جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

كتب محمد السفريوى من المغرب...لا غَرابة أن يأتي الربيع إليكم صاغرًا.. أهل السودان.

 كما قرأ المغربي السودان:

كتب محمد السفريوى من المغرب _ طنجه
هنالك روايات لا تُقرأ فقط، بل تفتح في داخلنا نوافذ كاملة على بلدان لم نزرها. هكذا حدث معي منذ أن نصحني صديقي صلاح عوض الله النعمان سنة 2009 بقراءة رواية (الجنقو مسامير الأرض) للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن. يومها شعرت كأني في حاجة إلى مزيد من التعرّف على السودان؛ بلد لم أره من قبل، وإن كنت قد تعرّفت على بعض ملامحه عبر رفاق سودانيين تقاسمت وإياهم أحلامًا في بغداد خلال ثمانينيات القرن الماضي.
لم تكن الرواية مجرد اكتشاف كاتب جديد أو نص روائي متميّز، بل كانت دعوة مُلحّة لعبور نحو عالم فريد: عالم سحري وخشن في آنٍ واحد، نابض بالحياة، مثقل بالوجع والجمال معًا. كانت اللهجة المحلية المستعملة كثيفة ومتعرّجة، وقد حذرني صديقي من صعوبتها، لكنها، لدهشتي، لم تُبعدني عن النص؛ بالعكس، جعلتني أشعر أنني مدعو لفكّ شيفرة لغة فريدة، لغة تقودك تدريجيًا إلى أرض كاملة: غبار طرقاتها، حرارة أجساد عمالها الزراعيين، وأفقها البعيد الذي يلمع في الذاكرة.
حين أنهيت الرواية شعرت أنني لم أتعرّف إلى عمل أدبي فقط، بل اقتربت من وجدان شعب كامل؛ شعب يختزن طاقة حياة هائلة تحت وطأة نظام حكم بدا واضحًا أن إسقاطه مسألة وقت. ومنذ تلك اللحظة بدأت ألاحق الأدب السوداني كلما سنحت الفرصة، فقرأت أعمالًا لكتاب مثل حمور زيادة ومنصّور الصويم وغيرهما. واكتشفت شيئًا فشيئًا أن هناك وطنًا كاملًا يُكتب في الكتب قبل أن يسعى أبناؤه إلى رسمه على الخرائط.
ربما لهذا السبب تابعت الثورة السودانية لاحقًا كما لو كنت أقرأ فصلًا جديدًا من ذلك الأدب. لم تكن بالنسبة إليّ مجرّد حدث سياسي، بل عشتها كقارئ عاشق للأدب، فطاب لي أن أتعامل معها كنص جماعي يكتبه شعب كامل. كنت أتابعها بشغف يشبه الفرح الطفولي، وكأن الخيال الذي قرأته في الروايات قرّر أخيرًا أن يغادر الصفحات إلى الشوارع.
في تلك الأيام بدا لي السودان كأنه قصيدة مفتوحة. الجدران مغطاة بالشعر، والمواكب تقودها الأغاني، وساحات الاعتصام تتحوّل إلى معارض كتب، وحتى البيانات السياسية نفسها كانت تتقدّمها استعارات شفافة. أما لغة الشارع، لغة الهامش المعروفة بـ”الراندوك”، فقد تحوّلت فجأة إلى لغة الثورة.
مشهد القطار القادم من عطبرة “مدينة الحديد والنار” نحو المعتصمين في الخرطوم، محمّلًا بالثوار، بدا كأنه لقطة سينمائية خالدة تستحضر أعمال المخرج السوفييتي سيرجي آيزنشتاين في فيلمه الشهير “المدرعة بوتمكين” وثورة البحّارة. أما صورة الشهيد المتكئ على متراس رفاقه فقد بدت وكأنها تنافس في رمزيتها وشاعريتها قصيدة محمود درويش حين يقول: “وسقطت قربك فالتقطني، واضرب عدوك بي.. فأنت الآن حر”.
كل شيء يومها كان يوحي بأن شعبًا عظيمًا يعيد تعريف معنى الثورة.
لهذا يبدو الحزن اليوم أثقل. لأنني لم أكن أعيش مجرد حدث سياسي عابر، بل كنت أرى أملًا حقيقيًا يولد أمامي. ثورة خلعت قلبي فرحًا، وأعادت إليّ الكثير من الثقة في قدرة الشعوب على إعادة كتابة مستقبلها.
لكن حين أتذكّر اليوم ما آل إليه السودان، وخصوصًا منذ يوم استشهاد صديقي ورفيقي عماد عركي، يتسلّل شعور مرير: كأن تلك الصفحات المضيئة من النص انقطعت فجأة، أو كأن الرواية التي كتبها شعب كامل سُرقت منه قبل أن تكتمل.
ومع ذلك يبقى شيء واحد عصيًّا على النسيان. ذلك الإبداع الجماعي الذي رأيته في الشوارع لم يكن وهمًا. كان حقيقة، ولحظة نادرة خرج فيها الأدب من الكتب ليصبح فعلًا شعبيًا، وصارت فيها الكلمات نفسها جزءًا من معركة الحرية.
ولعل هذا يقودنا إلى واحد من أقدم الأسئلة في الأدب: ما الذي يمكن أن تفعله الكلمات في حياة الشعوب؟ فالشعر والكتابة قد يبدوان أحيانًا مجرد نصوص متعالية عن الواقع ومحفوظة في الكتب، لكنهما يكتسبان معناهما الحقيقي حين يتحوّلان إلى هتاف في حناجر الناس. لهذا بقيت كلمات الشاعر أبو القاسم الشابي حيّة لأنها خرجت من الدواوين إلى الشوارع، حين ردّدت الحناجر من المحيط إلى الخليج: إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
هكذا بدأت الثورة السودانية أيضًا: كأنها مطلع قصيدة جماعية يكتبها شعب كامل.
قصيدة للحرية، للكرامة، والعدالة..
لكن ما يحزّ في القلب أننا لا نعرف بعد كيف ستنتهي.
* كاتب من المغرب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *