الرفيق ابراهيم حمي في ملاحظة هامة...لحظة أحداث 8 ماي 1983، لحظة كاشفة لماعليه الاتحادالاشتراكي الان
ملاحظة هامة ..
كي لا ننسى او يتجاهل البعض أسباب وتاريخ الانحراف لحزب الاتحاد الاشتراكي. وهذا تعقيب متواضع مني على تصريحات علي بوعبيد.
- حين يتحدث علي بوعبيد عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بلهجة أقرب إلى المرثية منها إلى النقد، فهو لا يفعل سوى ملامسة سطح جرحٍ أعمق بكثير من مجرد توصيفٍ عابر بـ"الحزب الإداري". لقد أصاب، نعم، لكنه لم يحفر بما يكفي. فالرجل، وهو ابن عبدالرحيم بوعبيد، يستدعي بوعي أو بدونه، ذاكرة رمزية ثقيلة، لكن هذه الذاكرة نفسها تحتاج إلى مساءلة، لا إلى تحصين عاطفي. لأن السؤال الحقيقي ليس: متى صار الحزب إدارياً؟ بل: متى بدأ يفقد مناعته ضد التحول إلى مجرد أداة؟
إن اختزال الانعطاف في لحظة متأخرة، أو ربطه فقط بمرحلة إدريس لشكر، هو نوع من التبسيط المريح، لكنه تبسيط يُعفي التاريخ من مسؤوليته. فالتحولات الكبرى لا تقع فجأة، بل تتسلل بهدوء، كما يتسلل الصدأ إلى الحديد. لقد بدأت ملامح الانعرج، كما تشير الوقائع، منذ مطلع الثمانينيات، في زمن كان فيه عبدالرحيم بوعبيد نفسه على رأس الحزب. وهنا تكمن المفارقة التي يتجنبها كثيرون: كيف لحزبٍ بزعامة تاريخية أن ينزلق تدريجياً نحو براغماتية مفرطة تُفرغ الخطاب الاتحادية من مضمونه؟ يبرز هنا دور أسماء مثل محمد اليازغي وعبدالواحد الراضي، لا كأفراد بقدر ما هم تعبير عن تيار داخل الحزب اختار "التكيف" بدل المواجهة، و"التموقع" بدل الصدام. تيارٌ فهم السياسة كفنّ للبقاء، لا كأفق للتغيير. أما لحظة أحداث 8 ماي 1983، فهي ليست مجرد واقعة تنظيمية عابرة، بل لحظة كاشفة: حين يُقصى المعارضون، وتُغلق أبواب النقاش، وتُستدعى الدولة كحَكَمٍ داخل صراعٍ حزبي، فذلك إعلان غير مباشر عن بداية نهاية الاستقلالية السياسية للحزب.
والمفارقة الأكثر قسوة، أن العبارة المنسوبة إلى عبدالرحيم بوعبيد "أرض الله واسعة" لم تكن مجرد جملة عابرة، بل تحولت إلى منطق ضمني لإدارة الخلاف: بدل استيعاب التعدد، يتم دفع المختلف إلى الهامش. وهو نفس المنطق الذي سيعيد إنتاج نفسه لاحقاً مع عبدالرحمان اليوسفي في مواجهته لتيارات داخلية أخرى.
هنا يصبح من السهل فهم كيف وصل الحزب، في نهاية المطاف، إلى ما يشبه "المسخ السياسي": ليس لأن أحدهم قرر فجأة أن يكون إدارياً، بل لأن الحزب، عبر مسار طويل من التنازلات، بدأ يرغب في ذلك طوعاً. إن قوة تشخيص علي بوعبيد تكمن في جرأته على تسمية الأشياء، لكن ضعفه يكمن في انتقائيته التاريخية. فالنقد الحقيقي لا يكتفي بلحظة الانهيار، بل يعود إلى لحظة الانحراف الأولى، حتى وإن كانت تلك اللحظة مرتبطة بأسماءٍ مقدسة في الذاكرة الاتحادية. خلاصة القول: إن مأساة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست في أنه أصبح حزباً إدارياً، بل في أنه لم ينتبه أو لم يُرد أن ينتبه إلى أنه كان يسير نحو ذلك منذ زمن بعيد. فالانحراف السياسي، كما كل الانحرافات الكبرى، لا تحدث دفعة واحدة… بل تحدث حين يتحول التنازل إلى عادة، والبراغماتية إلى عقيدة وهذا ما كان يجهله ربما علي بوعبيد واخرون؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق