جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

لماذا لا تقدم المعلومة الصحيحة للمواطن في لحظات الأزمات؟ الرفيق محمد السفريوي

 سؤال بسيط في ظاهره ومربك في عمقه: لماذا لا تقدم المعلومة الصحيحة للمواطن في لحظات الأزمات؟ ما يبدو ضعفا في التواصل من قبل السلطة ، يبدو اليوم ، مع تكرار الوقائع أنه أقرب إلى استراتيجية وضعت بإحكام، لا إلى خلل عابر في التدبير. فالمعلومة ليست مجرد معطى محايد، بل قوة سياسية وقانونية، والتحكم فيها يعني التحكم في تبعاتها.

حين يحجب المعطى الدقيق حول ما حدث فعلا، تصادر الأسئلة التالية: من المسؤول؟ من قصر؟ ومن يجب أن يحاسب؟
إعلان الحقيقة الكاملة تفتح بالضرورة نقاش المسؤولية، والمسؤولية تجر خلفها إمكان المساءلة، سواء أمام القضاء أو داخل الحقل السياسي. لذلك يستعمل الغموض كأداة وقاية للسلطة، لا من الخطر، بل من المحاسبة.
استراتيجية تحويل المواطن من صاحب حق في المعرفة إلى متلق لرسائل متناقضة . بلاغات عامة، لغة تقنية فضفاضة، وإحالات دائمة على “التحقيقات الجارية” أو “الظروف الاستثنائية”، دون تحديد دقيق للوقائع.
والسؤال الأساسي هنا ليس لماذا يغيب الخبر بل من يستفيذ من هذا الغياب ؟
إن الامتناع عن تقديم المعلومة كاملة ليست مسألة تواصل فقط، بل اختيار سياسي يحدد شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع...


بلوغ حقينة سد وادي المخازن نسبة 160% يطرح سؤالا جوهريا حول التدبير العمومي. هل ما حدث نتيجة لاستثنائية التساقطات المطرية، أم أن إجراءات الإفراغ لم تكن مدبرة بكفاءة؟ هل تأخر اتخاذ قرار الإفراغ في الوقت المناسب؟ أم أن هناك خللا في بنية السد أو في آليات اشتغاله؟ هذه أسئلة مشروعة ينتظر الرأي العام إجابات دقيقة ومقنعة عنها، لأنها وحدها الكفيلة بتحديد مواقع المسؤولية.
أن نطالب بالمعلومة في مثل هاته اللحظات ليست ترفا سياسيا لا سعيا مجاني للتشكيك، بل حق أصيل وضمانة أساسية لفهم ما يجري. نحن لا نطالب بالمعلومة بدافع الفضول، ولا برغبة مسبقة في الاتهام، وإنما لأن الحقيقة وحدها تسمح بطرح السؤال الجوهري: هل ما نعيشه كارثة طبيعية أم كارثة تدبيرية؟
في تعريفها الدقيق، الكارثة الطبيعية هي حدث يفوق قدرة الدولة والمجتمع على المواجهة بمواردهما الذاتية، رغم وجود الجاهزية والتدخل المعقول. أما الكارثة التدبيرية، فهي تلك التي تبدأ كظاهرة طبيعية، ثم تتحول إلى مأساة بفعل التأخر في القرار، أو الارتباك في التنفيذ، أو ضعف التنسيق، أو غياب التواصل الرسمي الواضح. الفرق بين الاثنين لا يقاس فقط بكمية الأمطار أو حدتها، بل يقاس بسرعة تدخل الدولة، ووضوح قراراتها، وصدق خطابها تجاه المواطنين.
المعلومة هنا ليست تفصيلا ، بل أداة لكشف منطق التدبير ذاته. هل نحن أمام دولة كفؤة تتوقع المخاطر وتستبقها، أم أمام دولة تتفاعل معها بعد فوات الأوان؟ الإجابة لا تصنعها تغطيات صحفية ركيكة ، بل المعطيات الدقيقة والشفافة. لذلك، فإن تقديم المعلومة في وقتها لا يحدد فقط طبيعة الكارثة، بل يكشف أيضا طبيعة الدولة، وحدود مسؤوليتها، ومدى احترامها لحق مواطنيها في الفهم والمساءلة.

نشر موقع "ATALAYAR" "الإسباني" معطيات تفصيلية تضمنتها "الوثيقة التقنية" التي أعدها المغرب حول خطة الحكم الذاتي التي قدمت كأرضية لحل النزاع حول إقليم الصحراء ، وهي وثيقة تقع في نحو 40 صفحة وتتضمن 42 بندا تفصيليا.
كما أشار الموقع الإسباني إلى أن مقترح الحكم الذاتي سيدمج في الدستور المغربي بعنوان خاص يعرض على الاستفتاء الوطني العام. هذه المعطيات توحي بأن الأمر يتعلق بتعديل عادي تقني يهم جزءا من المواطنين ،سيتم عبر إدراج تقني لنظام ذي طبيعة خاصة داخل الوثيقة الدستورية الحالية دون المس بها أو مراجعتها.
فوفق هذا التصور، لن يدعى مغاربة باقي الجهات إلى نقاش داخلي موسع حول فلسفة النظام المقترح أو تفاصيله المؤسسية، بل سيختزل دورهم في المصادقة على ملحق يضاف إلى دستور قائم. أي أنهم لن يكونوا طرفا في صياغة الخيار أو تعديله، بل في إقراره أو رفضه كحزمة جاهزة.
هنا تبرز إشكالية الهندسة الدستورية المعتمدة: هل يكفي الاستفتاء لإنتاج شرعية وطنية ممتدة؟ أم أن الشرعية الأعمق تبنى عبر مسار تداولي يتيح لكل الفاعلين السياسيين والمجتمعيين التأثير الفعلي في الصياغة؟
التجارب المقارنة تظهر أن إدماج أوضاع خاصة داخل الدساتير غالبا ما ارتبط بمسارات تفاوضية مفتوحة ونقاش عمومي ممتد، لأن قوة النص لا تنبع فقط من صلابته القانونية، بل من شعور الفاعلين بأنه يعكس توازنا شاركوا في بنائه.
إدراج الحكم الذاتي بعنوان خاص محصّن قد يضمن الاستقرار القانوني، لكنه يضع النظام أمام تحدي توسيع دائرة النقاش حتى لا يتحول اتعديل إلى إجراء شكلي يمنح المشروعية دون أن يبني توافقا عميقا.
في النهاية، الهندسة الدستورية الناجحة ليست فقط تلك التي تحسن توزيع الاختصاصات ، بل التي تحوّل لحظة التعديل الدستوري إلى فرصة لإنتاج تعاقد سياسي واسع يهم كل المواطنين، و يجعل من النص الدستوري تعبيرا عن إرادة مشتركة، لا مجرد ملحق يصادق عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *