الذاكرة والهيمنة: معركة الشعوب ضد إمبريالية التاريخ.رياض الشرايطي
الذاكرة والهيمنة: معركة الشعوب ضد إمبريالية التاريخ.رياض الشرايطي
لا تحكم الإمبراطوريات العالم بالقوة العسكرية وحدها، رغم ما يبدو من حضور الجيوش والقواعد والأساطيل في خرائط الكوكب. القوة العارية قد تفتح الأبواب لكنها لا تضمن الاستقرار الطويل للهيمنة. ما يضمن ذلك هو السيطرة على الوعي، على الطريقة التي ترى بها الشعوب تاريخها ومكانها في العالم. فحين تنجح القوة المهيمنة في تشكيل ذاكرة الجماعات، يصبح الحاضر الذي تفرضه مقبولا أو على الأقل يبدو وكأنه أمر طبيعي لا يمكن تغييره. هكذا تتحول الهيمنة من حالة مفروضة بالقوة إلى واقع يعاد إنتاجه داخل عقول المقهورين أنفسهم.
لهذا السبب تحديدا لا يمكن النظر إلى التاريخ بوصفه مجالا بريئا للبحث الأكاديمي. التاريخ هو ميدان صراع، وهو في كثير من الأحيان أحد أهم الأسلحة الأيديولوجية التي تستخدمها الطبقات الحاكمة. فالرواية التي تنتصر عن الماضي ليست بالضرورة الرواية الأكثر دقة، بل تلك التي تمتلك المؤسسات القادرة على نشرها وترسيخها: المدارس، الجامعات، وسائل الإعلام، صناعة الثقافة، والآلة السياسية التي تمنحها الشرعية.
بهذا المعنى يصبح التاريخ جزءا من البنية التي تحافظ على النظام الاجتماعي القائم. فحين تعرض التجارب الإنسانية الكبرى بطريقة انتقائية، تتشكل صورة للعالم تجعل هيمنة بعض القوى تبدو وكأنها نتيجة طبيعية لمسار التاريخ نفسه. تتراجع في هذه الصورة أدوار الشعوب المضطهدة، وتُختزل حركات التحرر إلى تفاصيل جانبية، بينما تمنح القوى المهيمنة مكانة الفاعل الرئيسي في مسيرة البشرية.
هذه العملية ليست مجرد تحريف بسيط للوقائع، بل هي إعادة تنظيم كاملة للذاكرة الجماعية. بعض الأحداث تضخّم حتى تتحول إلى رموز كبرى، بينما تهمّش أحداث أخرى رغم أثرها العميق. وبمرور الزمن تتحول هذه الانتقائية إلى "معرفة عامة" لا يجرؤ كثيرون على مساءلتها، لأنها أصبحت جزءا من المناهج التعليمية واللغة اليومية والخطاب الإعلامي.
في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، لعبت المدرسة دورا حاسما في هذا البناء الأيديولوجي. فالتاريخ المدرسي غالبا ما يقدّم كسلسلة من الوقائع المتفق عليها، لا كميدان للصراع بين تفسيرات متعددة. يخرج الطالب من هذا التعليم وهو يحمل تصورا محددا عن العالم: تصورا يجعل بعض الأمم قادة طبيعيين للتاريخ، بينما تظهر بقية الشعوب وكأنها تتأخر دائما عن اللحاق بهذا المسار.
لكن المدرسة ليست سوى حلقة في منظومة أوسع. الإعلام المعاصر، بقدرته الهائلة على الوصول إلى الجماهير، أصبح أحد أهم مصانع الوعي. غير أن هذا الإعلام نادرا ما يقدم الأحداث في سياقها التاريخي والاجتماعي العميق. بل تعرض الوقائع غالبا بطريقة مجتزأة، سريعة، مفرغة من جذورها. ومع غياب السياق، تتحول الأزمات السياسية والاقتصادية إلى حوادث معزولة، لا إلى نتائج لمسارات طويلة من التراكمات الطبقية والاقتصادية.
إن ما ينتج في النهاية هو شكل من أشكال الوعي المبتور. يعرف الناس الكثير من التفاصيل اليومية، لكنهم يفتقدون الإطار الذي يسمح لهم بفهمها. في هذا الفراغ المعرفي يصبح من السهل توجيه الرأي العام عبر خطاب مبسط يقوم على الشعارات والانفعالات بدلا من التحليل. وهكذا تتحول السياسة من صراع واع حول المصالح الاجتماعية إلى مسرح للتعبئة العاطفية.
في الوقت نفسه تتعرض مجالات المعرفة التي تمنح المجتمع أدوات التحليل العميق لضغوط متزايدة. فالعلوم الإنسانية، بما تحمله من قدرة على مساءلة البنى الاجتماعية والتاريخية، تقدّم أحيانا باعتبارها تخصصات غير نافعة اقتصاديا. ويتم الدفع تدريجيا نحو نماذج تعليمية تركز على المهارات التقنية الضيقة، بينما يتراجع الاهتمام بالمعرفة التاريخية والفلسفية.
هذه التحولات ليست منفصلة عن طبيعة النظام الرأسمالي في مرحلته المعاصرة. ففي زمن الأزمات المتكررة، يصبح الحفاظ على الاستقرار السياسي أولوية قصوى للنخب الحاكمة. ومن أجل ذلك يفضّل مجتمع يملك مهارات إنتاجية لكنه يفتقر إلى الأدوات النقدية التي تمكنه من مساءلة النظام نفسه.
غير أن السيطرة الأيديولوجية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع محو التجربة التاريخية للشعوب بالكامل. فالتاريخ ليس نصا ثابتا، بل ذاكرة حية تتجدد كلما ظهرت أزمات جديدة أو حركات اجتماعية جديدة. كل موجة احتجاج، كل حركة تحرر، تعيد طرح الأسئلة القديمة حول العدالة والسلطة والثروة، وتدفع الناس إلى إعادة النظر في الروايات السائدة عن الماضي.
في لحظات التحول الكبرى، يتضح أن ما كان يبدو ثابتا في الوعي العام لم يكن كذلك في الواقع. الأنظمة التي بدت مستقرة لقرون قد تنهار فجأة عندما تتراكم تناقضاتها. الأفكار التي اعتبرت هامشية قد تتحول إلى قوة سياسية عندما تجد الظروف الاجتماعية التي تسمح لها بالانتشار.
لهذا السبب تخشى النخب الحاكمة من إعادة فتح التاريخ أمام القراءة النقدية. فالتاريخ حين يقرأ من منظور اجتماعي يكشف أن مسار العالم لم يكن نتيجة عبقرية بعض القوى أو تفوقها الطبيعي، بل نتيجة صراعات طويلة بين طبقات ومصالح متناقضة. يكشف أن الثروة التي تكدست في بعض المراكز جاءت في كثير من الأحيان من استغلال واسع لشعوب أخرى. ويكشف أيضا أن التحولات الكبرى لم تأت من أعلى، بل من حركات اجتماعية فرضت نفسها عبر النضال.
إن استعادة هذه القراءة النقدية للماضي لا تعني السقوط في تمجيد رومانسي للتاريخ، بل تعني إعادة وضعه في سياقه الحقيقي: سياق الصراع الاجتماعي. حين يحدث ذلك يتغير تصور الحاضر أيضا. فالعالم الذي يبدو محكوما بقوانين اقتصادية لا يمكن تغييرها يظهر بوصفه نتيجة قرارات بشرية ومصالح طبقية، وبالتالي يصبح قابلا للتحول.
في هذا المعنى تتحول الذاكرة إلى عنصر من عناصر المقاومة. ليس لأنها تعيد إنتاج الماضي كما هو، بل لأنها تفتح المجال لتخيل مستقبل مختلف. فكل تجربة تحررية في التاريخ، مهما كانت محدودة، تقدم دليلا على أن العلاقات الاجتماعية ليست أبدية.
وهكذا يصبح الدفاع عن المعرفة التاريخية جزءا من معركة أوسع حول شكل المجتمع القادم. مجتمع يرى في التاريخ مصدرا للفهم والنقد، أم مجتمع يفضل النسيان لأنه يجعل الحاضر أقل إزعاجا؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست أكاديمية فقط، بل سياسية بعمق. لأن الطريقة التي يفهم بها الناس ماضيهم تؤثر مباشرة في الطريقة التي يتصرفون بها في الحاضر. شعب يعرف تاريخه جيدا يمتلك قدرة أكبر على إدراك موقعه في العالم، وعلى اكتشاف أن ما يبدو قدرا يمكن أن يكون مجرد مرحلة عابرة في مسار طويل من الصراع الإنساني.
في نهاية المطاف، ليست الذاكرة مجرد سجل للأحداث التي وقعت، بل هي أيضا أفق لما يمكن أن يحدث. وكلما اتسعت معرفة المجتمعات بتاريخها الحقيقي، اتسعت قدرتها على تصور مستقبل مختلف عن الحاضر الذي تحاول القوى المهيمنة تثبيته.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق