أخلاق المقاومة.رياض الشرايطي
أخلاق المقاومة.رياض الشرايطي
في الأزمنة التي يشتدّ فيها الظلام، يميل كثيرون إلى تفسير التاريخ بوصفه مسرحا للأفراد الكبار: الطغاة، القادة، الجنرالات، الرؤساء. غير أن هذا التفسير، على الرغم من سطوته في الإعلام والسياسة، يظلّ تفسيرا سطحيا يخفي ما يجري في العمق. فالتاريخ الحقيقي لا تصنعه الشخصيات وحدها، بل تصنعه البنى الاقتصادية، والسلطات الاجتماعية، والتراكمات الطويلة للهيمنة، كما تصنعه أيضا مقاومة البشر العاديين الذين يرفضون الانحناء أمامها. ومن هنا تبدأ الفكرة المركزية التي يجب استعادتها في كل لحظة أزمة: الطغيان نظام متكامل؛ و المقاومة ليست ردّ فعل مؤقتا، بل تقليد تاريخي طويل يتجدد في كل جيل.
إن صعود النزعات الفاشية الجديدة في العالم المعاصر ليس مفاجأة تاريخية. إنه تعبير عن أزمة عميقة داخل الرأسمالية المتأخرة، تلك الرأسمالية التي وصلت إلى مرحلة من التوحّش جعلت بقاءها مشروطا بإعادة إنتاج العنف في أشكال أكثر مباشرة. فعندما تتعفّن الديمقراطية الليبرالية من الداخل، وعندما تتحول المؤسسات التمثيلية إلى أدوات لخدمة الاحتكارات الكبرى، يصبح اللجوء إلى السلطوية خيارا منطقيا بالنسبة للنخب الحاكمة. الفاشية، بهذا المعنى، ليست انحرافا عن الرأسمالية بل إحدى أدواتها التاريخية عندما تدخل في مرحلة الخطر.
لكن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال هذه الظاهرة في شخص بعينه: رئيس شعبوي، زعيم استبدادي، أو سياسي مغامر. هذا الاختزال يخدم السلطة أكثر مما يفضحها، لأنه يحوّل المشكلة من بنية كاملة إلى فرد يمكن استبداله بسهولة. فلو كان الاستبداد مجرد مسألة شخصية، لكان تغيّر الحاكم كافيا لتغيير الواقع. غير أن التاريخ يثبت العكس تماما: تتبدل الوجوه وتبقى البنية.
إن السلطة الفعلية في العالم الرأسمالي لا تقيم في القصور الرئاسية وحدها، بل في شبكة معقدة من المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والإعلامية. هناك رأس المال المالي الذي يتحكم في حركة الاقتصاد العالمي، وهناك شركات التكنولوجيا العملاقة التي تملك القدرة على تشكيل الوعي العام، وهناك المجمع الصناعي العسكري الذي يحوّل الحروب إلى تجارة مربحة. هذه القوى ليست خلف الستار فحسب، بل هي المسرح ذاته.
في هذا السياق، يصبح الاستبداد السياسي مجرد قشرة فوق نظام أعمق. فالزعيم السلطوي ليس مهندس النظام بل أحد تعبيراته. إنه الواجهة الصاخبة لعملية أوسع تقوم على تحويل المجتمع إلى سوق ضخمة، وتحويل البشر إلى موارد قابلة للاستهلاك. وما يبدو في الظاهر صراعا سياسيا بين أحزاب متنافسة، يخفي في الحقيقة توافقا طبقيا واسعا على حماية البنية الأساسية للهيمنة.
لهذا السبب، فإن التركيز المفرط على إسقاط شخص بعينه قد يتحول إلى فخ سياسي. فحتى عندما تنجح الحركات الشعبية في إزاحة الحاكم، تبقى البنية التي صنعته قائمة. وفي كثير من الأحيان تعود هذه البنية لإنتاج نسخة جديدة منه، ربما بوجه أكثر تهذيبا أو بلغة أكثر دبلوماسية، لكنها تؤدي الوظيفة نفسها.
إن اليسار الحقيقي لا يمكن أن يقع في هذا الفخ. مهمته ليست تغيير الوجوه بل تفكيك النظام الذي ينتجها. وهذا يتطلب رؤية تتجاوز السياسة بمعناها الضيق، لتصل إلى تحليل شامل للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشكل بنية السلطة.
غير أن التحليل وحده لا يكفي. فالتاريخ لا يتغير بالأفكار المجردة بل بالفعل الجماعي. هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته أخلاق المقاومة. فالنضال ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو أيضا عملية إعادة بناء للإنسان نفسه. النظام الرأسمالي لا يكتفي بالسيطرة على الاقتصاد، بل يعمل أيضا على تشكيل الشخصية الإنسانية وفق قيمه الخاصة: الفردانية المتطرفة، المنافسة الدائمة، تقديس النجاح الفردي، وتشييء العلاقات الاجتماعية.
المقاومة، في المقابل، تعني إعادة اكتشاف قيم أخرى: التضامن، الكرامة، الشجاعة، والاستعداد للتضحية من أجل الآخرين. إنها عملية تربوية بقدر ما هي عملية سياسية. ففي قلب كل حركة تحررية توجد دائما فكرة بسيطة لكنها عميقة: الإنسان ليس مجرد كائن يسعى إلى البقاء، بل كائن قادر على اختيار نوع الحياة التي يريدها ونوع العالم الذي يرغب في بنائه.
لهذا السبب لم تكن حركات التحرر الكبرى مجرد احتجاجات اقتصادية، بل كانت أيضا حركات أخلاقية وروحية. لقد حملت معها دائما تصورا عن العدالة يتجاوز الحسابات البراغماتية الضيقة. وعندما ننظر إلى التاريخ من هذا المنظور، نكتشف أن أعظم لحظاته لم تكن لحظات انتصار القوة، بل لحظات التمرد على الخضوع.
إن العبيد الذين تمرّدوا على أسيادهم، والعمال الذين نظموا الإضرابات الأولى، والشعوب التي انتفضت ضد الاستعمار، لم يكونوا يملكون ضمانات للنجاح. كثيرا ما بدت معاركهم خاسرة منذ البداية. ومع ذلك استمروا. ما الذي دفعهم إلى ذلك؟ لم يكن مجرد حساب عقلاني للربح والخسارة، بل إحساس عميق بالكرامة الإنسانية.
هذه الكرامة هي المادة الخام لكل مشروع تحرري. بدونها تتحول السياسة إلى لعبة مصالح، ويتحول اليسار نفسه إلى نسخة مخففة من النظام الذي يدّعي معارضته. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الحركات الثورية اليوم ليس فقط مواجهة السلطة، بل أيضا حماية الروح الأخلاقية للنضال من التآكل.
إن الرأسمالية المتأخرة لا تكتفي بالقمع المباشر، بل تمارس شكلا أكثر دهاء من السيطرة: تفكيك التضامن بين الناس. فهي تدفع الفئات الاجتماعية إلى التنافس فيما بينها، وتحوّل المظلومين أنفسهم إلى خصوم. هكذا يطلب من العمال أن يخافوا من المهاجرين، ومن الفقراء أن يغضبوا من الفقراء الآخرين، ومن ضحايا العنصرية أن يصمتوا عن ضحايا الاستعمار.
هذه الاستراتيجية ليست عفوية، بل جزء من منطق السلطة. فالنظام الذي يخشى اتحاد المقهورين يعمل دائما على تقسيمهم. لذلك يصبح بناء التضامن مهمة مركزية لأي مشروع يساري. التضامن لا يعني تجاهل الاختلافات، بل يعني الاعتراف بها داخل أفق مشترك من العدالة.
وفي عالم اليوم، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية والبيئية والعسكرية، يصبح هذا التضامن عابرا للحدود بالضرورة. فالرأسمالية نفسها نظام عالمي، وكذلك يجب أن تكون مقاومته. إن العامل في مصنع بعيد، والفلاح الذي خسر أرضه، واللاجئ الذي يبحث عن مأوى، والناشط الذي يقاوم الاستبداد، ليسوا قصصا منفصلة بل فصولا في الحكاية نفسها.
هذه الحكاية هي صراع البشرية الطويل ضد أنظمة الهيمنة. وهو صراع لم يحسم بعد، وربما لن يحسم قريبا. لكن ما يمنحه معناه ليس اليقين بالانتصار، بل الإصرار على الاستمرار. فالتاريخ لا يتقدم بخط مستقيم، بل عبر موجات من التقدم والتراجع. ومع ذلك يبقى هناك خيط خفي يربط بين كل لحظات التمرد عبر الزمن.
ذلك الخيط هو فكرة بسيطة لكنها مزلزلة:
أن البشر، مهما بدت الظروف قاسية، قادرون على تنظيم أنفسهم وتغيير العالم.
ربما يكون هذا هو الأمل الأكثر واقعية في زمن الكوارث. ليس الأمل الساذج الذي ينتظر المعجزات، بل الأمل الذي يولد من الفعل الجماعي. فالعالم الذي صنعته قوى الهيمنة يمكن أن يُعاد صنعه أيضا بأيدي الذين يرفضون الخضوع لها.
وهكذا، وسط الضجيج الذي تخلقه الأنظمة السلطوية، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجا لها هي نفسها التي رددتها كل حركات التحرر عبر التاريخ:
أن السلطة تبدو أبدية…
إلى أن يقرر الناس العاديون أنها لم تعد كذلك.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق