حول اضطهاد المرأة في أوكرانيا ـ التَّميِيز المُهِين في حِقّ المَرأة القَرويَة
حول اضطهاد المرأة في أوكرانيا
ـ التَّميِيز المُهِين في حِقّ المَرأة القَرويَة
يرتبط تاريخ أوكرانيا خلال القرنين الماضيين ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الإمبراطورية القيصرية الروسية، ومن بعده الاتحاد الاشتراكي السوفيتي . حصلت أوكرانيا على الاستقلال عن منظومة المعسكر الاشتراكي في العام 1991، وهي الآن دولة تضم أكثر من 45 مليون نسمة، معظمهم من المسيحيين الأرثوذكس، و 70 في المئة منهم يعيشون في المدن .
تأسّست أحد أكبر المنظمات النسوية في أوروبا خلال عشرينيات القرن العشرين في غرب أوكرانيا الحديثة (أوغاليسيا)، وكانت تُسمى بالاتحاد النسائي الأوكراني، وكانت تحت قيادة الناشطة في المجال النسائي، ميلينا رودنيتسكا، التي لعبت دورا مهما في توسيع دوائر الاهتمام بالنشاط النسائي في أوكرانيا. صُنّفت الحركة النسوية خلال الحقبة الاشتراكية السوفيتية بأنها حركة تابعة لأيديولوجيات برجوازية، وبذلك اعتُبرت معادية للثورة البلشفية، وللاتحاد الاشتراكي السوفيتي، الذي كان يفرض ظله وهيمنته على جميع مفاصل الحياة السياسية والامنية في أوكرانيا. وكان المجتمع المدني، والحركة النسوية أمران غير موجودين تقريبًا في العهد السوفيتي، ولكن بدأت الحركة النسوية بالتجذّر تدريجيا في أوكرانيا بعد نيلها السيادة و الاستقلال في العام 1991.
توجد اليوم مجموعات من الناشطين في حقوق المرأة في أوكرانيا، بما في ذلك "نسوية أوفينزيفا" و"اتحاد المرأة الأوكرانية" وأُغلقت "حركة فيمن" ، التي كانت أكثر مجموعات حقوق المرأة نشاطًا في العاصمة كييف في العام 2013، بشكل تعسفي وغادر أعضاء المنظمة الديار الأوكرانية خوفًا على حياتهم، وحرياتهم من الاضطهاد .
يعاني اكثر من 45 في المئة من سكان أوكرانيا (الذي يبلغ 45 مليونًا) من العنف الجسدي، أو الجنسي، أو النفسي، ومعظمهم من النساء، ونساء الشوارع هم الفئة الأكثر ضعفًا، إذ يعاني 40 في المئة منهم من العنف الجنسي المهين، و25 في المئة منهم دون سن الـ 18عام
أصدرت أوكرانيا قانون العنف المنزلي في العام 2001، وتتعامل المادة 173-2 من قانون الجرائم الإدارية الأوكرانية مع موضوع العنف في الأسرة .
وكان قد صرّح نوزت إحسان، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في أوكرانيا في شباط/ فبراير من العام 2012 على أنه يوجد في أوكرانيا مستوى غير مقبول من العنف الذي يُمارَس بشكل أساسي من قبل الرجال ضد النساء، و كان السبب الأساسي في ذلك هو ارتفاع مستوى استهلاك الكحول بشكل مفرط، و قد ألقى المسؤولية أيضًا على الثغرات التشريعية التي كان لها دور أساسي أيضًا في هذا الموضوع، وقال بأنه يمكن للشخص أن يمارس العنف على المرأة في حال كان مسؤولًا رفيع المستوى، أو من عائلة رسمية رفيعة المستوى، وينجو بعدها من العقاب بكل بساطة .
تشكّل النساء 54 في المئة من سكان أوكرانيا، و 47.4 في المئة من القوى العاملة لديها، كما أن أكثر من 60 في المئة من النساء الأوكرانيات حاصلات على شهادات تعليم عالٍ (المستوى الجامعي وما فوق)، وبالرغم من ذلك فان معدل البطالة عند النساء مرتفع للغاية بالمقارنة مع الرجال الذين لديهم نفس الخلفية التعليمية (80 في المئة من العاطلين عن العمل في أوكرانيا هم من النساء)، وذلك دون ذكر البطالة الخفية بين النساء .
تنص قوانين العمل الاوكرانية، على المساواة القانونية بين الرجل والمرأة، بما في ذلك المساواة في أجور العمل، ويوجد التزام بهذا المبدأ عمومًا، لكن في بعض الصناعات التي تسيطر عليها القوى العاملة النسائية تُعطى النساء أجورًا منخفضة نسبيًا، كما حدث ارتفاع تدريجي في سن التقاعد، الذي سيصل إلى 60 عامًا للنساء، و62 للموظفين الذكور في الخدمة المدنية . بحلول العام 2021 (كان العمر الأساسي 55 سنة للنساء، و60 سنة للذكور)، وأشارت بعض التقارير بأن بعض أرباب العمل كانوا يرفضون توظيف النساء الصغيرات بالسن اللواتي من المحتمل أن يصبحن حوامل خلال فترة العمل، أو النساء فوق سن الـ 35. ويشغل عدد قليل من النساء مناصب إدارية عليا في الحكومة، أو في مؤسّسات الدولة الرسمية، أو في القطاع الخاص .
في المتوسط، تكسَب النساء أقل من الذكور الذين يشغلون وظائف مماثلة بحوالي 30 في المئة .
حوالي 50 في المئة من المشاريع التي لا تستخدم موظفين تملكها نساء، أما الشركات التي لديها من 1 إلى 5 موظفين فإن 27 في المئة من مالكيها فقط هم نساء، والشركات التي تملك أقل من 50 موظفًا 30 في المئة من مالكيها نساء، وهذه الأرقام مشابهة للاقتصادات الغربية أيضًا، إذ تميل النساء إلى امتلاك أعمال تجارية بالتجزئة، أو البيع بالجملة، أو أعمال الطبخ، و حوالي 2 في المئة من الشركات الكبرى فقط مملوكة من قبل إناث .
في العام 2008 بلغ معدل مشاركة المرأة في العمل حوالي 62 في المئة فقط .
انتُخبت 87 امرأة للبرلمان في الانتخابات البرلمانية الأوكرانية للعام 2019، وهو رقم قياسي لأوكرانيا، ويشكل نحو 20.52 في المئة من إجمالي عدد النواب، و37 في المئة من نواب منظمة التضامن الأوروبي هم من النساء .
في العام 2014 كان حوالي 12 في المئة من البرلمان الأوكراني من النساء، و قد ارتفع هذه العدد منذ العام 2014 حتى 2019 ليصل المستوى إلى 53 امرأة، أي بنسبة 12.6 في المئة فقط، وتتأرجح نسبة المشرّعات القانونيات في الانتخابات، ففي العام 2014 وصلت امرأتان فقط إلى هذا المنصب، أما في العام 2019 فقد فازت 26 امرأة بمقعد انتخابي كمشرعات قانونيات.
وفي العام 2012 كانت نسبة النساء في البرلمان الاوكراني هي 9.9 في المئة فقط، وكانت النسبة قد وصلت إلى 2.3 المئة في أول انتخابات أجريت بعد استقلال الأوكرانيا في العام 1991 عن منظومة الاتحاد الاشتراكي السوفيتي، وجرت الانتخابات في العام 1994
خلال الانتخابات الرئاسية للعام 2010 رفض المرشح فيكتور يانوكوفيتش، الذي اطيح به في ثورة "الميدان" التي دعمتها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، مناقشة منافسته لمنصب رئيس الوزراء يوليا تيموشينكو، التي شاركت في الثورة البرتقالية السلمية في اوكرانيا، وتقلدت بعدها منصب رئيسة الوزراء، وبرر ذلك بقوله «مكان المرأة في المطبخ»، و قد سبقه في ذلك رئيس البرلمان الأوكراني فولوديمير ليتفين الذي علّق بطريقة ساخرة يمكن اعتبارها سيئة بحق المرأة .
يُسمح للنساء في أوكرانيا بالانضمام إلى القوات المسلحة الاوكرانية، ولكن اقتصر ذلك تاريخيًا على الأدوار غير المقاتلة، كمسعفة، او حارسة، أو طباخة، أو محاسبة .
بدأت القوات العسكرية الأوكرانية في السماح للنساء بالمشاركة في أدوار المقاتلين اعتبارًا من تموز/ يوليو للعام 2016 وقد أظهرت من خلال مشاركتها في مختلف قطاعات الجيش، مقدرة و جدارة ومهارات قتالية فائقة في ساحات المعارك والحرب لاتقل مستوى عن جدارة ومهارات المقاتلين الرجال في مختلف قطاعات الجيش الأوكراني .
وعلى امتداد عقود من الوقت، وفي ظل القوانين والاجراءات التمييزية المعقدة في مجال المساواة بين الجنسين في اوكرانيا، واجهت المرأة القروية والريفية في عموم اوكرانيا، أشكال متعددة من التمييز والتهميش، والتقسيم غير المتكافئ والعادل، في أسواق العمل، وفي الرواتب الوظيفية، والتمثيل غير العادل في السلطات المحلية، والمشاركة غير المتكافئة في دوائر صنع القرار على المستوى المحلي، حيث كانت الافضلية في مجالات التوظيف والمشاركة بصنع القرار تصب دائما لمصلحة الرجال وليس النساء حتى لو كانت مؤهلاتهم عالية في مجالات التعليم والخدمات والتخصصات والثقافة الانتاجية، وهذا يعني أن الدولة لم تعد تكترث بشؤون المراة وأوضاعها، وتمارس ضدها سياسة تهميشية و طبقية شديدة .
وخلال سنوات الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في العام 2022، ازداد الوضع سواء بالنسبة لغالبية النساء القرويات والريفيات، الذين ظلوا يعملن في ظروف صعبة وقاسية للغاية، و بعضها يعتبر مضرا بالصحة الجسدية والنفسية، و بالاضافة لذلك مواجهة العنف المنزلي من الرجال، الذين يحاولون فرض سيطرتهم و هيمنتهم الابوية الكاملة على افراد العائلة برمتها، ولم يعد باستطاعتهم تقبل الرأي والرأي الآخر. وحيث أن الرجال ظلوا يشاركون باعداد كبيرة جدا في ساحات الحرب على امتداد جبهات القتال، في المناطق القروية والريفية التي احتلتها القوات المسلحة الروسية .
تحملت المرأة الأوكرانية، أعباء كبيرة للغاية فوق طاقتها في خدمات الرعاية العائلية والمنزلية، بالاضافة إلى مسؤولياتها الاخرى في ما يتعلق برعاية الاطفال أوكبار السن، ورعي الماشية، و صناعة الاغدية المحلية، والتسوق، وغيرها من المسؤوليات الاجتماعية الملقاة على عاتقها كربة منزل .
وبحسب، الاحصائيات الأخيرة لعدد من المؤسسات الحقوقية و منظمات المرأة الأوكرانية ، فان هناك أكثر 8 ملايين أمراة أوكرانية يعيشون في المناطق القروية والريفية، في أحوال يرثى لها، و يعانون من سوء المعاملة والاضطهاد، وهم يعملون في ظروف صعبة وقاسية للغاية، في محالات الزراعة ورعاية الماشية، وتربية الاطفال ورعاية المسنين، كما انهم يشاركون في حفلات الطرب ويقومون بادوار نشطة في اوساط المجتمعات القروية الريفية..
وخلال الحرب الروسية الاخيرة، على اوكرانيا ساهمت المرأة القروية والريفية بدور كبير ونشط في دعم الجنود المقاتلين الاوكرانيين على مختلف جبهات القتال، وذلك عن طريق المساهمة بتقديم الطعام والشراب والدواء وتأمين الملاجىء الامنة لهم. وأن هناك قرابة 50 في المئة من النساء يعملن بشكل غير رسمي وباجور منخفضة، في مقابل 37.1 في المئة من الرجال، وغالبا لا يحصلن على الضمانات الاجتماعية أو الحماية القانونية، مثل الضمانات الاجتماعية أثناء الحمل، أو رعاية الاطفال، ولا يمكنهن الاعتماد على المعاشات التقاعدية الزهيدة جدا، والتي هي لم تعد تكفي ـ بحسب ـ العديد من النساء المتقاعدات لشراء حتى الدواء الملح.
ولا يمكن أن تتاح للمرأة القروية الريفية وبأي شكل من الاشكال الفرص المؤاتية للحصول على نفس الخدمات المعلوماتية العامة، ومعرفة الاخبار ومزايا التكنولوجية المتطورة والحديثة، بسبب محدودية الوصول إلى شبكات الانترنت. ويحدث كل ذلك بالرغم من تصديق الحكومة الأوكرانية على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي اقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 1979، ووقعت عليها أوكرانيا في 7 تموز/ يوليو 1980 وتم التصديق عليها من قبلها في 19 تشرين الاول/ ديسمبر 1980.
وفي جميع نصوص وبنود هذه الاتفاقية الدولية، توجد هناك ضمانات ملزمة لجميع أشكال المساواة للمرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق في "الحق في المزايا العائلية، والحق في الحصول على القروض والقروض العقارية وغيرها من أشكال الائتمان المالي، فضلا عن الحق في المشاركة في الأنشطة الترفيهية والرياضية وجميع جوانب الحياة الثقافية" كما هي تضمن أيضا، حماية المرأة الريفية التي تعاني من مشاكلها الخاصة، وضمان حق المرأة في المشاركة في جميع برامج التنمية، " والحصول على الرعاية الصحية المناسبة"، و"المشاركة في كافة أنواع الأنشطة الجماعية"، و"الحصول على القروض الزراعية". "و"استخدام لظروف الحياة المناسبة".
هاني الريس
أوكرانيا، مدينة لفيف
19 شباط/ فبراير 2026









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق