جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

خاطرة مختصرة حول قضية المرأة في السياق العربي:عمران حاضري

 خاطرة مختصرة حول قضية المرأة في السياق العربي:

قراءة تاريخية طبقية في جدلية التحرر الاجتماعي...
خاطرة مهداة أساساً:
*إلى المرأة المقاومة أينما كانت ، و إلى المرأة الفلسطينية بصفة خاصة بصفتها عنوان مقاومة و حياة...
* إلى كل امرأة تقدمية مستنيرة ناهضة ، متسقة مع ذاتها ككائن ثقافي اجتماعي تحرري والتي تمكنت من خلال مراكمة وعيها من نقل معركتها " الجنادرية" مع الرجل إلى فضاءات ارحب من معارك الحرية و الانعتاق الإجتماعي...
* إلى الكادحات في الأسرة و المجتمع ، المغروسة أصولهن في الأرض ، و المرفوعة هاماتهن في السماء ، اللاتي كلما اقتربت منهن إلا و لامست تجاعيد الوطن بافراحه و اوجاعه... بحاضره و مستقبله...
* بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتجدد النقاش حول المسألة النسوية بوصفها قضية تتجاوز حدود المطالب الحقوقية المباشرة لتلامس البنية العميقة للمجتمع وتاريخه الاجتماعي. فمكانة المرأة في أي مجتمع ليست مجرد مسألة ثقافية أو أخلاقية معزولة، بل تعبير مكثف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة فيه، وعن مستوى تطوره التاريخي، وعن شكل السلطة الاقتصادية والسياسية التي تنظّم الحياة العامة. ومن هذا المنظور، تصبح قضية المرأة مرآة تكشف في آنٍ واحدٍ درجات التقدم أو التخلف داخل البنية الاجتماعية.
تاريخياً، ارتبطت البدايات الفكرية للحركة النسوية الحديثة بالمطالبة بالمساواة القانونية والحقوق المدنية والسياسية، كما ظهر ذلك في بعض الكتابات مثل أعمال Mary Wollstonecraft وكتابها (A Vindication of the Rights of (Woman ، حيث دافعت عن حق النساء في التعليم والمواطنة الكاملة باعتبارهما شرطاً ضرورياً للتحرر من الوصاية الاجتماعية والسياسية. وقد شكّلت هذه المقاربة الحداثية الليبرالية ، خطوة مهمة في مسار تفكيك الإقصاء التاريخي للنساء، إذ ساهمت في إدخال مسألة المرأة إلى قلب النقاش السياسي الحديث...
غير أن تطور النقد الاجتماعي والفلسفي كشف أن جذور اللامساواة الجندرية أعمق من مجرد غياب المساواة القانونية... ففي المقاربات التاريخية ذات الأفق الطبقي، وخاصة ضمن تقاليد الفكر الماركسي، جرى تحليل اضطهاد النساء بوصفه جزءاً من بنية اجتماعية تاريخية ارتبطت بنشوء الملكية الخاصة وتطور المجتمع الطبقي. وقد قدّم فريدرك انجلز على سبيل المثال ، في كتابه " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة" إحدى المحاولات المبكرة لفهم هذا التحول، حين ربط بين تشكّل العائلة الأبوية وصعود نظام الملكية الخاصة، معتبراً أن إخضاع النساء كان أحد الأوجه التاريخية لظهور التراتبية الطبقية داخل المجتمع...
في هذا السياق، لا يظهر اضطهاد النساء كظاهرة منفصلة عن البنية الاقتصادية والاجتماعية، بل كجزء من منظومة أوسع لإنتاج السلطة والهيمنة... فالمجتمع الطبقي لا ينتج فقط تفاوتاً في الثروة والسلطة، بل يعيد أيضاً إنتاج أشكال متعددة من التراتب الاجتماعي، من بينها التراتب الجندري. وهكذا تتقاطع علاقات الإنتاج مع البنى الثقافية والرمزية لتعيد إنتاج الهيمنة الذكورية داخل العائلة وسوق العمل والمؤسسات السياسية والثقافية...
عند نقل هذا النقاش إلى السياق العربي، تبرز خصوصية تاريخية مركبة. فالمجتمعات العربية الحديثة تشكلت في ظل تداخل معقد بين إرث تقاليد اجتماعية أبوية قديمة، وبين مسارات تحديث شكلاني و مشوه يعكس إلى حد كبير التشوه الحاصل في علاقات الإنتاج حيث ارتبطت من جهة بالاستعمار المباشر ومن جهة أخرى بشروط التبعية للنظام الرأسمالي العالمي... وضمن هذا التداخل، غالباً ما جرى التعامل مع قضية المرأة إما بوصفها مسألة ثقافية تقليدية تختزل في صراع بين “الحداثة” و”التقليد”، أو بوصفها مطلباً حقوقياً محدوداً داخل إطار إصلاحي قانوني...
غير أن القراءة التاريخية الطبقية تكشف أن المسألة النسوية في المجتمعات العربية ترتبط أيضاً بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها مسارات التبعية و الريعية و الطغم الكمبرادورية الرثة المهيمنة داخل المجتمعات العربية ، التي انخرطت في الرأسمالية العالمية و راكمت الأرباح لكنها حافظت على البنى التقليدية و مارست حداثتها الزائفة المشوهة على هواها مما أفضى إلى سقوط البنى التقليدية بصفة عامة في نوع من "الانتهازية الحضارية" حيث يتم رفض أو التعارض مع قيم الحداثة بما هي قيم حرية و تحرر و عقلانية و تنمية،،، و بنفس الوقت الإقبال على ثمار الحداثة في التكنولوجيا و الطب و النقل و غيرها...!
و دون هذا و ذاك ، فإن تهميش النساء لا ينفصل عن أنماط أوسع من التهميش الاجتماعي المرتبط بالفقر والبطالة و الجهل والهشاشة الاقتصادية... ففي كثير من الحالات، تتقاطع الهيمنة الجندرية مع علاقات الاستغلال الطبقي، بحيث تتحمل النساء أعباء مزدوجة ، حيث عبء التراتب الاجتماعي داخل البنية الأبوية التقليدية ، وعبء التهميش داخل اقتصاديات تابعة ، ريعية ، طفيلية...
من هنا يصبح النقاش حول تحرر المرأة في السياق العربي جزءاً من سؤال أوسع حول طبيعة المشروع الاجتماعي والتاريخي للمجتمعات العربية نفسها. فالمساواة الجندرية لا يمكن أن تتحقق بالكامل داخل بنى اجتماعية تنتج اللامساواة على نطاق واسع، مثلما لا يمكن فصل النضال النسوي بصفة عامة رغم بعض الخصوصيات و بعض المكاسب الجزئية في بعض البلدان ، عن النضالات الاجتماعية الأوسع من أجل العدالة والكرامة والسيادة الاجتماعية...
بهذا المعنى، لا تكون المسألة النسوية قضية قطاع اجتماعي معزول، بل أحد محاور الصراع التاريخي من أجل مجتمع أكثر عدلاً... فهي تكشف حدود الأنظمة الاجتماعية القائمة، وتفتح في الوقت ذاته أفقاً لتحرر أوسع يتجاوز مجرد إدماج النساء في البنى القائمة، ليطرح سؤال إعادة بناء المجتمع نفسه على أسس أكثر مساواة وإنسانية.
إن قضية المرأة، في هذا الأفق، ليست فقط قضية نصف المجتمع، بل مقياس تاريخي لمدى قدرة المجتمع كله بفضل نضالات قواه الحية أو الناهضة على مقاومة الظلم والقهر والاستغلال و الاستلاب والتمييز ... وهي أيضاً أحد ميادين المعركة الطويلة من أجل الحرية بوصفها حركة تحرر مستمرة و فعل عقلاني قصدي في التاريخ ، في سياقاتها الاجتماعية والطبقية، صوب أفاق أوسع من العدالة والانعتاق الاجتماعي...
عمران حاضري
8 / 3/ 2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *