الحرب على إيران: صراع الهيمنة وحدودها في النظام العالمي*فؤاد الخمليشي
الحرب على إيران: صراع الهيمنة وحدودها في النظام العالمي*فؤاد الخمليشي
لا يمكن فهم الحرب بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى بوصفه مجرد صراع سياسي أو أمني. فالحروب الكبرى في العصر الحديث هي تعبير مكثّف عن تناقضات النظام الاقتصادي العالمي نفسه، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع الصراع على الموارد والأسواق وممرات الطاقة. في هذا السياق، تبدو إيران نقطة تقاطع بين عدة تناقضات دولية تجعل أي مواجهة معها أكثر من مجرد حرب إقليمية.
فالنظام الدولي المعاصر يقوم على شبكة معقدة من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية التي تسعى القوى الكبرى من خلالها إلى ضمان استمرار سيطرتها على مصادر الثروة العالمية. لكن هذه الهيمنة لا تتحقق دون مقاومة، لأن توسعها يخلق في الوقت نفسه قوى مضادة تحاول الدفاع عن مصالحها أو تعديل موازين القوى. وهنا يظهر التناقض الأساسي: كلما حاولت القوة المهيمنة تثبيت سيطرتها بالقوة، فإنها تخلق ظروفًا جديدة لتحدي هذه السيطرة.
ضمن هذا الإطار تكتسب إيران موقعًا خاصًا. فهي ليست فقط دولة ذات قدرات عسكرية وصاروخية معتبرة، بل تقع في قلب منطقة تمثل شريانًا أساسيًا للطاقة العالمية، بالقرب من مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط. لهذا فإن أي حرب واسعة في هذه المنطقة لا يمكن أن تبقى محدودة جغرافيًا، بل تتحول بسرعة إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس بنية الاقتصاد الدولي نفسه.
لكن التناقض لا يقتصر على البعد الاقتصادي. فمحاولة فرض الهيمنة العسكرية غالبًا ما تصطدم بواقع اجتماعي وسياسي أكثر تعقيدًا مما تتصوره الاستراتيجيات العسكرية. هذا ما كشفته بوضوح تجارب تاريخية مثل حرب فيتنام ثم لاحقًا حرب العراق 2003، حيث تحولت الحروب التي بدأت باعتبارها عمليات عسكرية حاسمة إلى صراعات استنزاف طويلة أنهكت القوة المهاجمة سياسيًا واقتصاديًا.
في حالة إيران، قد يتضاعف هذا الاحتمال بسبب طبيعة الصراع الإقليمي وتشابك القوى الفاعلة فيه. فالحرب لن تكون بالضرورة مواجهة مباشرة بين دولتين، بل قد تمتد عبر عدة ساحات في الشرق الأوسط، ما يحولها إلى صراع متعدد الجبهات يصعب احتواؤه بسرعة.
إلى جانب ذلك، يحدث هذا الصراع في لحظة تاريخية يشهد فيها النظام الدولي تحولات عميقة. فصعود قوى كبرى مثل الصين وروسيا يعكس انتقالًا تدريجيًا من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية. في مثل هذه اللحظات تصبح الحروب الإقليمية أحيانًا ساحات غير مباشرة للتنافس بين القوى الكبرى، ما يزيد من تعقيدها ويطيل أمدها.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى احتمال الحرب على إيران باعتباره قرارًا عسكريًا بسيطًا، بل هو نتاج لتراكم تناقضات اقتصادية وسياسية في النظام الدولي. فالقوى المهيمنة تسعى إلى الحفاظ على مواقعها في بنية الاقتصاد العالمي، بينما تحاول قوى أخرى توسيع هامش استقلالها أو تعديل التوازنات القائمة.
لكن التناقض الجدلي هنا يكمن في أن الحرب التي تهدف إلى تثبيت الهيمنة قد تتحول إلى عامل يضعفها. فالحروب الطويلة ترفع الكلفة الاقتصادية والسياسية إلى مستويات قد تعجز حتى القوى الكبرى عن تحملها، خاصة في عالم أصبح فيه الاقتصاد مترابطًا بشكل يجعل الأزمات الإقليمية تتحول بسرعة إلى أزمات عالمية.
لهذا فإن منع الحرب أو إيقافها لا يعتمد فقط على الإرادة السياسية، بل على إدراك المصالح المادية للدول والقوى الاقتصادية الكبرى. فاستقرار أسواق الطاقة، واستمرار تدفق التجارة العالمية، وتجنب الأزمات المالية، كلها عوامل تدفع قوى عديدة إلى الضغط من أجل تجنب انفجار واسع في المنطقة.
في النهاية، تكشف الأزمة المحتملة حول إيران حقيقة أعمق تتكرر في التاريخ: فالنظام العالمي القائم على الهيمنة يولّد باستمرار تناقضات تقوده إلى أزمات متكررة. وفي مثل هذه اللحظات تصبح الحروب محاولة لإدارة هذه التناقضات بالقوة، لكنها كثيرًا ما تفتح في الوقت نفسه الطريق لتحولات جديدة في ميزان القوى الدولي.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق