فيضانات المغرب.. إخلاءات وانتقادات وتساؤلات | مسائية/مع قراءة لمحمد حمداوي || عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في الموضوع
فيضانات المغرب.. إخلاءات وانتقادات وتساؤلات | مسائية
إشكالية توحل السدود في المغرب: فيضانات القصر الكبير ومسؤولية السلطات في ظل تحديات الفساد المالي
(أستاذ ومفتش سابق في علوم الحياة والأرض والمختبرات العلمية)
بقلوب يعتصرها الألم ومشاعر تضامن صادقة، نقف اليوم مع أهلنا في مدينة القصر الكبير، الذين يعانون من ويلات الفيضانات الخطيرة ونجدد دعواتنا، للجميع، للإسراع والمشاركة في إغاثة أهلنا هناك بكل السبل المتاحة والعاجلة، سائلين الله تعالى اللطف والحفظ والفرج القريب من هذه الكارثة.
إن ما حدث في هذه المدينة العريقة، الواقعة على مقربة من سد وادي المخازن، ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل هو نتيجة لتراكم إشكاليات عميقة تتعلق بإدارة الموارد المائية، وصيانة البنى التحتية، ومسؤولية السلطات في حماية الأرواح والممتلكات.
هذه الفاجعة تمثل جرس إنذار جديد حول هشاشة البنية المائية، وضعف الاستعداد الوقائي، وغياب الحكامة الرشيدة في تدبير السدود والموارد العامة.
فالسدود في المغرب شيدت لحماية الناس من الجفاف والفيضانات، لا لتتحول – بسبب الإهمال وسوء التدبير – إلى مصدر تهديد لحياتهم. ومن هنا، فإن ربط المشكل البيئي (توحل السدود) بـ المشكل المالي والإداري (تبديد المال العام وغياب المحاسبة) يصبح ضرورة علمية وأخلاقية في آن واحد.
ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على إشكالية توحل السدود في المغرب، مع التركيز على تداعياتها على مدن مثل القصر الكبير، وتحليل دور السلطات، والقدرة المالية للدولة، والتحديات الجسيمة التي يفرضها الفساد المالي وغياب المحاسبة.
تعتبر السدود ركيزة أساسية للأمن المائي والغذائي في المغرب، حيث توفر المياه للزراعة والشرب وتوليد الطاقة. ومع ذلك، تواجه هذه البنى التحتية الحيوية تحديا بيئيا خطيرا يتمثل في ظاهرة التوحل (Siltation)؛ التوحل هو تراكم الرواسب والطمي في قعر خزانات السدود نتيجة التعرية وانجراف التربة من الأحواض المائية، بسبب الأمطار الغزيرة، وتدهور الغطاء النباتي، والاستغلال العشوائي للأراضي، وضعف سياسات حماية التربة.
فقدان السعة التخزينية: المغرب يفقد سنويا حوالي 50 مليون متر مكعب من سعة السدود بسبب التوحل.
عندما تقل السعة، لا يعود السد قادرا على استيعاب ذروة الجريان، فتفرغ المياه فجأة نحو المدن والسهول.
وزارة التجهيز والماء تقر رسميا بأن التوحل يفقد المغرب عشرات الملايين من الأمتار المكعبة سنويا. بعض السدود فقدت أكثر من 12% إلى 20% من سعتها الأصلية.
وهذا يعني أن الدولة تبني سدودا بمليارات الدراهم، ثم تتركها تتآكل ببطء بسبب غياب الصيانة الوقائية الجدية.
وتصل كلفة إزالة الأوحال من السدود إلى 70 درهمًا للمتر المكعب.
وتكلف 700 مليون درهم سنويا (أي 70 مليار سنتيم: 70 مليون دولار).
تشهد مدينة القصر الكبير فيضانات خلفت أضرارا مادية جسيمة ومعاناة إنسانية كبيرة. تقع المدينة في منطقة منخفضة بالقرب من سد وادي المخازن، الذي يقوم بدور حيوي في حماية المنطقة من الفيضانات. ومع ذلك، فإن تكرار هذه الفيضانات يثير تساؤلات جدية حول فعالية إدارة السد، وقدرته على استيعاب الكميات الهائلة من الأمطار، خاصة في ظل الظواهر الجوية الاستثنائية.
لذلك تبرز هنا مسؤولية السلطات في التخطيط العمراني، وصيانة السدود، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر، واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لحماية السكان.
إن الإدارة الحذرة لتفريغ السد لتجنب تفاقم الأضرار، يجب أن تكون جزءا من استراتيجية شاملة لا تقتصر على رد الفعل بعد وقوع الكارثة.
يمتلك المغرب قدرة مالية لا يستهان بها، حيث بلغت الموارد الإجمالية لميزانية 2026 حوالي 712.55 مليار درهم. ومع ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يتم توجيه هذه الموارد نحو الأولويات الصحيحة؟
إن كلفة تنظيف السدود من التوحل، والتي تعتبر استثمارا حيويا للأمن المائي، ليست باهظة، بينما يتم تخصيص ميزانيات ضخمة لأمور قد لا تكون ذات أولوية قصوى. على سبيل المثال، بلغت الميزانية الإجمالية لحوالي 70 مهرجانا في المغرب حوالي 2.5 مليار درهم، (250 مليار سنتيم)، وقلت أعلاه أن ميزانية تنظيف السدود 70 مليار سنتيم!!!
وارتفعت ميزانية مهرجان موازين وحده من 7 إلى 15 مليون درهم في بعض السنوات ( 1,5 مليار سنتيم).
هذه الأرقام تثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، وما إذا كانت تتماشى مع التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد، مثل ندرة المياه وتدهور البنى التحتية.
تتفاقم إشكالية توحل السدود وتداعياتها، والاستهتار بصيانة البنية التحتية للوطن، بسبب آفة الفساد المالي واختلاس المال العام، التي تحرم الدولة من الموارد اللازمة للاستثمار في المشاريع الحيوية وصيانة البنى التحتية.
وتُعد فضيحة اختلاس 115 مليار درهم من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) إحدى أبرز الأمثلة على هذا الفساد المستشري في تاريخ المغرب الحديث. (أي أكثر من 11 ألف مليار سنتيم!)
وقد تورط في هذه القضية شخصيات عديدة، حيث حكم على احدهم بإرجاع 294 مليون درهم، وعلى آخر بـ 82 مليون درهم، وعلى ثالث بـ 10 مليارات درهم.
لكنها ذهبت في شبكات فساد وإفلات من العقاب.
إن هذه الأرقام الصادمة تكشف عن حجم الأموال التي يتم تبديدها أو اختلاسها، والتي كان من الممكن أن تسهم في حل العديد من المشاكل الملحة، بما في ذلك تمويل برامج إزالة توحل عشرات السدود وتطوير البنية التحتية لمواجهة الفيضانات، وبناء منظومات إنذار مبكر، وحماية مدن كاملة من الغرق.
إن غياب المحاسبة الصارمة وضعف آليات الرقابة يسهمان في استمرار هذه الظاهرة، مما يقوض الثقة في المؤسسات ويعيق جهود التنمية..
توحل السدود في المغرب ليس مجرد خلل تقني، بل هو نتيجة سوء التخطيط، وتبديد المال العام، وغياب المحاسبة، وضعف الإرادة السياسية في حماية المواطن.
والفيضانات التي ضربت القصر الكبير ليست قضاء وقدرا فقط، بل ثمرة سياسات مهملة وأموال منهوبة.
إن إصلاح السدود يبدأ بإصلاح الحكامة، وحماية المدن تبدأ من محاسبة الفاسدين.
والتنمية الحقيقية لا تبنى بالأرقام في الخطابات، ولا بالتبني الرسمي لخطاب المعارضة من قبيل التساؤل أين الثروة، والإقرار بأن المغرب يسير بسرعتين، بل بالإنجاز على الأرض، وبالحماية الفعلية لأمن المواطنين وممتلكاتهم.
إن إشكالية توحل السدود في المغرب، وتداعياتها الكارثية كما يحدث في القصر الكبير، هي قضية متعددة الأبعاد تتطلب مقاربة شاملة. يجب على السلطات المغربية أن تتبنى استراتيجية استباقية وشفافة لإدارة الموارد المائية، تشمل الصيانة الدورية للسدود، وتطبيق أحدث التقنيات لإزالة التوحل، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر. كما يجب إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام، وتوجيه الموارد المالية نحو المشاريع ذات الأولوية القصوى التي تخدم مصالح المواطنين وتحمي أمنهم المائي والبيئي. والأهم من ذلك، يجب تفعيل آليات المحاسبة ومكافحة الفساد بصرامة، واسترجاع الأموال المنهوبة، لضمان استخدام المال العام في خدمة التنمية الحقيقية للبلاد.
والحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق