جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الهمجية الصهيونية ومعركة الوعي! د. طنوس شلهوب

 الهمجية الصهيونية ومعركة الوعي!

د. طنوس شلهوب
في كل الحروب الاستعمارية، لا يكتفي المعتدي باستخدام القوة العسكرية، بل يسعى أيضا إلى احتلال الوعي. فالقوة الحقيقية لا تتحقق فقط عندما يفرض العدو إرادته بالقصف والتدمير، بل عندما ينجح في إقناع ضحاياه بأنهم هم سبب ما يحدث لهم. هنا تتحول الهيمنة من مجرد تفوق عسكري إلى هيمنة سردية وفكرية.
هذا ما نشهده اليوم في لبنان لدى بعض الخطابات التي تحمّل المقاومة مسؤولية التهجير والتدمير المنهجي والوحشي والقتل الذي يرتكبه الاحتلال الصهيوني. في هذه المقاربة يتم قلب المعادلة بالكامل: يصبح المعتدي ثانويا في السردية، بينما تتحول الضحية أو من يقاوم العدوان إلى المتهم الأول. وهكذا تُعاد صياغة الحدث وفق المنطق الذي يريده العدو نفسه.
ليست هذه الظاهرة جديدة في تاريخ الاستعمار. فالهيمنة الاستعمارية لطالما عملت على إعادة إنتاج سرديتها داخل المجتمعات المستهدفة. يصبح النقاش عندئذ ليس حول الجريمة ذاتها، بل حول ما إذا كان الضحية قد "استفزّ" الجلاد. وفي هذه اللحظة تحديدا يحقق المشروع الاستعماري أحد أهم أهدافه: أن يتبنى بعض أبناء المجتمع الواقع تحت العدوان لغة العدو ومفاهيمه وتحليلاته.
الأخطر من القصف نفسه اذاً، هو ما يحدث في مستوى الخطاب. ففي خضم هذه الوقائع، يظهر خطاب يحمّل المقاومة مسؤولية ما يجري من تدمير وتهجير، وكأن العدوان الإسرائيلي ليس سوى رد فعل على وجودها. هكذا يحدث انقلاب كامل في رؤية الوقائع: فبدلا من تسمية المعتدي باسمه، يُنقل اللوم إلى الطرف الذي يواجهه.
إن هذا المنطق يعكس نجاحا جزئيا للرواية التي يسعى المشروع الصهيوني إلى فرضها منذ عقود. فهذه الرواية تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة الفعالية: إسرائيل ليست دولة تمارس القوة، بل دولة “مضطرة” دائما للدفاع عن نفسها. ومن خلال تكرار هذا الخطاب في الإعلام والسياسة الدولية، يصبح من الممكن تحويل كل حرب تشنها إلى فعل دفاعي، مهما كان حجم الدمار الذي تخلّفه.
إن تحميل المقاومة مسؤولية جرائم الاحتلال من قبل قوى اليمين اللبناني المرتبطة بالغرب الامبريالي، ووسائل الاعلام المرتزقة الممولة من انظمة الخليج، هو جزء من الصراع ومن وظيفة هذه القوى، وادواتها الاعلامية، في سعيها للسيطرة والحاق الهزيمة بالمقاومة. نحن هنا بمواجهة اختلاف سياسي عميق حول الخيارات أو الاستراتيجيات، ومن اولويات هذه القوى مع اسيادها إحداث اختراق عميق للوعي الاجتماعي بالسردية المهيمنة. فبدلا من تسمية الفاعل الحقيقي – أي القوة التي تمتلك الطائرات وتقصف البيوت وتقتل المدنيين العزل، الاطفال والنساء والشيوخ، وتهجر قرى وبلدات واحياء بكاملها– يجري تحويل النقاش إلى محاكمة من يواجه هذا العدوان.
الهيمنة في معناها الأعمق لا تُمارَس فقط بالقوة، بل عبر تشكيل الإدراك العام بحيث يبدو الواقع كما يريده الأقوى. وعندما يبدأ المجتمع نفسه بإعادة إنتاج هذه القراءة، يصبح الصراع ليس فقط على الأرض، بل أيضا على المعنى والذاكرة.
لذلك فإن مواجهة الهيمنة لا تقتصر على مواجهة العدوان العسكري، بل تشمل أيضاً تحرير الوعي من سرديات القوة المهيمنة، وإعادة وضع المسؤوليات في مكانها الحقيقي: حيث يُسمّى المعتدي معتديا والضحية ضحية، والمقاومة فعلا نشأ في سياق العدوان لا سببا له.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *