جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

المرأة والتحرر: قراءة في جذور المسألة*فؤاد الخمليشي

 المرأة والتحرر: قراءة في جذور المسألة*فؤاد الخمليشي

في الثامن من مارس من كل عام، تتزين الفضاءات العمومية المغربية بشعارات "التمكين" و"المساواة" و"المناصفة"، لكن خلف هذه الخطابات الرنانة تظل المرأة المغربية العاملة رهينة بنية اقتصادية واجتماعية تعيد إنتاج استغلالها يومياً تحت ستار الإصلاحات والتشريعات. لفهم هذا الوضع، لا يكفي الركون إلى الخطابات الحقوقية المجردة، بل لا بد من العودة إلى الأساس المادي الذي تبنى عليه العلاقات الاجتماعية، حيث تعمل أعداد كبيرة من النساء في القطاع الفلاحي خاصة في العالم القروي إما كمساعدات أسريّات دون أجر أو بأجور لا تغطي الحد الأدنى للكرامة، ففي مدن مثل القنيطرة وسيدي سليمان وبرشيد تقطف العاملات الفواكه والخضروات التي تزين أسواق أوروبا مقابل دريهمات لا تسد الرمق ودون أي تغطية صحية أو اجتماعية. وفي القطاع غير المهيكل حيث تتمركز غالبية النساء العاملات في المدن، تغيب الحماية القانونية تماماً، فبائعات السمك في الأسواق والخادمات في البيوت والعاملات في معامل النسيج بالدار البيضاء وطنجة يعشن واقعاً مزدوج الاستغلال: إنهن يبعن جهد الجسد بأبخس الأثمان، ثم يعدن إلى بيوت ليحملن فيها عبء العمل المنزلي غير المأجور، ذلك الدعم الخفي للرأسمال الذي يسمح ببقاء الأجور متدنية واستمرار التراكم في أيدي القلة.
هذه الازدواجية في الاستغلال تقودنا إلى فهم دور الأسرة الأبوية باعتبارها الخلية الأولى التي تعيد إنتاج علاقات الهيمنة الذكورية، فالأسرة المغربية رغم تطور بنيتها شكلياً ما زالت تعيد إنتاج هذه العلاقات، ومدونة الأسرة التي صيغت كإصلاح كبير تظل في جوهرها تعبيراً عن تناقضات المجتمع الطبقي، فالقوانين مهما تقدمت لا يمكنها وحدها تغيير واقع أن المرأة لا تزال في الذهنية الاجتماعية السائدة تحت الوصاية. والأخطر من ذلك أن الأسرة في غياب دولة اجتماعية قوية تتحول إلى "شبكة أمان" وحيدة، مما يزيد من تبعية النساء ويجعلهن أسيرات بنية يرعينها رغم قسوتها لأنها الضامن الوحيد لبقاء الأبناء، وفي الأحياء الشعبية للدار البيضاء وسلا ومراكش تعيش آلاف النساء واقعاً يومياً من العنف الرمزي والمادي، ليس فقط من الزوج أو الأب بل من نظام اقتصادي يحصرهن في فضاءات التهميش ثم يلقي عليهن تبعة تفكك الأسرة و"تراجع القيم".
في مواجهة هذا الواقع تتباهى التقارير الرسمية بمشاريع "التمكين الاقتصادي" للنساء: القروض الصغرى، التعاونيات، دعم المقاولات النسائية، لكن هذا النموذج في الحقيقة يدمج المرأة في السوق كمنتجة صغيرة معزولة تتحمل وحدها مخاطر المنافسة وتقلبات السوق دون أن تمتلك وسائل الإنتاج الحقيقية، إنها صيغة حديثة لاستغلال طاقة المرأة وحلمها في الاستقلالية لتحويلها إلى رافعة للاقتصاد الرأسمالي دون منحها أدوات التحرر الفعلي. أما في المجال السياسي فإن "اللائحة الوطنية للنساء" في البرلمان والمجالس المنتخبة رغم أهميتها الكمية تظل محدودة التأثير ما دامت القرارات الاقتصادية الكبرى بيد نخبة مالية تحتكر الثروة والسلطة، فالبرلمانيات حتى بوعيهن التقدمي يجدن أنفسهن أمام جدران سميكة من المصالح الطبقية التي لا تريد تغييراً جذرياً في بنية المجتمع.
لكن التاريخ يعلمنا أن الوعي لا يأتي من الخطابات التنموية بل من خضم المعارك اليومية، ففي حراك الريف كانت النساء في الصفوف الأولى يحملن الماء والخبز للمحتجين ويواجهن قمع السلطة ويكسرن ببساطة نضالهن اليومي كل الصور النمطية عن "المرأة الخجولة" أو "التابعة". وفي جرادة وقفت أمهات المناجم ضد قرارات الإغلاق ليقلن بصوت واحد إن معاناة النساء ليست منفصلة عن معاناة أبنائهن العاطلين، وفي قطاع الصحة خاضت الممرضات والطبيبات إضرابات مريرة للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل ليكتشفن أن نقص الإمكانيات ليس خطأ إدارياً بل نتيجة خيارات سياسية توجه الميزانيات نحو دعم الرأسماليين بدل دعم الخدمات العمومية.
من هنا يتضح أن تحرر المرأة المغربية لن يكتمل بقوانين تمنحها حقوقاً شكلية مهما تقدمت، ولن يكتمل أيضاً ببرامج "القيادة النسائية" التي تدربها على كيف تصبح مديرة ناجحة داخل نظام قائم على الاستغلال، بل يبدأ تحررها الحقيقي بالاعتراف بأن قضيتها جزء عضوي من قضية الطبقات الكادحة: العمال، الفلاحون، الطلاب، المتقاعدون، العاطلون. فعندما تناضل المرأة العاملة من أجل رفع الأجور هي تناضل من أجل تحررها، وعندما تطالب بدور حضانة عمومية في كل حي هي تقوض الأساس المادي لعزلتها داخل الأسرة، وعندما تنزل إلى الشارع مع جيرانها وزملائها للمطالبة بالعدالة الاجتماعية هي تحول وجودها من ضحية للنظام إلى صانعة فاعلة للتاريخ.
إن الثامن من مارس في المغرب ليس موعداً للاحتفال بل هو استفاقة سنوية على حقيقة أن ما تحقق من مكاسب لم يكن هدية من أحد بل ثمرة نضال متواصل، وأن الطريق نحو مجتمع تسوده العدالة الحقيقية حيث توزع الثروة وفق حاجات الناس لا وفق منطق الربح، هو الطريق الوحيد الذي ستعبر فيه المرأة المغربية من وضع "المتمكنة" داخل السوق إلى وضع "الحرة" داخل مجتمع متحرر من كل أشكال السيطرة والاستغلال. خلاص المرأة المغربية كما خلاص الرجل المغربي رهين بخلاص الجميع، وهذه ليست شعاراً عاطفياً بل هي الحقيقة المادية التي يكشفها تحليل جذور المسألة
Fouad Khamlichi 08/03/2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *