جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

الرقم 158 مكرر بشارع عبد المومن في الدار البيضاء...عبد الرحيم التوراني

 الرقم 158 مكرر بشارع عبد المومن في الدار البيضاء...عبد الرحيم التوراني

ليس مجرد موقع جغرافي في قلب العاصمة الاقتصادية، بل هو أرشيف حيّ شُيّد من إسمنت وذاكرة...
في بواكير الاستقلال كانت جدران هذا المكان تأوي مقاطعة درب غلف الإدارية، قبل أن يرحل الموظفون صوب زنقة سمية القريبة، تاركين الفضاء لصخب السياسة ومسودات أحلام التغيير الكبرى.
تظل ظروف انتقال المقر من سلطة "أم الوزارات" (الداخلية) إلى ملكية حزب الاستقلال لغزا عصيا على الفهم، تماما كغموض تلك المرحلة الانتقالية... ولعل مفتاح السر يكمن في حقيبة الداخلية التي أُسندت في السنوات الأولى بعد الاستقلال لشخصية استقلالية هو الراحل إدريس المحمدي.
مع تصدع وحدة الاستقلاليين في خريف 1959، آل المكان إلى المنشقين الطامحين لبناء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
عقب الانشقاق التنظيمي لعام 1972 تمسك أنصار الراحل الأستاذ عبد الله إبراهيم بهذا المعقل.. لم يكن البقاء هناك مجرد اختيار، بل تكرس بقوة القانون وحماية القوات العمومية، ليظل المقر وفيا لعنوانه التاريخي...
وبينما كانت الجدران ثابتة، كان الوهج قد تسرب بالفعل من تحت الأبواب ليملأ ساحات الاتحاد الاشتراكي، الوريث المنشق الذي خطف الأضواء والجمهور...
اللافتة التي ظلت لعقود تحمل صباغة حمراء وخطا بدائيا، استُبدلت مؤخرا بأخرى عصرية، في محاولة يائسة لترميم غياب الفكرة ببريق المعدن... لكن الواقع المر يقول إن صراخ "الوطني" خفت أمام سطوة "الاشتراكي"، الذي لم يسلم هو الآخر من لعنة التشرذم.. فمن ضلعه خرجت أحزاب شتى:
الطليعة والمؤتمر الاتحادي، ذابا مؤخراً في حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي.
الحزب الاشتراكي، الذي أسسه طبيب القلب عبد المجيد بوزبع، توارى عن الأنظار.
الحزب العمالي، بقيادة المصرفي عبد الكريم بنعتيق، الذي عاد في نهاية المطاف إلى أحضان "اتحاد لشكر"...
وفيما يهرع شارع عبد المومن في صخبه التجاري والمالي كخلية نحل لا تهدأ، تقف البناية القديمة رقم 158 مكرر صامتة، تماما كحال كراج "اعريبات" الرابض على الرصيف نفسه وعلى بعد أمتار قليلة.
توقف "كراج اعريبات" عن نقل المسافرين إلى وجهاتهم البعيدة، وتوقف المقر 158 مكرر عن احتضان تلك الاجتماعات الصاخبة التي كانت تزلزل سكون الشارع.
تبدو المفارقة الحزينة هنا في تلك الكلمة الملحقة بالعنوان: "مكرر".. فرغم أن الرقم يحمل وعدا بالاستمرار أو الإعادة...
إلا أن قوانين التاريخ والسياسة في هذا الشارع البيضاوي الصامد تؤكد أن لا شيء يُعاد كما كان، ولا شيء مهما أُلبس من لافتات عصرية يتكرر بنفس الروح أو الوهج.
لقد رحل الصخب.. وخبا العنف الرمزي، وانفضَّ السامر...
لم يبقَ من ذلك المجد التليد إلا الأطلال، وشواهد تحكي للغادين والرائحين أن قطار التاريخ لا يمر من "الكراج" نفسه مرتين.
عبد الرحيم التوراني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *