جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

فريدريك إنجلز وتوضيح حول فهم المادية التاريخية،الرفيق محمد السفريوي

 قدّم لنا فريدريك إنجلز توضيحا بالغ الأهمية حول فهم المادية التاريخية، في رسالته الشهيرة إلى جوزيف بلوخ سنة 1890، رافضا التأويلات التبسيطية التي اختزلت نظريته مع كارل ماركس في حتمية اقتصادية صلبة. إنجلز لم ينكر مركزية العامل الاقتصادي، لكنه و إن اعتبره المعطى الحاسم في التحليل ، فإنه ليس العامل الوحيد. بهذا التدقيق أعاد تعريف العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية باعتبارها علاقة تفاعل جدلي ، لا علاقة خطية سببية ميكانيكية.

العامل الاقتصادي بالنسبة له، يشكل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات، غير أن هذا الأساس لا يعمل في فراغ. فالأشكال السياسية للصراع الطبقي، والدساتير التي تكرس موازين القوى، والأنظمة القانونية، والنظريات الفلسفية، والمعتقدات الدينية — كلها عناصر من البنية الفوقية — تمارس تأثيرا حقيقيا لا يجوز تجاهله في مسار الصراع. نحن ببساطة إذن أمام معادلة متعددة المجاهيل، حيث الاقتصاد يمثل المتغير الأساسي، لكن ليس المتغير الوحيد في تحديد النتيجة.
إنجلز حذر أيضا في رسالته ، من المبالغة في التشديد على العامل الاقتصادي، معترفا بأن الجيل المؤسس اضطر أحيانا إلى إبراز هذا الجانب في مواجهة خصوم أنكروا دوره. لكنه يؤكد أن التطبيق الملموس للنظرية يقتضي مراعاة التفاعل الجدلي بين مختلف المستويات. و يدعو من أراد فهما أعمق، إلى أعمال مثل الثامن عشر من برومير لويس بونابرت و رأس المال، حيث تتجسد المادية التاريخية في تحليل حي للتاريخ.
هذا التدقيق النظري له دلالة مباشرة في النقاشات السياسية الحالية . فبالنسبة لنا كماركسيين، علينا أن لا نختزل الصراع في ساحة الإنتاج وحدها، بل توسيعه إلى مستوى الدساتير والقوانين والمؤسسات. الدستور ليس مجرد نص فوقي يعكس بصورة سلبية موازين القوى الاقتصادية، بل هو ساحة صراع قائمة بذاتها.
خوض الصراع على مستوى البنية الفوقية — وفي القلب منها الدستور — ليس انحرافا عن التحليل المادي، بل هو امتداد له. فالدساتير تحدد شكل الدولة، وتوزيع السلط، وحدود الفعل السياسي، وبالتالي تؤثر في إمكانات الفعل الطبقي نفسه. إهمال هذا المستوى بدعوى أولوية الاقتصاد يعني الوقوع في القراءة التبسيطية التي حذر منها إنجلز.
تأسيسا على هذا التصور يحق لنا أن نتساءل اليوم ، لم يتحاشى يسارنا و باقي التقدميين، عن خوض نقاش جدي و فعلي حول المسألة الدستورية، خصوصا و أننا على مشارف لحظة سيدعى فيها المغاربة لاستفناء لتضمين الدستور الحالي ملحق جديد لترجمة وضع جديد في الجنوب....
(المصدر: رسالة إنجلز إلى جوزيف بلوخ، 21 سبتمبر 1890، منشورة في: *Historical Materialism*, Progress Publishers, 1972).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *