عن السيرورات الاربع مرة اخرى الرفيق محمد السفريوي
تقدم أطروحة السيرورات الأربع وكأنها معطى تقني يمكن التعامل معه بمعزل عن شروطه التاريخية، بينما جوهرها الحقيقي لن يدرك إلا إذا وضعت داخل المنهجية اللينينية في تفسيرها لتشكل الوعي السياسي، مع استحضار الفارق الحاسم بين السياق الذي اشتغل فيه لينين والسياق الذي نتحرك فيه اليوم.
لينين لم يصغ نظريته في الوعي والتنظيم من فراغ. لقد توفرت له طبقة عاملة فتية، صاعدة، ومتمركزة في قطاعات إنتاجية استراتيجية، وتعيش وضعا ثوريا. طبقة تخوض إضرابات كبرى، أنتجت سوفيتات، كسلطة مضادة. في هذا السياق، كان السؤال المركزي هو: كيف يتحول هذا الزخم العفوي إلى قوة سياسية قادرة على الحسم؟ فجاء الاجتهاد اللينيني: الوعي السياسي لا ينبثق تلقائيا من داخل الطبقة ، بل ينقل إليها من خارجها و عبر حزب ثوري يقوم بتربيتها من خلال نضالها اليومي.
أما في وضعنا، ووفق ما تقترحه أطروحة السيرورات الأربع، فنحن لا نتحرك داخل وضع ثوري، حيث لا تشكل الطبقة العاملة وحدها الكتلة الاجتماعية الحاسمة، بل هي جزء أساسي داخل مركب أوسع هو ما نطلق عليه وصف "عموم الكادحين " فلاحون فقراء، كادحو الأحياء الشعبية، عمال مناولة، معطلون، وشرائح من الطبقات الوسطى المفقرة. هذه التشكيلات لا تنخرط في الصراع بنفس المواقع، ولا بنفس الوتيرة، ولا بنفس مستوى الوعي.
من هنا يصبح الحديث عن الوعي أكثر تعقيدا. فالسيرورات الأربع لن تؤدي إلى وعي واحد، بل مستويات متعددة من الوعي. سيرورة التنظيمات الذاتية المستقلة تنتج وعيا عفويا، اما سيرورة بناء الجبهة افقها وعي اقتصادي-سياسي أوسع، يحدد الخصم الاجتماعي وربط القضايا. أما سيرورة بناء الحزب، فهي المجال الذي يفترض فيه تشكل الوعي السياسي الثوري، القادر على بلورة مشروع تاريخي متماسك.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح: هل يمكن لسيرورات تختلف في طبيعتها، وفي التشكيلات الاجتماعية التي تحركها، وفي مستوى الوعي الذي تنتجه، أن تدار ببنية تنظيمية واحدة؟ وهل يمكن تطوير هذا الوعي المتفاوت إلى وعي سياسي عبر نفس الأدوات والتكتيكات؟
المنهجية اللينينية نفسها تقودنا إلى استنتاج ان واقعنا يفرض هندسة تنظيمية أكثر تعقيدا ومرونة، قادرة على الاتصال بكل مستوى من مستويات الوعي التي نتوقع نشوؤها داخل السيرورات الاربع.
العمل ليس استنساخ شكل الحزب اللينيني، بل في استلهام منهجه: بناء أداة تنظيمية مناسبة بحسب المهام. أداة تسمح بتطوير كل أشكال الوعي وبنقلها إلى مستوى الوعي السياسي ، وبجعل الحزب ليس بديلا عن عموم الكادحين، بل عقلهم السياسي يتفاعل جيدا مع مسار طويل ومعقد من التغيير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق