الطبقي وممارسة السياسة بوعي.
الاعتقال والسجن
نظراً لمواقفه السياسية، تعرض الراعي الصغير للاعتقال أكثر من مرة. واصفًا السجن كمختبر للتجارب الإنسانية والفكرية، حيث تعلّم قيمة التضامن بين المعتقلين من خلفيات مختلفة، وأهمية الصبر والتشبث بالمبادئ حتى في أصعب الظروف. هذا الجزء من الكتاب يوضح كيف تتحول التجارب القاسية إلى فرصة لنمو الفكر والالتزام بالقضية.
نقد الذات والحركة اليسارية المغربية
لم يكن الكتاب مجرد سرد لتجارب شخصية، بل تضمن نقدًا صريحًا للحركة اليسارية في المغرب، مشيرًا إلى أن بعض التيارات تخلّت عن أهدافها الثورية من أجل التوافق مع النظام، ما أدى إلى تراجع تأثيرها الاجتماعي والسياسي. من خلال هذا النقد، يبرز الكاتب أهمية الالتزام بالمبادئ والقيم الأصيلة للحركة، وعدم التضحية بالهدف الكبير من أجل مكاسب قصيرة المدى.
الرسالة المركزية للكتاب
الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة تاريخية وفكرية. الرسالة الأساسية أن التحول الشخصي والاجتماعي يبدأ من البيئة والتجربة الفردية، لكنه يتطلب وعيًا سياسيًا والتزامًا جماعيًا لتحقيق تغيير حقيقي. كما يؤكد علي فقير أن النضال من أجل العدالة والمساواة ليس مجرد شعار، بل مسار طويل مليء بالتحديات، يتطلب التضحية، التنظيم، والعمل المستمر.
«الراعي الصغير الذي أصبح شيوعيًا» هو أكثر من كتاب عن حياة شخص واحد؛ إنه رحلة للوعي الاجتماعي والسياسي، يقدّم نموذجًا لكيفية تحويل تجربة شخصية بسيطة إلى فهم عميق للقضايا الكبرى في المجتمع. من خلال هذا السرد المتقن، يترك علي فقير للقارئ درسًا مهمًا: أن الفرد، مهما كانت بداياته بسيطة، قادر على أن يغيّر نفسه ومجتمعه إذا جمع بين الوعي، المعرفة، والإرادة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق