جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

السيرورات الأربع: جدلية واحدة أم شعارات متوازية؟الرفيق محمد السفريوي

 السيرورات الأربع: جدلية واحدة أم شعارات متوازية؟الرفيق محمد السفريوي

ليست أطروحة السيرورات الأربع إجتهاد نظري أدرج في وثائق الحزب لتسويق إعلامي، بل محاولة جادة لالتقاط تعقيد الفعل السياسي و تطويره في واقع اجتماعي مغلق و محجوز. الإشكال لا يكمن في صحتها المبدئية او النظرية، بل في طريقة قراءتها وتفعيلها. فغالبا ما جرى التعامل معها بمنطق تراتبي صامت، وكأن إحدى السيرورات تحتل موقع المركز - سيرورة بناء الاداة السياسية - ، فيما تؤجل الأخريات أو تختزل في أدوار تكميلية. والحال أن روح الأطروحة تقوم على عكس هذا التصور.
السيرورات الأربع ليست مسارات منفصلة بل علاقة جدلية حية ،يتقدم كل مسار بقدر ما تتقدم المسارات الأخرى، ويتعطل حين يختل هذا التوازن. لا حزب دون حركة نضالية تنتج الوعي والكوادر، ولا حركة جماهيرية دون أفق سياسي وجبهوي يحميها من الاحتواء او الخفوت ، ولا جبهة دون تنظيم وقاعدة اجتماعية، ولا أفق أممي دون تموقع وطني واع داخل صراع عالمي.
من هنا، فإن الرهان اليوم ليس فقط الدفاع عن الأطروحة، بل إعادة قراءتها وتطويرها بما يجعلها ديناميات فعل لا شعارات عامة. وهذا يمر حتما عبر الاشتغال في المحطة المقبلة على إعداد أوراق مفصلة حول كل سيرورة، سياسيا وتنظيميا وإعلاميا، لتحديد وظائفها و بنياتها التنظيمية ، و منطق اشتغالها، وحدود تداخلها مع غيرها.
الامتحان الحقيقي سيكون في مخرجات المؤتمر المقبل. فالتصور التنظيمي الذي سيخرج به، خصوصا على مستوى البنيات والهياكل، هو الذي سيكشف مدى الجدية في ترجمة هذا الأفق. إن لم يفرز المؤتمر مؤسسات تنظيمية داخلية قادرة على احتضان تعددية السيرورات، وعلى تمكينها من أدوات عمل فعلية، فلن يمنحنا رسالة إيجابية حول الإرادة الحقيقية في الانتقال من أطروحة صحيحة نظريا إلى ممارسة سياسية وتنظيمية حقيقية.
السيرورات الأربع لا تقاس بما يردد عنها، بل بما يبنى باسمها. وإذا لم تترجم في مؤسسات الحزب ، ستظل مجرد امل، مهما بلغت دقتها النظرية.

لا معنى لأي أطروحة استراتيجية إن لم تترجم في شكل تنظيمي ملائم يمنح إمكانية إنجازها الفعلية . فالتنظيم ليس قالبا جاهزًا يستدعى كوصفة جاهزة، بل أداة تبنى على مقاس السيرورات الاجتماعية والسياسية القائمة. بهذا المعنى، لا يمكن فهم التصور التنظيمي اللينيني إلا في سياقه الملموس، ولا استنساخه خارج شروطه.
حين بلور لينين تصوره لبناء الأداة السياسية، لم يكن يشتغل في فراغ. كانت السيرورات الثورية آنذاك قد بلغت مستوى معينا من النضج: مجالس عمالية (سوفيتات) بدأت في التشكل كسلطة مضادة، تنظيمات ثورية متنوعة تنمو من قلب الصراع، نقابات قوية ومتجذّرة، و انتشار واسع للفكر الاشتراكي داخل أوساط العمال والمثقفين. في هذا السياق، أصبح بناء حزب طليعي مركزي، منضبط وواضح القيادة، استجابة موضوعية لواقع ثوري جاهز للانتقال إلى مرحلة الحسم. الحزب لم يكن بديلا أو صانعا لهذه الديناميات، بل أداتها الواعية و نتيجتها المنطقية.
أما في سياقنا ، فالأمر مختلف جذريا. نحن لا نواجه سيرورات ناضجة تبحث عن قيادة، بل سيرورات ضعيفة، متقطعة، وغير مكتملة، تحتاج إلى التأسيس و التطوير بقدر ما تحتاج إلى التأطير. لا مجالس عمالية، ولا نقابات قادرة على لعب دور تاريخي مستقل، ولا انتشار فعلي للفكر الاشتراكي في العمق الاجتماعي. من هنا جاءت أطروحة السيرورات الأربع كتعبير عن هذا الوضع الموضوعي: أطروحة تقول إن مهام مناضلي الحزب اليوم لا تختزل في القيادة، بل تشمل المساهمة في خلق شروط تأسيس السيرورات.
غير أن التبني النظري لأطروحة السيرورات لا يكفي. التحدي الحقيقي هو ترجمتها تنظيمياً. فلا يمكن الاشتغال على بناء الحزب، وتنمية الحركة الجماهيرية، وبناء الجبهة، والانفتاح الأممي، بذات الأدوات والهياكل والمنطق التنظيمي. هذا الخلط هو ما يحوّل الأطروحة إلى شعار، ويجعل التنظيم إما متخشبا أو مشتت و بالتالي غير مواكب.
المطلوب اليوم هو وعي بسيط في مضمونه، عميق في نتائجه: لكل مرحلة تنظيمها، ولكل سيرورة بنيتها المناسبة. إذا كان لينين قد بنى حزب الطليعة لأن السيرورات كانت ناضجة، فإن واقعنا يفرض علينا بناء تنظيم قادر على الاشتغال في كل هذه المستويات في آن واحد، دون أن يدّعي اختصارها أو القفز عليها.
بهذا المعنى، لتصبح أطروحة السيرورات الأربع اجتهادا نظريا معتبرا، و تطويرا جدليا لها. علينا أن نجرؤ على طرح السؤال التنظيمي بصراحة: أي تنظيم نحتاجه اليوم، لا كما كان بالأمس، بل كما يفرضه واقع سيرورات لم تكتمل بعد؟

تعريف لسيرورات الحزب

السيرورات الأربع الأساسية لحزب النهج الديمقراطي العمالي هي: بناء الحزب كحزب مستقل للطبقة العاملة، تطوير وتوسيع الحركة النضالية وتنظيماتها الذاتية، بناء جبهة الطبقات الشعبية، وأخيراً بناء أممية ماركسية لمواجهة الرأسمالية وبناء الاشتراكية، وتعتبر هذه السيرورات مترابطة وتؤثر في بعضها البعض
. 
تفصيل السيرورات الأربع:
  1. بناء الحزب السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين: يتضمن بناء تنظيم سياسي مستقل يقود نضالات الجماهير الكادحة، ويجمع المناضلين الموحدين حول هدف القضاء على الرأسمالية وتأصيل الفكر الاشتراكي في المغرب.
  2. تطوير وتوسيع الحركة النضالية: يركز على بناء وتوحيد التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير (نقابات، جمعيات، حركات) لتعزيز قوتها النضالية.
  3. بناء جبهة الطبقات الشعبية: المساهمة في بلورة برنامج موحد يجمع أكبر قوة سياسية واجتماعية حول مهام التحرر الوطني والديمقراطية نحو الاشتراكية.
  4. بناء الأممية الماركسية: العمل من أجل تجاوز الرأسمالية والدفاع عن بناء الاشتراكية على المستوى العالمي، والتجاوز لأي نزعة وطنية ضيقة. 
تعتبر هذه السيرورات استراتيجية متكاملة تهدف لتقوية الطبقة العاملة وتمكينها من قيادة التغيير نحو مجتمع اشتراكي، حيث يرى الحزب أن التقدم في أي منها ينعكس إيجاباً على الباقي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *