جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

في ذكرى وفاة الفقيد الكبير الرفيق أحمد بنجلون* من يسار المواجهة إلى يسار التدبير *حميد ايت يوسف

 في ذكرى وفاة الفقيد الكبير الرفيق أحمد بنجلون

* من يسار المواجهة إلى يسار التدبير *
حين نستحضر الفقيد الكبير، الرفيق أحمد بنجلون اليوم، لا نفعل ذلك بدافع الحنين ولا بدافع النوستالجيا السياسية، بل لأن مساره يضعنا مباشرة أمام مفارقة تاريخية مؤلمة، كيف انتقل اليسار المغربي من مشروع تحرري جذري، صاغته تضحيات جسيمة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى يسار متردد، محدود الأفق، يكتفي بإدارة الهامش المتاح.
ينتمي أحمد بنجلون إلى جيل تشكّل وعيه السياسي في سياق وطني وإقليمي بالغ التعقيد، سنوات ما بعد الاستقلال السياسي للبلاد، صعود الحركات القومية والتحررية، الهزيمة العربية سنة 1967، وتجذُّر المقاومة الفلسطينية كأفق أممي للنضال. في هذا السياق، لم يكن الانخراط في العمل السياسي ترفًا فكريًا، بل خيارًا وجوديًا، تُدفع كلفته سجنًا وتعذيبًا وربما إعدامًا، كما حصل لرفاقه أمثال محمد بنونة سنة 1973، أو كما كاد أن يحصل له هو نفسه لولا اعتقاله في إسبانيا سنة 1970.
كان يسار تلك المرحلة، رغم تشتته التنظيمي، يمتلك وضوحًا استراتيجيًا، إسقاط الاستبداد، وبناء دولة ديمقراطية ذات مضمون اجتماعي، وربط التحرر الوطني بالتحرر الطبقي. لذلك لم تكن محاكمات مراكش، ولا الاعتقال السري بدار المقري، ولا أحكام الإعدام والمؤبد، مجرد أحداث أمنية، بل لحظات فاصلة في صراع سياسي حقيقي بين مشروعين متناقضين.
في هذا السياق بالذات، يندرج لاحقًا المشروع السياسي لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي كامتداد نقدي لتجربة الحركة الاتحادية، بعد أن اختار جزء منها، منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، الانخراط في منطق المشاركة المؤسساتية دون ضمانات ديمقراطية حقيقية. كان حزب الطليعة، بالنسبة لبنجلون ورفاقه، محاولة للحفاظ على جذوة اليسار المبدئي، و تراث الحركة الاتحادية الأصيلة، في زمن بدأت فيه شعارات “الانتقال الديمقراطي” تُستعمل لتبرير التنازل التدريجي عن المطالب الجوهرية.
غير أن التحولات التي عرفها المغرب منذ التسعينيات، خاصة مع تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، أعادت رسم خريطة الحقل السياسي برمته. فقد دخل جزء واسع من اليسار مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية، لكن ثمنها كان باهظًا، تآكل الخطاب النقدي، تفكيك الارتباط بالحركات الاجتماعية، وتحويل النضال من فعل جماعي ضاغط إلى حضور مؤسساتي محدود الأثر.
بعد وفاة أحمد بنجلون بسنوات، جاء حل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي واندماجه في إطار فيدرالية اليسار الديمقراطي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتراجع اليسار عالميًا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وصعود النيوليبرالية، وتفكك الأطر الإيديولوجية الكبرى. غير أن ما كان يُفترض فيه أن يكون إعادة تجميع لقوى اليسار، تحوّل، في كثير من محطاته، إلى إطار يعكس الأزمة أكثر مما يتجاوزها.
فالفيدرالية، كما تجلت في ممارستها وخطابها لم تنجح لحدود الساعة في إعادة بناء مشروع يساري واضح المعالم، ولا في تجديد أدوات الاشتغال وسط الطبقات الشعبية، بل غالبًا ما اكتفت بخطاب احتجاجي أخلاقي، غير مقرون ببديل سياسي واجتماعي مقنع. وهو مسار يصعب تخيل أن أحمد بنجلون كان سيقبل به، بالنظر إلى رفضه الدائم لتحويل اليسار إلى مجرد شاهد على الاختلالات.
إن المقارنة بين الأمس واليوم لا تهدف إلى تمجيد الماضي أو جلد الحاضر، بل إلى إبراز حقيقة تاريخية، اليسار المغربي لم يُهزم فقط بفعل القمع، بل أيضًا بفعل التحولات التي قبل بها دون أن يملك أدوات مقاومتها. ومن هنا تبرز راهنية أحمد بنجلون، لا كرمز جامد، بل كمعيار نقدي، يُذكّر بأن السياسة، حين تفقد بعدها التحرري، تتحول إلى إدارة باردة للخيبات.
في ذكرى رحيله، يصبح السؤال الحقيقي ليس من هو أحمد بنجلون، بل:
هل ما زال في اليسار المغربي اليوم استعداد لدفع كلفة الوضوح؟
أم أن زمن بنجلون قد انتهى، لا لأن أفكاره تجاوزها التاريخ، بل لأن الجرأة على تبنيها صارت ناذرة؟
حميد ايت يوسف



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *