من خنادق الشهداء إلى كرش الزعيم!عبد الرحيم التوراني
من خنادق الشهداء إلى كرش الزعيم!عبد الرحيم التوراني
في يوليوز 1984، وتحت سقف المعرض الدولي بالدار البيضاء، عقد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المؤتمر الوطني الرابع...
كانت القاعة تفوح برائحة السجائر وأدخنة الديالكتيك العقيم، وبأحلام التغيير الثوري التي كانت قد ترهلت وأخذت تتجعد خلف كواليس التوافقات مع الوضع القائم، تماشياً مع منطق الواقعية البراغماتية الذي يرى أن التضحية والالتزام صارا بضاعة كاسدة في سوق السياسة الجديدة...
كان الحزب حينها مثخناً بجراحه، يلملم شتاته بعد "حادث 8 ماي" 1983 الشهير، تلك اللحظة التي شهدت طرداً أخوياً بدم بارد لمجموعة عبد الرحمان بنعمرو وأحمد بنجلون ومحمد بوكرين، بالاستعانة بخدمات السلطات القمعية يتقدمها والي الرباط آنذاك عمر بنشمسي... وبدلاً من دخول قاعة الاجتماعات الحزبية، انتهى المطاف بـ 35 اتحادياً في سجن لعلو بالرباط، ليؤسسوا لاحقاً حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، تاركين وراءهم تنظيماً يحاول إقناع نفسه بأنه لا يزال ضمير القوات الشعبية.
ورغم انشطار النواة، ظل الاتحاد يمتلك ذلك البريق الجنائزي الجذاب، حزبٌ يجر خلفه قوافل من الشهداء.. على رأسهم المهدي بنبركة وعمر بنجلون، ومعتقلين أكلت الرطوبةُ عظامهم في زنازين سنوات الرصاص، وجمهوراً كان يؤمن ببراءة ساذجة أن الخلاص الوطني يبدأ من تحت معطف عبد الرحيم بوعبيد...
على المنصة، كانت القيادة التاريخية تستعرض كاريزماتها المتفاوتة... هناك رئيس المؤتمر الطبيب عبد اللطيف بنجلون بوقاره الرصين.. وعالم الاجتماع محمد جسوس الذي كان يحلل بنية المجتمع بينما الحزب يتفكك تحت قدميه.. والشاعر محمد الحبيب الفرقاني بزخمه النضالي المنبعث من مجدٍ غابر.. ومحمد اليازغي بصرامته البارانوئية التي كانت ترى المؤامرة في كل زاوية إلا في مرآته الشخصية.. والاقتصادي فتح الله ولعلو الغارق في حساباته الرياضية لمحاصرة العجز المالي بينما كان العجز السياسي يلتهم الجميع.. وصولاً إلى عبد الواحد الراضي بليونته الأسطورية التي تشبه مفاصل أبواب المخزن العتيقة.. تلك التي لا تئن ولا تنكسر، بل تفتح بسلاسة لكل الطوارئ والتقلبات.. كانوا يظنون واهمين أنهم يبنون صرحاً للتاريخ، ولم يدركوا أن سوسة الواقعية السياسية المقيتة كانت قد باضت وفرخت في خشب المنصة، تنخر السقف فوق رؤوسهم وتستعد لإسقاط الهيكل بمن فيه...
***
انتهى المؤتمر بـ "نجاح" كما تقتضي أدبيات البلاغات الحزبية، لكن التاريخ الحقيقي كان يُكتب أمام بوابة القاعة الكبرى للمعرض...
هناك، اندلع مشهدٌ بدا وكأنه شجارٌ تافه في حانة شعبية بحي المحيط في العاصمة، بين سكارى ثملين قبيل وقت الإقفال...
لم يكن الصراخ من أجل الأيديولوجيا أو "تحرير الإنسان"، بل كان عويلاً هستيرياً أطلقه شابٌ من الشبيبة الاتحادية، اكتشف فجأة أن اسمه سقط من لائحة "الأتقياء" (اللجنة المركزية).
في الاتحاد، كما في سائر تنظيمات اليسار، ونظرا لظروف القمع والاختراق، لم تكن الديمقراطية تمر عبر صناديق الاقتراع .. بل عبر آلية مقدسة تُسمى "لجنة الترشيحات"...
خرج الشاب محتقناً، وبينما كان المؤتمرون في الداخل يهتفون بحياة الحزب، كان هو في الخارج يمارس نشيده الخاص في الشتم والسب، مُعلناً موت الحزب لمجرد أنه لم يجد له كرسياً في مأدبة القيادة.
حاول الحكماء تهدئته، هامسين في أذنه بأن المكان مزروع بـ "أصحاب الحال" من رجال المخابرات، لكنه لم يرتدع... بل توعد الجميع بـ "الويل وعظائم الثبور"، في مشهد كان يثير الضحك لولا أن القدر كان يخبئ نكتةً أكثر سماجة وسوداوية.
***
لنحرق مراحل التشويق المملة... هذا الشاب الغاضب قرر أن الانتقام طبقٌ يُؤكل بارداً جداً. وبعد عقود، حين هبت رياح العهد الجديد.. وجفت دماء الشهداء وصارت ذكرى للمتاجرة الموسمية، وجدنا هذا الشاب نفسه يتربع على الكرسي الذي جلس عليه يوماً عبد الرحيم بوعبيد.
"كيف دار ليها؟" (كيف فعلها؟)...
الجواب لا يحتاج لذكاء المهدي بن بركة، فالرجل بعد حصوله على الإجازة في العلوم السياسية من كلية الحقوق بالرباط، قرر أن يقضي فترة خدمته المدنية في مكان رومانسي للغاية: مديرية مراقبة التراب الوطني (DST)... هناك، بين المكاتب التي تحفظ أنفاس المغاربة، تعلم الشاب كيف تُدار الخيوط، وكيف تُبنى الولاءات التي لا تمر عبر الجماهير بل عبر ملفات التقارير.
كان يجاهر بنواياه، وكان محمد اليازغي المسؤول عن التنظيم حينها، هو من عبدَّ له الطريق حين وظفه مداوماً في المقر المركزي للحزب، قبل أن يعض الشاب اليد التي امتدت إليه، تلك اليد التي كانت أصلاً معضوضة ومبتورة الأصابع بسبب الطرد البريدي المتفجر عام 1973...
يا لها من مفارقة قدرية.. إدريس لشكر يجهز على ما تبقى من إرث الرجل الذي حاول المخزن تفجيره!.. إدريس لشكر، الذي يفتقد لأدنى مقومات الكاريزما، ببدانته الزائدة وأوداج وجهه المنفوخة التي تنضح بالنعمة السياسية، وصوته الذي يدفع المناضلين القدامى لتغيير القناة فوراً، لم يصل بقدراته الذاتية. لقد استعان بـ "عربة البام" وبسائقها الماهر آنذاك الثعلب إلياس العماري، ليتسلل إلى رأس الاتحاد.
لم يتقبله الاتحاديون الأقحاح، فقرروا الانسحاب بصمت جنائزي، تاركين الساحة لزبائن جدد، لاهثين وراء تعويضات البرلمان، وسماسرة انتخابات البلديات، وكل من يرضى بالفتات المخزني... وهكذا، تحول حزب الشهداء إلى مقاولة عائلية صغيرة، وظيفة الكاتب الأول فيها دائم مدى الحياة لولايات متتالية، مهمتها الأساسية هي إذلال تاريخ الحزب وجعله في مرتبة أدنى من الأحزاب الإدارية التي كان الاتحاد يوماً يترفع عنها.
لقد نجح المخزن في انتقامه الأكبر.. لم يعد بحاجة لقمع الاتحاد بالهراوات أو اختراع تازمامارت مدنية جديدة، بل تركه يختنق بداخل كرش إدريس لشكر.
مع كل موسم انتخابي، يطل علينا إدريس لشكر ببدلته التي تستغيث أزرارُها من فرط التورم، وبمنطقه العجيب الذي يلوكه بزهوٍ مفرط، ليطالب بما يحلو له تسميته بـ "التناوب الثالث". وإذا كان التناوب الأول قد قاده الراحل عبد الرحمن اليوسفي كفعل إنقاذ اضطراري لقلب الدولة المهدد بالسكتة، والثاني شارك فيه الاتحاديون ككومبارس باهت تحت إمرة صانع أحذية الملك رجل الأعمال إدريس جطو، فإن التناوب الثالث في مخيلة لشكر ليس سوى أضغاث أحلام يرى فيها نفسه متربعاً على كرسي رئاسة الحكومة.
قبل أيام، صرح لشكر بكل ثقة أن "الاتحاد يمتلك كل الشروط لقيادة الحكومة"، لكن العارفين ببواطن الأمور يدركون أن الاتحاد الذي يعنيه لم يعد ذلك التنظيم الممتد في التاريخ والجغرافيا.. بل هو "الاتحاد المختزل في الذات"، حزبٌ يتلخص في شخص لشكر بشحمه.. وشحمه فقط.
ربما يحاول لشكر استنساخ تجربة عبد الإله بنكيران قبل عام 2011، حين ردد أكثر من مرة، إحداها عبر شاشة "ميدي 1" متوجهاً إلى الملك بقوله: "جربنا يا جلالة الملك وسنعجبك". لكن الحقيقة أن بنكيران لم يصل إلى رئاسة الحكومة استجابةً لتوسله، بل حملته رياحٌ خارجية، فإن لم يكن وصوله تطبيقاً لوصية هيلاري كلينتون، فقد كان بلا شك استجابةً اضطرارية فرضها لهيبُ جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي حين أضرم النار في سكون المنطقة...
فهل ينتظر لشكر اليوم وصيةً ما من دونالد ترامب أو إشارةً مباركةً من وزير خارجيته روبيو لتنصيبه؟ أم أنه يترقب شعلةً من نيرانٍ جديدة تعيد ترتيب الفوضى، لعلّ لهيبها يمنحه الدفء الكافي ليستقرّ أخيراً فوق كرسي رئاسة الحكومة...؟
في نهاية المطاف، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي لم يمت في زنازين سنوات الرصاص كما كان يشتهي خصومه، بل حُكم عليه بمصيرٍ أكثر قسوة ونذالة: لقد تركوه يعيش ليرى ذله.
لم يمت الاتحاد برصاصة أو طعنة خنجر في الصدر، بل مات بالتخمة في مصارين إدريس لشكر. وما نراه اليوم ليس حزباً، بل هو جثة محنطة تُعرض في المواسم الانتخابية، تُلبس بذلة ضيقة الأزرار، ويُنفخ في أوداجها بوعود "التناوب الثالث" لتظهر بمظهر الأحياء.
لقد نجح المخزن في هندسة الانتقام الأسمى، فلم يعد بحاجة لمطاردة الاتحاديين في المنافي، بل يكفيه أن يتفرج عليهم وهم يصطفون خلف "الزعيم المحنك" بانتظار فتات الموائد، بينما روح المهدي وعمر ترفرف بعيداً عن هذا المسخ، معتذرةً للتاريخ عن حلمٍ جميل انتهى به المطاف ندبةً قبيحة على وجه مشهد سياسي لم يعد يفرق بين المناضل والسمسار.
لقد أُسدل الستار، ولم يبقَ من القوات الشعبية إلا صدى صراخ ذلك الشاب الوصولي أمام بوابة المعرض عام 1984.. الصرخة التي تحولت من احتجاجٍ على الإقصاء إلى نعي رسمي لحزبٍ انتحر يوم قرر أن يصبح ظلاً لمن كان يوماً يطالب بمحاسبتهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق