جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

تونس بين الفراغ والسياسة: قراءة سريعة لفتح نقاش في الأزمة المستمرة.رياض الشرايطي

 تونس بين الفراغ والسياسة: قراءة سريعة لفتح نقاش في الأزمة المستمرة.رياض الشرايطي

في قلب البحر الأبيض المتوسط، تتكدس تونس بين إرث تاريخي ثري ومأزق سياسي واجتماعي حاد. الدولة تدار بعقل يختزل السياسة إلى أدوات ردّ فعل، يرى المواطن مجرد مادة للسيطرة، والتشريع مجرد واجهة لإضفاء شرعية على سلطة مركزة تفتقر إلى أي أفق ديمقراطي حقيقي. المؤسسات تتحرك وفق منطق الطوارئ الدائم، فتحوّل الزمن إلى إدارة أزمة متواصلة، وتستثمر الصدمات بدل أن تولّد حلولا. الشعب، بدوره، لم يعد يختزل في صورته الرسمية أو في بيانات الزعماء، لكنه يعامل ككتلة صامتة، كجمهور يستدعى للتصفيق أو للامتثال، بينما تدار السياسة بعيدا عن حضوره المباشر، بعيدا عن أي مشاركة حقيقية أو مساءلة.
القوى السياسية، من سلطة ومعارضة، لم تعد تخاطب الواقع ولا الجماهير بصدق؛ كل خطاب يخفي وراءه مصالح، وكل إجراء يختزل الفعل الاجتماعي إلى مجرد إدارة للأزمات أو منافسة على المواقع. في هذا المشهد، تتفكك المعاني، ويضيع البوصلة بين ما هو مطالب اجتماعية مشروعة وبين ما هو صراع على السلطة بحت. وفي قلب هذا الانسداد، تظهر المنظمات الاجتماعية والنقابية والجمعيات المدنية كما لو أنها تحاول سد الفراغ، لكنها في الكثير من الحالات تصبح أدوات لضبط الحركة الشعبية أو تفريغها من مضمونها النضالي، ما يجعل من كل مشروع إصلاحي أو تحرك جماهيري اختبارا حقيقيا لإمكانية الفعل والوجود خارج دوائر التحكم التقليدية.
هكذا، لا يمكن فهم الواقع السياسي والاجتماعي الحالي بمعزل عن التاريخ الذي شكّل الدولة، أو عن البنية الاجتماعية التي صارت مرآة لفشل المؤسسات، ولا عن القوى التي تتصارع داخله، كل يحمل جزءً من الأزمة، وكل يتوارى خلف شعارات وشرعيات زائفة، بينما المشهد برمته يزداد تعقيدا، ويحتاج إلى قراءة جذرية تتجاوز المظاهر، وتصل إلى جوهر الصراع بين القوة والحق الاجتماعي، بين المؤسسات والمجتمع، وبين التاريخ المتراكم والمستقبل المحتمل.
في هذا الواقع المعقّد، لا يمكن فهم الأزمة السياسية والاجتماعية في عزلة عن الفاعلين الأساسيين: السلطة التي تحتكر القرار، والنقابات التي تمثل صوت العمل، والمجتمع المدني الذي يفترض أن يكون فضاء للتعبير والمبادرة، والمعارضة التي تدّعي التغيير بينما كثير منها جزء من المنظومة نفسها، واليسار الذي يفترض أن يكون البديل الجذري لكنه يفتقد للتجدد والانخراط الفعلي. كل هذه القوى تتفاعل، تتصارع أحيانا، وتتواطأ أحيانا أخرى على إدارة الفراغ، وكلها تشكل أبعاد المشهد السياسي الراهن، الذي لا يمكن تحليله إلا بالربط بين هذه المكوّنات وفهم كيف ينتج التحكم، وكيف يفقد الفعل الاجتماعي إمكانياته.
هذه الرابطة تحدد خريطة القوى ومسار التحليل: سنتتبع منطق السلطة وإدارتها للأزمة، ونفحص البيروقراطية في اتحاد الشغل، ونحلّل الدور الحقيقي للجمعيات المدنية، ونكشف ازدواجية المعارضة، ثم نغوص في مأساة اليسار التونسي وتشتته، لنصل في النهاية ، و بشكل سريع ، إلى استشراف الفراغ السياسي وأفق الإصلاح أو الانفجار المحتمل. كل خطوة ستكون جزء من محاولة الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن للمجتمع التونسي أن يحوّل هذا الواقع المختنق إلى أرض صالحة للفعل التاريخي والفعل الجماعي؟
فالمعارضة، في مجملها، تعاني من أزمة معنى قبل أزمة قوة. جزء منها لا يزال أسير معارك قديمة وأطر مفهومية لم تعد تقنع أحدا، وجزء آخر يراهن على أخطاء السلطة دون أن يقدّم بديلا جذريا. الأخطر أن جزء مهما من هذه المعارضة كان، في وقت سابق، هو السلطة نفسها: الدساترة بمختلف تسمياتهم، بقايا التجمع، وحركة النهضة. هذه القوى تحاول اليوم التموقع كحامية للديمقراطية أو كضحايا للاستبداد، لكنها في الجوهر لا تختلف عن السلطة الحالية إلا في الآلية والخطاب. فقد حكمت الدولة بعقل الاحتكار نفسه، وأدارت المجتمع بمنطق الإقصاء ذاته، واعتمدت شرعيات ظرفية، انتخابية أو رمزية، لتبرير السيطرة. اعتراضها اليوم ليس على جوهر الحكم الفردي أو على تهميش المجتمع، بل على خروجها من دائرة القرار. لذلك تبدو معارضتها بلا مصداقية اجتماعية، لأنها تفتقد النقد الذاتي ولا تحمل مشروعا يقطع مع أسباب الانهيار. هي معارضة تريد استعادة مواقعها، لا تغيير قواعد اللعبة، وهو ما يجعلها جزء من الأزمة لا أفقا للخروج منها.
فاليسار التونسي، رغم غناه النظري وتاريخه النضالي وتضحيات مناضليه، يعيش اليوم أزمة عميقة لا يمكن اختزالها في القمع أو في اختلال موازين القوى وحدها، بل هي أزمة بنيوية تتعلق بذاته قبل خصومه. هو يسار مشتّت، متنافر، يفتقد وحدة الأفق حتى عندما يرفع الشعارات نفسها. جزء كبير منه تحنّط داخل مفاهيم جامدة، يتعامل معها كعقائد مكتملة لا كأدوات تحليل حيّة، فحوّل الماركسية من منهج جدلي نقدي إلى نصوص محفوظة، ومن بوصلة لفهم الواقع المتحوّل إلى قوالب جاهزة تسقط عليه قسرا. هذا التحنّط الفكري رافقه عجز شبه كامل عن ممارسة النقد الذاتي، وكأن الاعتراف بالأخطاء خيانة، وكأن مراجعة التجربة تعني التفريط في “الشرعية التاريخية”.
ولا يتوقف الأمر عند التشتت التنظيمي، بل يتعمق في تنافر داخلي حاد، حيث يتعامل كل فصيل مع ذاته بوصفه حامل الحقيقة الوحيدة، ويرى في الآخرين انحرافا أو خيانة أو نقصا في الوعي. هكذا تحوّل الخلاف، بدل أن يكون مصدر غنى وجدلية، إلى صراع هويّاتي عقيم، تهدر فيه الطاقات ويستنزف الزمن في معارك جانبية لا تمتّ بصلة إلى الشارع ولا إلى الحاجات الملموسة للناس. هذا المناخ غذّى بدوره ظاهرة عبادة الشخصية والزعاماتية، حيث تقدّس القيادات، وتحصّن من النقد، وتختزل التنظيمات في أسماء ووجوه، لا في برامج وممارسات، ويعاد إنتاج منطق السلطة داخل اليسار نفسه، بنفس الآليات التي يدّعي محاربتها على مستوى الدولة.
إلى جانب ذلك، يظهر العجز الفادح لليسار عن الانخراط الجدي في أسئلة القرن الحادي والعشرين: تحولات العمل، الرأسمالية الرقمية، الاقتصاد المعرفي، المسألة البيئية، أشكال السيطرة الجديدة، وأنماط التنظيم الأفقي، ولغات التواصل الجديدة. كثير من اليسار ما يزال يفكر بأدوات القرن العشرين، ويتعامل مع الواقع بعين الماضي، غير قادر على استيعاب أن الصراع الطبقي لم يختف، بل تغيّر في أشكاله وتجلياته. بدل تطوير أدواته النظرية والتنظيمية، يلوذ بالنوستالجيا أو يكتفي بإدانة العالم لأنه لم يعد يشبه كتبه القديمة.
بهذا المعنى، لا تكمن مأساة اليسار التونسي فقط في ضعفه، بل في انفصاله المتزايد عن الحركة الحقيقية للتاريخ وعن جدليته. يسار عاجز عن التجدد، خائف من النقد، متشبث باليقينيات، ومتصالح مع هامشيته، لا يمكنه أن يكون بديلا فعليا مهما علت نبرته أو صلبت لغته. فالبديل لا يبنى بالشعارات ولا بالذاكرة وحدها، بل بقدرة دائمة على التفكيك والمراجعة، وبالتجذّر في الواقع، والانفتاح على أسئلة العصر دون التفريط في جوهر الانحياز للطبقات الشعبية. دون ذلك، سيبقى اليسار شاهدا غاضبا على الهامش، لا قوة تغيير في قلب الصراع.
تونس اليوم ليست أمام صراع بسيط بين سلطة ومعارضة، بل أمام فراغ سياسي يتسع. إمّا أن يملأ بإعادة بناء السياسة من الأسفل، بربط الاجتماعي بالسياسي، والنقابي بالتحرري، واليسار بالجماهير لا بالبيانات، وإمّا أن يملأ بأشكال أكثر قسوة من السلطوية أو بانفجارات غير متوقعة. التاريخ لا ينتظر المترددين، واللحظات المختنقة لا تحلّ بالحياد، بل بالانحياز الواضح لمصالح الناس وحقهم في أن يكونوا فاعلين لا موضوعا للإدارة.
فتونس اليوم أمام لحظة فاصلة: ليست صراعا بين سلطة ومعارضة، بل اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمع على صناعة مستقبله، وسط فراغ سياسي واجتماعي تتسع أبعاده كل يوم. هذا الفراغ ليس مجرد نقص في التمثيل أو أزمة مؤسسات، بل انهيار الوسائط التي كانت تربط المجتمع بالسلطة، وتفكك معنى المشاركة السياسية نفسها. الفراغ ينتظر من يملأه: إمّا أن يستثمر لإعادة بناء السياسة من الأسفل، من الشارع، ومن أماكن العمل والجهات المهمّشة، بربط العضوي بين الاجتماعي والسياسي، بين النقابي والتحرري، وبين الحاضر والمستقبل؛ أو أن يستغل من قوى السلطوية أو من انفجارات عشوائية تتحوّل لاحقا إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة والقمع.
التاريخ في مثل هذه اللحظات لا يمنح فرصا إضافية، والحياد انحياز تلقائي للأقوى، أما التأجيل فهو خيانة محتملة للتغيير. إعادة بناء السياسة هنا لا تعني العودة إلى برامج جاهزة أو شعارات محفوظة، بل التأسيس على المبادرة الاجتماعية الفعلية، على إرادة الجماهير، على حقّها في التنظيم الذاتي، في الخطأ، في التجربة، وفي الفعل المباشر الذي يصنع التاريخ. هذه هي الآلية الوحيدة لتحويل الفراغ إلى أفق، وليس الاكتفاء بانتظار الحلول من الخارج أو من النخب المحمية.
إن عدم الانخراط الحقيقي في هذا البناء يجعل كل الحديث عن الديمقراطية أو الإصلاح مجرد واجهة، بينما يبقى المجتمع مادة خام للإدارة أو للتجربة السلطوية. لا بد من انحياز واضح لصالح مصالح الأغلبية الاجتماعية، ومواجهة الهياكل التي تحاصر الفعل الشعبي، سواء كانت بيروقراطية النقابات، أو جمعيات المجتمع المدني المشبوهة، أو المعارضة التي تتحرك من منطلق استعادة المواقع، لا التغيير الجذري. بدون هذا الانحياز، يبقى المجتمع تابعًا لا فاعلًا، والبديل مجرد شعارات وأسماء وزعماء، بينما الحقيقة الاجتماعية تتلاشى.
اللحظات المختنقة لا تحلّ بالبلاغة أو التحليل النظري وحده، بل بالوجود الملموس في الواقع، وبالانخراط المباشر مع الجماهير، وبخلق آليات تمكنهم من المشاركة الفعلية في صناعة مصيرهم. الفراغ، إن لم يملأ بهذا الشكل، سيستمر في إنتاج أزمات متلاحقة، وسيبقى التاريخ يكتب نفسه على حساب من يرفض أو يتردد، بينما القوة الحقيقية تبنى من حيث توجد: بين الناس، في الشارع، في النقابات، وفي كل الأماكن التي تمثل حياتهم اليومية وأمالهم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *