إبستين سيء الذكر: قناع الفضيحة على وجه الإمبريالية النيوليبرالية.رياض الشرايطي
إبستين سيء الذكر: قناع الفضيحة على وجه الإمبريالية النيوليبرالية.رياض الشرايطي
ليست قضية إبستين فضيحة أخلاقية عادية، ولا شذوذ فرد مريض انحرف في ظلال الثروة. إبستين هو الاسم الحركي لنظام كامل، عنوانه: السلطة حين تتحرر من أي رقيب، والمال حين يتحول إلى حصانة، والقانون حين يطوّع ليحمي الجناة لا الضحايا.
ما انفجر في ملف إبستين ليس شبكة استغلال فقط، بل شبكة صمت. صمت القضاء الذي تراجع، صمت الإعلام الذي ساوم، وصمت السياسة التي فضّلت “الاستقرار” على العدالة. في عالم الرأسمالية المتوحشة، لا تقاس الجريمة بفداحتها، بل بهوية مرتكبها. حين يكون الجاني من علية القوم، تتحول العدالة إلى مفاوضات، وتتحول الحقيقة إلى عبء.
إبستين لم يكن ذئبا منفردًدا، بل سمسارا في سوق القذارة العليا. كان حلقة وصل بين المال والسلطة، بين الرغبة المنفلتة والنفوذ المحمي. ولهذا لم يكن موته نهاية القصة، بل إغلاقا قسريا لملف كان يجب أن يفتح على مصراعيه. مات الرجل، وبقيت الشبكة. سجّلت النهاية، ولم تبدأ المحاسبة.
و نحن لا يرى في هذه القضية انحرافا أخلاقيا فقط، بل نتاجا منطقيا لبنية طبقية فاسدة. حين تتكدس الثروة في أيد قليلة، تتكدس معها القدرة على الإفلات من العقاب. وحين تختزل السياسة في خدمة رأس المال، يصبح الإنسان ، وخاصة الأضعف ، مادة قابلة للاستهلاك، ثم للرمي.
هذه الفضيحة كشفت حقيقة طالما حاربوا من قالها:
أن النخب التي تعظ عن القيم، هي ذاتها التي تدوسها سرا.
أن الديمقراطية التي يتغنون بها، تتوقف عند أبواب قصورهم.
وأن “دولة القانون” تنهار متى تعارض القانون مع مصالح السادة.
إبستين ليس استثناء، بل دليل إدانة. دليل على أن هذا النظام لا يصلح بالترقيع، ولا يهذّب بالوعظ، بل يواجه بالكشف، بالمحاسبة، وبكسر قدسية السلطة. فالثورة ليست فقط ضد الاستغلال الاقتصادي، بل ضد تحالف القذارة والامتياز.
في عالم عادل، لا تغلق الملفات بالموت، ولا تدفن الجرائم مع الجثث، ولا يختزل الضحايا في هوامش الأخبار.
أما في عالمهم… فإبستين سقط، لكن الإمبراطورية التي صنعته ما زالت واقفة.
ولهذا بالضبط،
لا نطالب بفضيحة…
بل بمحكمة للتاريخ.
في عالم الرأسمالية المتأخرة، لا تخشى الفضائح، بل تستثمر. تتحول الجريمة إلى ملف، والملف إلى ضجيج، والضجيج إلى تشويش، ثم إلى نسيان منظّم. ما كشف في قضية إبستين لا يمثل خللا في المنظومة، بل يكشف براعتها في امتصاص الصدمات. هنا لا يعمل النظام رغم الفساد، بل بواسطته.
الفضيحة، في هذا السياق، ليست تهديدا للسلطة، بل إحدى أدوات إدارتها. تطلق بجرعات محسوبة، وتربط بأسئلة جانبية، وتغرق في تفاصيل مثيرة، حتى يفصل الحدث عن جذره الاجتماعي. وهكذا، يطلب من الناس أن يغضبوا، لا أن يفهموا؛ أن يدانوا الأفراد، لا أن يحاكموا البنية.
قضية إبستين تضعنا أمام واقع أكثر عريا: الدولة الحديثة لم تعد حارسا للأخلاق العامة، بل منسّقا بين المصالح المتناقضة للنخبة. حين تتقاطع السياسة مع المال ومع الأجهزة، يصبح كل شيء قابلا للتسوية، حتى أكثر الجرائم انحطاطا. ليس لأن القيم انهارت، بل لأن القيم لم تعد معيارا للحكم أصلا.
في هذا العالم، تفصل السلطة عن المجتمع فصلا كاملا. تدار من فوق، وتحمى من فوق، وتحاسب ، إن حوسبت ، من فوق. أما من هم في الأسفل، فهم مجرد مادة للعرض: ضحايا بلا أسماء، شهود بلا صوت، وحكايات تروى دون أن تغيّر شيئا. هكذا تتحول العدالة إلى مسرح، والقانون إلى ديكور.
و الأخطر أن هذه المنظومة لا تكتفي بالحماية، بل تعيد إنتاج ذاتها عبر ثقافة التطبيع. يتم تدريب الرأي العام على تقبّل فكرة أن “الحقيقة معقدة”، وأن “كل شيء ملتبس”، وأن “لا أحد بريئا تماما”. بهذه اللغة الرمادية، تغسل الجرائم، وتعاد صياغة الوحشية كتعقيد، والانحلال كغموض.
ما يفضحه ملف إبستين أيضا هو انهيار الخطاب الليبرالي عن الحريات الفردية. فالحريات التي ترفع كشعار، تتبخر عندما تتعارض مع مصالح الطبقة المسيطرة. الحرية هنا ليست حقا إنسانيا، بل امتيازا طبقيا. من يملك الثروة يملك الوقت، والوقت يشتري الصمت، والصمت يشتري النجاة.
ومن داخل هذا الخراب، يتضح أن الاستغلال لا يقتصر على العمل والإنتاج، بل يمتد إلى الجسد نفسه. الجسد الفقير، المهمّش، غير المحمي، يتحول إلى ساحة مباحة. لا لأن المعتدي قوي فقط، بل لأن النظام كله صمّم كي لا يسمع صراخ الضعفاء. هذه ليست جريمة أفراد، بل نتيجة مباشرة لتراتبية اجتماعية تضع الإنسان في آخر السلم.
إن تفكيك هذه القضية يقود إلى خلاصة مزعجة:
أن الرأسمالية حين تبلغ أقصى تركّزها، تفقد أي حاجة للتستّر الأخلاقي.
تتحدث عن القيم نهارا، وتمارس النهب ليلا.
تدين العنف في الأطراف، وتنتجه في المركز.
وتطالب الشعوب بالشفافية، بينما تبني لنفسها متاهات من الحصانة.
من هنا، لا يكون الغضب كافيا، ولا الشجب حلا. المطلوب هو نقل الفضيحة من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي، ومن مستوى الأخلاق إلى مستوى السياسة، ومن الإدانة الرمزية إلى الصراع الحقيقي. فإما أن تفهم إبستين كاستثناء، أو تقرأ كمرآة. والفرق بين القراءتين هو الفرق بين إصلاح وهمي وتغيير جذري.
هذه القضية تقول لنا بوضوح:
إن النظام الذي يحمي المجرمين لن يسقط من تلقاء نفسه.
وإن العدالة التي تمنح من فوق تسحب متى شاء أصحابها.
وإن الصمت، مهما كان مبرّرا، جزء من الجريمة.
ولذلك، فإن المعركة ليست حول رجل مات،
بل حول عالم كامل
ما زال حيّا…
ويعمل بكفاءة.
و ثمّة ما هو أخطر من الجريمة، وأعمق من الصمت، وأكثر بنيوية من التواطؤ: الابتزاز بوصفه تقنية حكم. ملف إبستين يفتح نافذة مظلمة على شكل من أشكال السلطة لا يناقش علنا، لأنه لا يدار بالقوانين ولا بالمؤسسات، بل بالملفات السرية، وبالمعرفة القذرة التي تمنح من يمتلكها قدرة التحكم في مصائر الآخرين.
في هذا المستوى، لا يعود السؤال: من ارتكب الجريمة؟
بل: من استفاد من معرفتها؟ ومن استخدمها؟ ومن راكم بها نفوذا؟
حين تجمع الأسرار في يد قلة، تتحول الجريمة إلى رأسمال سياسي. ليس مطلوبا كشفها، بل الاحتفاظ بها. هكذا تصبح الفضائح غير المنشورة أكثر فاعلية من تلك التي تعلن. الصمت هنا ليس تواطؤا فقط، بل استثمار طويل الأمد. إننا أمام نمط سلطة يعمل في الظل، لا يحتاج إلى القمع المباشر، لأن التحكم يتم عبر التهديد الكامن.
في هذا السياق، لا يظهر إبستين كمنحرف ثري فحسب، بل كـعقدة تقاطع بين المال، الاستخبارات، والعلاقات العابرة للحدود. عالم لا تدار فيه السياسة عبر البرامج، بل عبر “ما نعرفه عنك”. عالم تختصر فيه السيادة الوطنية، وتخترق فيه النخب من الداخل، وتربط مصائر القرار السياسي بملفات لا يراها الناس.
هذا البعد يفضح وهم الاستقلال الذي تتباهى به الديمقراطيات الغربية. فالقرار هناك ليس حرا كما يروّج، بل مثقل بتاريخ غير معلن. من تورّط مرة، يصبح قابلا للتوجيه. من صمت مرة، يصمت إلى الأبد. هكذا تتحول الأخلاق الخاصة إلى مسألة أمن قومي، وتتحول الحياة الشخصية إلى سلاح.
الأخطر من ذلك هو تورّط المعرفة نفسها. الجامعات، مراكز التفكير، المؤسسات “المرموقة” التي تقدّم بوصفها عقل النظام، تظهر في هذا السياق كجزء من شبكة علاقات مغلقة، حيث تختلط السلطة بالوجاهة، والعلم بالتمويل، والفكر بالولاء. ليست المعرفة هنا أداة تحرر، بل آلية تبرير.
ومن هذه الزاوية، تتهاوى أسطورة “النخبة المستنيرة”. فالنخبة التي تفشل أخلاقيا، لا تفشل فجأة، بل لأنها تعيش في فضاء منزوع المساءلة. تعتقد أنها فوق المجتمع، وخارج الرقابة، وبعيدة عن العواقب. وحين تنهار، لا تنهار وحدها، بل تكشف خواء الخطاب الذي طالما بشّرت به.
قضية إبستين تكشف أيضا عنفا من نوع آخر: عنف الرمزية. حيث يقنع الناس بأن ما يجري لا يعنيهم، وأنه “صراع داخل القمة”، وأن الضحايا مجرد تفصيل مؤلم. بهذه الطريقة، يفصل المجتمع عن الحقيقة، ويحرم من حقه في الغضب الواعي، ويدفع نحو اللامبالاة بوصفها حكمة.
لكن الحقيقة أن هذا النمط من السلطة لا يعيش إلا في ظل اللامبالاة. كلما اقتنع الناس بأن ما يحدث “بعيد عنهم”، ازداد النظام جرأة. وكلما تحولت الفضائح إلى مادة للتهكم، لا للفعل، ترسّخ منطق الإفلات.
إن أخطر ما في هذا الملف أنه يقول لنا بوضوح:
إن السيطرة الحديثة لا تحتاج دائما إلى الدبابة،
ولا إلى السجن،
بل إلى سر محفوظ في درج مغلق.
ومن هنا، فإن معركة التحرر ليست فقط ضد الاستغلال الاقتصادي، ولا فقط ضد القمع السياسي، بل ضد احتكار الأسرار، وضد تحويل الحقيقة إلى ملكية خاصة. فالمجتمع الذي لا يعرف، لا يقرر. والشعب الذي لا يملك الحقيقة، لا يملك مستقبله.
إبستين، من هذه الزاوية، ليس نهاية قصة،
بل علامة على شكل عالم
تدار فيه السلطة بما لا يقال،
ويحكم فيه الناس
بما لا يرى.
و كذلك أخطر ما في قضية إبستين ليس فقط ما جرى في الظل، بل ما عرض في الضوء. فالرجل لم يظهر للعالم كوحش، بل كفاعل خير، كمموّل للأبحاث، كصديق للعلم والإنسانية. هنا بالضبط تكمن إحدى أكثر آليات السلطة المعاصرة خبثا: تحويل العمل الخيري إلى قناع سياسي وأخلاقي.
في زمن النيوليبرالية، لم تعد الرأسمالية تكتفي بالاستغلال، بل تسعى إلى تبييض ذاتها رمزيا. تنتج الفقر ثم تتبرع له، تدمّر التعليم العمومي ثم تموّل المنح، تعمّق اللامساواة ثم تتباكى على “تكافؤ الفرص”. في هذا السياق، لا يكون التمويل الخيري فعل تضامن، بل إعادة تدوير للجريمة في صيغة فضيلة.
ملف إبستين يضع هذا النمط تحت المجهر: كيف يفتح للأثرياء باب الجامعات، مراكز البحث، والمؤسسات الثقافية، لا بوصفهم مواطنين، بل بوصفهم رعاة فوق المساءلة. المال هنا لا يشتري فقط النفوذ، بل يشتري الاحترام، ويشتري الصمت، ويشتري موقعا أخلاقيا زائفا يسمح لصاحبه بأن يبدو “منقذا” لا متهما.
بهذه الآلية، تتحول المعرفة نفسها إلى رهينة. البحث العلمي الذي يفترض أن يخدم المجتمع، يصبح مرتبطا بمصالح المموّل. تطرح الأسئلة التي لا تغضب، وتستبعد القضايا التي قد تكشف البنية. ليست الرقابة هنا مباشرة، بل ناعمة، مهذبة، ومموّلة بسخاء.
ثمّة أيضا بعد مكاني بالغ الدلالة: الجزيرة. ليست مجرد موقع جغرافي، بل استعارة سياسية. الجزيرة هي فضاء الاستثناء، المكان الذي يعلّق فيه القانون، وتختبر فيه حدود السلطة. في عالم العولمة، لم تعد السيادة مرتبطة بالدولة فقط، بل بالملكية. من يملك المكان، يحدّد القاعدة. ومن يملك القاعدة، يحدّد من يحاسب ومن يترك.
الجزيرة، القصر، النادي المغلق، الطائرة الخاصة… كلها أشكال حديثة لـإقطاع معولم. فضاءات لا يدخلها العموم، ولا يصلها القضاء بسهولة، ولا ترى إلا عندما يقرّر أصحابها ذلك. هنا تتجسّد اللامساواة لا كفكرة، بل كجغرافيا ملموسة.
الأشد خطورة أن هذا النموذج يقدّم بوصفه نجاحا. يطلب من العالم أن يعجب بالأثرياء “المتنورين”، أن يصفّق للمبادرات الخاصة، وأن يقبل بانسحاب الدولة من مسؤولياتها. وهكذا، تخصخص الأخلاق كما خصخصت الخدمات. يصبح الخير قرارا فرديا، لا حقا جماعيا.
في هذا المناخ، تمحى الحدود بين الإحسان والسيطرة. من يتلقى التمويل يصبح مدينا، ومن يصمت يصبح شريكا بالصمت. لا حاجة هنا إلى تهديد، يكفي الامتنان المفروض. وهكذا، تفرغ فكرة التضامن من معناها، وتعاد صياغتها كعلاقة عمودية بين متفضّل وممتن.
قضية إبستين، من هذه الزاوية، ليست فقط سقوط شخص، بل سقوط سردية كاملة: سردية الرأسمالي الطيب، والفاعل الخيري النزيه، والنخبة التي “تعوّض” فشل النظام بأعمال إنسانية. لقد انكشف أن ما يقدّم كحل هو في الحقيقة جزء من المشكلة.
إن مجتمعا يسلّم مصيره لأموال بلا رقابة،
ويفوّض أخلاقه لفاعلين خاصين،
ويستبدل الحقوق بالمنح،
إنما يهيّئ الأرضية لأقصى درجات الانحراف.
لهذا، لا يمكن فصل الفضيحة عن السؤال الجوهري:
من يملك الحق في تعريف الخير؟
ومن يقرّر من هو “المحسن” ومن هو “المستحق”؟
ما لم ينتزع العمل الإنساني من قبضة رأس المال،
وما لم تعاد السياسة إلى المجال العام،
سيظل القناع الخيري جاهزا…
لكل وحش جديد.
تتّضح الصلة هنا بلا مواربة: فإذا كان ما سبق قد كشفت كيف تدار السلطة في الإمبريالية عبر الانحلال والابتزاز والفضيحة المحمية، فإن دفعة ترامب تمثّل انتقال ذلك المنطق من الغرف الخلفية إلى الواجهة؛ من إدارة قذرة في الظل إلى حكم صاخب في العلن. ترامب لم يخرج عن القاعدة التي مهّدتها تلك الشبكات، بل جاء ليعلنها رسميا، بوصفه الشكل السياسي المكشوف لنظام كان يدير انحرافه سرا، ثم قرر أخيرا أن يحكم به.
لم يهبط ترامب على العالم من فراغ، ولم يكن نكتة سياسية خرجت عن النص. لقد خرج من رحم الإمبريالية نفسها، من تاريخها الطويل في تحويل العنف إلى سياسة، والنهب إلى “قيادة”، والهيمنة إلى “قدر”. ترامب ليس خطأً في النظام الأميركي، بل اعترافا فاضحا به. لحظة صار فيها المستور هو العنوان، والوقاحة هي الصدق الوحيد المتبقّي.
الإمبريالية الأميركية، حين بلغت طورها المتأخر، لم تعد بحاجة إلى رؤساء يتقنون اللغة المنمّقة. احتاجت من يقول الحقيقة كما هي: أن العالم سوق، وأن الدول زبائن، وأن الشعوب فائض بشري. ترامب قال ذلك بلا استعارات. قاله بصفقات، بتهديدات، وباستخفاف كامل بكل ما سمّي يوما “قيما كونية”.
إنه ابن اقتصاد بنى ثروته على الاحتيال المقنّن، وعلى تدمير المدن ثم إعادة تسويق أنقاضها. ابن ثقافة إعلامية حوّلت التفاهة إلى رأسمال، والكذب إلى مهارة، والفضيحة إلى وقود. ابن دولة علّمت العالم الديمقراطية نهارا، وأدارته ليلا بالانقلابات والحروب بالوكالة. فكيف نفاجأ إن خرج منها رئيس يرى العالم امتدادا لأنا متضخّمة؟
ترامب هو تتويج لمسار طويل من تسييل السياسة. في عهده ، وما يمثّله ، لم تعد الرئاسة موقع قرار عقلاني، بل منصة استعراض دائم. يقاس النفوذ بعدد الإهانات، وتدار العلاقات الدولية بمنطق المبارزة، ويختزل القانون إلى عائق يجب الالتفاف عليه. هذه ليست شخصية “غريبة”، بل نمط حكم حين تتعرّى الإمبريالية من أي حاجة للتزيّن.
الأمّ الإمبريالية التي أنجبته هي ذاتها التي:
دمّرت دولا باسم الحرية،
سلّحت طغاة باسم الاستقرار،
نهبت القارات باسم السوق،
ثم طالبت الضحايا بالامتنان.
من هذا التاريخ خرج ترامب طبيعيا. خرج لأن الإمبريالية حين تشيخ، تفقد لغتها الأخلاقية وتستعيض عنها بالصراخ. لم يعد لديها ما تعد به سوى القوة العارية. وترامب هو هذا العري السياسي بأوضح أشكاله.
إن ازدراءه للنساء، احتقاره للمهاجرين، تهكّمه على الفقراء، وتعامله مع الجسد والإنسان كشيء قابل للاستهلاك، ليست سمات شخصية فقط، بل ثقافة سلطة تربّت عليها النخبة الأميركية حين اعتادت الإفلات، واعتادت النظر إلى الآخر كموضوع لا كذات. الفرق الوحيد أن ترامب لم يخف ذلك.
وحين يصل هذا النموذج إلى قيادة التأثير العالمي، تصبح الكارثة مزدوجة:
كارثة داخلية تشرعن الانقسام والعنصرية،
وكارثة كونية تدار فيها السياسة الدولية بمنطق “الأقوى يفرض”.
ترامب لم يحكم العالم لأنه عبقري، بل لأن الإمبريالية لم تعد قادرة على إنتاج بديل مقنع. لم يعد لديها مشروع، فاستعاضت عنه بالشخصية. لم يعد لديها أفق، فاختارت الاستعراض. لم يعد لديها أخلاق تسوّق، فقرّرت أن ترهب.
وهنا بيت القصيد:
إن إدانة ترامب دون إدانة الإمبريالية نفاق سياسي.
وإن اختزال الخطر في شخصه وحده تضليل.
فالرحم الذي أنجبه ما زال قائما،
والشروط التي سمحت بصعوده لم تلغ،
والنظام الذي حماه مستعد لإنتاج نسخة أخرى… ربما أدهى.
ترامب هو اللحظة التي قالت فيها الإمبريالية للعالم:
“هذا أنا بلا أقنعة”.
ومن لا يرى في ذلك إعلان إفلاس حضاري،
فلأنه ما زال يراهن على أمّ
لم تعد تنجب إلا الخراب.
و إذا كان عرضنا قد عرض ترامب كأوضح نموذج للسلطة الفجّة، كابن طبيعي للإمبريالية التي خلعت أقنعتها، فإن ما يلي يوسع المشهد: كل النخب النيوليبرالية، كل الرأسمالية العابرة للحدود، وكل مؤسسات الإمبريالية هي المحرك الحقيقي للعالم الذي يخرّبه هؤلاء القادة الظاهرون. ترامب لم يأت من فراغ؛ ما زال النظام الذي سمح له بأن ينهب، ويقهر، ويبتز، يكرّر نفسه يوميا عبر كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تديرها النخبة العالمية.
إن النيوليبرالية الإمبريالية لم تعد مجرد أيديولوجيا اقتصادية، بل آلة مركّبة لتفكيك المجتمعات. كل حرب معلنة أو مسلحة، كل حصار اقتصادي، كل اتفاق تجاري صمم لإفقار الدول النامية، وكل شبكة تمويل عالمية تعمل على تضخيم الثروات في يد أقلية، هي امتداد مباشر لسياسة الانتهاك التي تسمح بها الإمبريالية. هذه المنظومة صنعت عالما يصبح فيه الاتجار بالبشر ممارسة طبيعية للسوق، وتحويل الطفولة والحقوق الإنسانية إلى أرقام قابلة للبيع، في الوقت الذي يُعلن فيه النظام نفسه حاميا للأخلاق والحرية.
ترامب، في هذا الإطار، ليس شخصية استثنائية، بل نتيجة متوقعة ومعلنة. كل صعوده، كل تجاوزاته، كل إساءاته العلنية ليست خروجا عن النظام، بل تجسيدا صريحا لمنطق الإمبريالية النيوليبرالية: القوة بلا قيود، السوق بلا حدود، والانتهاك بلا مساءلة. ما كان يدار في الظل أصبح في العلن، وما كان يغطّى بالقوة السياسية والإعلامية أصبح مشروعا انتخابيا يحتفى به. وهنا يتضح أن المرض ليس في الفرد، بل في البنية التي تنتجه وتكرّسه.
النخب النيوليبرالية، بامتيازاتها الاقتصادية، وسيطرتها على الإعلام والثقافة والسياسة، أطلقت العنان لشهوات النظام وجعلت من الانتهاك ممارسة مسموحة. لم يعد هناك فرق بين القهر والربح، أو بين التجارة بالجسد والتمويل الدولي، فكل شيء يندرج تحت منطق واحد: تحقيق القوة المطلقة. هذه المنظومة أثبتت أن الشر ليس طارئا، بل مخطط منهجي، وأن الإنسانية في أسفل السلم الاجتماعي لم تعد قيمة إلا عند ثمنها.
هنا تظهر الممارسة الأكثر وحشية: قصف الطفولة واستباحة البراءة بوصفها أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية. كل مؤسسات الحماية الاجتماعية التي أُضعفت، كل حقوق أسقطت، كل فجوة اقتصادية تم توسيعها، تنتج عالما تصبح فيه الطفولة عرضة للانتهاك المنهجي، وهي تعبير مباشر عن طينة النخب وحاضنتها الإمبريالية، وعن أصل المرض الذي يدعى “سلطة بلا رادع”. ما يسمّى قانونا، ودستورا، وحقوقا، في قلب هذا العالم، لا يمت إلى العدالة بصلة، بل يستعمل لحماية الفاسدين وتطبيع الانتهاكات.
والمفارقة الكبرى أن هذه المنظومة لا تنتج قادة وحسب، بل تصنع الرموز: رجال مثل ترامب هم واجهة صاخبة لحقيقة أعمق، لآلة كبيرة تتحكم بالاقتصاد، بالسياسة، بالثقافة، وبالإنسان نفسه. بينما يحتفى بالزعيم الظاهر، تستمر الأجهزة الخفية، المصارف، الشركات متعددة الجنسيات، ووكالات الضغط، في إعادة إنتاج كل الانتهاكات، كل الفقر، وكل القهر بلا توقف.
و في خلاصة القول ، العالم الذي نراه اليوم ، من الحروب الاقتصادية، إلى الأسواق المفتوحة على استغلال الأطفال، إلى النخبة التي تحمي نفسها على حساب البشرية ، ليس صدفة. إنه صناعة متكاملة للإمبريالية النيوليبرالية، التي أنجبت ترامب ومن قبله مئات الرموز الأخرى، والتي جعلت من الانتهاك وسيلة، ومن القوة المطلقة هدفا، ومن البشرية مادة مستباحة. وكل يوم يمر بلا مقاومة، هو يوم يثبت صحة هذا المنطق ويكرّسه.
فترامب كابن طبيعي للإمبريالية، كل نظامه وكل نخبته ليست مجرد امتداد له، بل شبكة كاملة تعمل على إعادة إنتاج الانتهاك والسيطرة والخراب، وأن القائد الظاهر هو مجرد رمز لما هو أوسع، أعمق، وأكثر شراسة في قلب الإمبريالية النيوليبرالية.
فما انكشف ليس ملفا، ولا سلسلة فضائح، ولا أسماء يمكن استبدالها. ما انكشف هو عدوّ حضاري، منظومة فقدت أي صلة بالعقل الجمعي للإنسانية، وتعيش على تحويل القبح إلى قاعدة، والانتهاك إلى سياسة، والهيمنة إلى “نظام عالمي”. هذا العدو لا يخطئ، بل يعمل وفق منطقه الخاص: منطق القوة العمياء، والرغبة المنفلتة، والربح المجرد من أي معنى إنساني.
لقد بلغ هذا النظام درجة من الانفصال عن الواقع جعلته غير قادر على رؤية البشر إلا كمواد: قوة عمل، أرقام، أسواق، أو فرائس. هنا يكمن الاختلال الحقيقي: اختلال الوعي الذي يخلط بين السلطة والحق، بين السيطرة والقيمة، بين الاستعراض والحقيقة. ليس هذا انحرافا طارئا، بل تكوينا بنيويا لنظام لم يعد يملك سوى العنف الرمزي والمادي ليستمر.
الفضح، في هذا السياق، ليس تشهيرا ولا ثأرا أخلاقيا، بل سلاح معرفة. كل كشف جديد يربك السردية الرسمية، كل تسمية مباشرة تكسر التواطؤ، وكل ربط بين الجرائم وبنيتها يزعزع شرعية القوة. الصمت هو الوقود الأخير لهذا العدو، والتطبيع هو درعه الأقسى. لذلك، فإن المعركة القادمة ليست حول الوقائع وحدها، بل حول من يملك حق تسميتها.
هذا النظام يخاف من الضوء لأنه يعيش على العتمة المدارة، ويخاف من الوعي لأنه لا يستطيع مواجهته إلا بالتشويه. وحين ينهار الخطاب، يلجأ إلى الصراخ؛ وحين يفشل الإقناع، يستدعي الردع. لكن التاريخ لا يدار إلى الأبد بالقوة. كل منظومة تبني سلطانها على إنكار الإنسان، تحفر نهايتها بيدها.
الدعوة اليوم ليست إلى انتظار سقوط تلقائي، بل إلى تصعيد الفضح المنظّم: فضح الاقتصاد الذي يشرعن الإفقار، والسياسة التي تبيّض الهيمنة، والثقافة التي تطبّع القبح، والإعلام الذي يحوّل الجريمة إلى عرض. الفضح هنا فعل مقاومة، وتراكمه يصنع شقوقا لا ترقّعها الدعاية.
لسنا أمام خصم “قوي” بقدر ما نحن أمام خصم عار من المعنى. قوته في بطشه، وضعفه في خوائه. وكلما ازداد انكشاف هذا الخواء، تراجعت قدرته على الادّعاء. المعركة طويلة، نعم، لكنها واضحة الاتجاه: استعادة الإنسان من قبضة السوق، واستعادة السياسة من قبضة الهيمنة، واستعادة الحقيقة من قبضة التشويه.
لا صمت بعد اليوم.
لا حياد في مواجهة منظومة جعلت الانتهاك قاعدة.
ولا مساومة مع نظام لا يفهم إلا لغة القوة والربح.
الفضح ليس نهاية الطريق، لكنه بدايته الضرورية.
ومن لا يحتمل الضوء…
ليس أهلا للحكم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق