معركة المحامين ووزارة العدل: بين النضال وتكسير العظام… الأزمة إلى أين !؟ومقال للأستاذ الحالي بوشتى محامي بهيئة المحاماة بخريبكة في الموضوع
معركة المحامين ووزارة العدل: بين النضال وتكسير العظام… الأزمة إلى أين !؟
المخزن يحاول التضييق على المحاماة لما لها من علاقة بين السياسي والمهني :
" aspiration politique toute naturelle de l’avocat "
رغم أن مجموع المحامين لا يشكلون حزباً سياسياً كباقي الأحزاب، ولكن اندفاعهم وحماسهم لمبدأ سيادة القانون يجعلهم قوة فعالة يمكن أن تفيد أصحاب القرار، فهم من أوائل من يكتشف الخلل التشريعي في القوانين من حيث الصياغة والمحتوى ومدى التعارض مع القوانين الأخرى النافذة أو الدستور، وهم من أوائل من يكتشف مدى الخطأ الذي يرتكبه المسؤول صاحب القرار، فيوضحون جانب الخطأ في التطبيق. فإذا ما استغل صاحب القرار هذه الميزة ولم يأخذها على أنها معارضة لوجوده أصلح ما أخطأ في تطبيقه أو تنفيذه،
وعاد إلى أحكام القانون أو النظام المتجاوز عليه، فيزيده ذلك منعة من الخطأ ويقوى ارتباط المواطن بصاحب القرار، ويعم النظام وسيادة القانون، وهو أمر هام للحاكم والمحكوم معاً ، فتزداد الدولة بمؤسساتها منعة من الخلل، أو مما يؤخر تطورها فيؤدي بذلك المحامون دورهم في المحافظة على كيان الوطن، واستقلاله، ومكافحة الفساد، وتصبح مساهمة المحامين في إعلاء مبدأ سيادة القانون لا تقل أهمية عن نشاط الأحزاب التي تسعى لإعلاء شأن المجتمع. بدلا من الفوضى وعدم الانضباط أو التجاوز على حقوق الأفراد .
يعتقد البعض أن إشارة المحامي إلى خطأ ما كان قد صدر عن أي جهة رسمية، أو مسؤول هو دليل تمرد أو تقليل من قدر السلطة التنفيذية، أو التشريعية، أو القضائية، حسب الحال، وقد يزيد الأمر تعقيداً من وجهة نظر هؤلاء عندما يقبل المحامي الدعوى القضائية ضد هذه الجهة أو تلك، أو عندما يتبوأ المحامي الدعوى بالطعن بدستورية قانون أو طلب إلغاء مرسوم أو قرار الخ... بينما واقع
الأمر إن ما يقوم به المحامي - هو تكريس السيادة الدولة بسلطاتها الدستورية . وهو إذ يستخدم وسيلة الدعوى، وأمام القضاء المختص، إنما يلجأ إلى أحد أركان السلطات التي تشكل كيان الدولة.
ويخطئ الحكام المستبدون بقلة احترامهم للقانون، ولرجال القانون، والمحاماة. وسبب ذلك أنهم يخشون منهم واسع العلم وصحة الفهم وشدة الشكيمة، مما يقف سدا حاجزا أمام استبدادهم الغاشم وحكمهم الظالم. فالمحامي الحقيقي يأنف أن يكون من أتباع سواه. إن له من شرف مهنته وسعة علمه وفهمه ما يبعده عن الخنوع والهوان و هو سيد المنابر يريد أن يقف فوقها عالي الجبين، موفور الكرامة؛ غير هياب، ولا وجل؛ ليرفع صوته المدوي، ويبدي حجته القاطعة في سبيل الحق والعدالة ولا يخشى في الحق ظلم الطاغية، ولا في سبيل العدالة استبداد العاتي.
في الممارسة المهنية العملية فإن مهنة المحاماة إذ تشارك القضاء في العدالة بمفهومها الواسع أي الحق، لكون فدور المحامي هو المساهمة في الدفاع عن الحق وصيانته وحمايته وتدعيمه في مواجهة كل شخص يمس به أو يحاول ذلك سواء كان هذا الشخص سلطة تشريعية أو قضائية أو تنفيذية، ويظل هذا الدور قائما سواء كان المساس أو المحاولة المذكوران جاءا بمناسبة قضية كلف بمباشرتها أم لا .
وإذا كان من المفروض ان يكون هذا الدور هو دور كل مواطن يشعر بمسؤوليته فإن المحامي بحكم تكوينه القانوني والمهمة التي خولها له المشرع وهي الدفاع عن الحقوق والحريات، واتصاله المباشر بمشاكل المتقاضين - يعتبر في منزلة تؤهله أن يكون في طليعة النضال من أجل تثبيت الحق وصيانته وحمايته .
لكن المحامي لا يستطيع ان يقوم بدوره كاملا إلا إذا استطاع بكفاحه داخل إطار المهنة وخارجها جنبا إلى جنب مع مواطنيه أن يصل إلى تحقيق اختيارات معينة واهم هذه الاختيارات تركيز ديمقراطية حقيقية تحترم وتصان في ظلها مزاولة كافة الحريات العامة والخاصة سواء من طرف المشرع أو القضاء . وقد علمنا التاريخ والتجربة أن أحسن عهود المحاماة هي تلك التي عاشتها في ظل حكم ديمقراطي تسود فيه الحريات بسائر أوجهها .. وإلا فكيف يتصور أن يأخذ المحامي حرياته الكاملة في نطاق القانون طبعا وهو يرافع أمام القضاء لينتقد نصا قانونيا يمس بحرية الرأي او حرية التجمع، أو ليهاجم تعسفا معينا او خرقا قانونيا باشرته السلطة .
أقول كيف يستطيع ذلك وهو مطمئن إلى انه لن -يكون محل مضايقات مادية ومعنوية سواء داخل الجلسة أو خارجها.
إن المحامي لا يعمل في ردهات و محيط المحكمة فقط أي في علاقة مستمرة بينه وبين القضاء ومساعدي القضاء (النيابة العامة وكتابة الضبط بسائر أقسامها) وإنما قد يجد نفسه وهو يقوم بمهمته أمام مشاكل سابقة عن مرحلة التقاضي كاعتقال تعسفي من طرف احد أعوان السلطة (عمال، باشوات، قياد، شرطة درك أو أمام عمل من أعمال التعدي تقوم به الإدارة من شأنه أن يمس بحق من حقوق المواطن المشروعة .
كما انه قد تطرح على المحامي قضية لها صلة بالحياة الديمقراطية كالطعن في نتائج انتخابات برلمانية أو محلية ، كما انه قد يسند إليه الدفاع عن موظف او وزير متهم برشوة أو اختلاس أمام محكمة أو أمام مجلس تأديبي أو في كليهما .
هذه المشاكل متنوعة، وترجع إلى قطاعات مختلفة، وأطرافها أما أشخاص عاديون أو عامون ، وبطبيعة الحال فإن الفصل في كل ذلك هو بيد القضاء .
والمحامي يتوجه بمذكراته ومناقشاته القانونية إلى هذه الجهة ملتمسا منها ان تتبنى وجهة نظره ... وهو هنا يكون في اتصال مباشر مع القضاء، ولكن قبل ذلك ، وهو يعكف على دراسة المشكل المعروض -عليه من جميع جوانبه القانونية والاجتماعية ويدقق في -أسبابه، قد يخرج بعدة نتائج معينة قد لا يرى فائدة في عرضها جميعها على القضاء. ولكن من المؤكد إنها نتائج ستفيده في تقييم الوضع في بلاده من سائر جوانبه الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية؛
بل أكثر من ذلك فالمحامي بحكم ممارسته للنصوص القانونية قد يتراءى له أن نصا أو نصوصا معينة سواء كانت مدنية أو جنائية لا تستجيب لروح العدالة إما لمساسها بمبادئ الحريات العامة (حرية الرأي حرية التجمع (مثلا) أو الخاصة (أسباب الاعتقال، مسطرة (۱) الاعتقال، آماد الاعتقال الخ) أو تمس بحقوق العمال أو تقلل من الحماية التي يجب أن تعطى لهؤلاء في مواجهة أرباب العمل سواء فيما يخص الطرد التعسفي او الأجور أو التعويضات المختلفة أو ساعات العمل أو قيمة التعويضات الممنوحة بسبب أمراض المهنة او بسبب حوادث الشغل، والمحامي إذ يتراءى له ذلك يتأكد بأنه لا مندوحة له من المطالبة بمراجعة التشريع أو تعديله.
بل انه أكثر من ذلك فقد يتراءى للمحامي وهو يزاول المهنة أن المسألة المطروحة ليست مسألة مراجعة او تعديل تشريع معين، وإنما هي مسألة خرق القانون أو تأويله تأويلا خاطئا من طرف بعض رجال القضاء، أو من بعض مساعدي العدالة أو من طرف الإدارة إما عن سوء فهم بدافع من أغراض شخصية أو بسبب تدخلات خارجية كما أن المحامي وهو يباشر مهامه المهنية يستطيع أن يقف على الأسباب المتعددة للجريمة، فقد تكون بسبب الشهوة أو الإثراء، أو الانتقام وقد تكون أيضا بسبب الحاجة ، وكذلك الأمر بالنسبة للمشاكل الاجتماعية (الطلاق مثلا فقد يكون بسبب عدم الانسجام مثلا، ولكن قد يكون ايضا بسبب عدم القدرة على تحمل الأعباء العائلية .
وهكذا فالمحامي بحكم مهنته مفروض فيه ان يقف على مشاكل المجتمع وأسبابها، والثغرات التي توجد في النصوص التشريعية والنقص الذي قد يعاينه القضاء وصور هذا النقص، ودور السلطة في حماية القانون، ولا بد عن طريق هذه النظرة الشمولية ان يصل المحامي إلى حقيقة لا جدال فيها وهي انه لا يمكن أن يقوم بدوره كاملا كشريك في العدالة ما لم تتحقق العدالة في أوسع نطاقها أي على المستوى الاجتماعي والقضائي والتشريعي. وإذن فهناك مهام ملقاة على المحامي خارج إطار المهنة وهي التي اشرنا إليها وأخرى داخل إطار المهنة وجميعها متكاملة يعزز بعضها البعض الآخر بل لا يمكن تحقيق إحداها دون الأخرى إلى جانب قدسية حق الدفاع كما قيل أعلاه فإن الجوهر الديمقراطي العميق للدفاع الحقوقي يتجاوز إطار القضاء وينطوي على مغزى سياسي وحقوق أوسع لأته لا يمس قيما بشرية وخلقية قديمة ومصائر الناس ؛ وليس عبثا أن يعتبر الحقوقي والخطيب البوناني القديم سيسيرون في قولته المشهورة " الحاكم قانون ناطق والقانون حاكم أخرص"
وان حق الدفاع لا ينحصر في ردهات المحاكم بل يتعدى ذلك إلى داخل المجتمع ؛
وهكذا تظل مهنة المحاماة أكثر المهن اختلاطا بالشأن السياسي على اعتبار أن علم الشأن القانوني يرتبط بعلم الشأن السياسي إن لم نقل ان القانون هو نفسه سياسي؛ والذي يمثل بدوره المكون الرئيسي في الحضور التاريخي في أي مجتمع لذلك فإن تاريخ هذه المهنة لا يمكن ان ينعزل عن مسار الإحداث السياسية ما يجعل منه زاوية نظر ذات أهمية.
"ومن هنا لا يريد المحامون أن يكون رجال القانون في بلاد بلا قانون "
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى ان التاريخ والعلوم السياسية تبث وتبين تمييز المحامي في العمل السياسي وانخراطهم الواسع وتفوقهم يحتلون الصدارة في الطبقات السياسية الحاكمة ؛ كما هو في عديد من حركات تحرر الزعماء والقادة، وفي العديد من المنظمات الحقوقية والحزبية من أمثال: لينين فلاديمير ؛نيلسون مانديلا الذي ناضل ضد نضام الميز العنصري والذي أصبح رئيسا لجنوب افريقيا وغاندي المهاتما في الهند وسعد زغلول في مصر وابراهام لنكول، الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة وبعده اوباما... وفي المغرب من امثال احمد بلافريج ، وعبد الرحيم بوعبيد ، وعبد الكريم بن جلون الطويرني ، واليوسفي، وبوزوبع محمد و محمد حسن الوزاني، والمعطي بوعبيد ، رضا اكديرة، عبد الرحمان بن عمرو ، امحمد بوستة و عمر بنجلول، واحمد بنجلول ؛ وعبد اللطيف وهبي عبد اللطيف السملالي ،محمد اليازغي ، المصطفى الرميد ،والصبار محمد، والناصري ، محمد القباب ...وآخرون كثيرون لم أتمكن من حصرهم ناهيك عن اللذين يمارسون الان في الاطارات المذكورة ...
من إنجاز الأستاذ الحالي بوشتى محامي بهيئة المحاماة بخريبكة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق