جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

"حرب المواقع الرمزية: من باب دكالة إلى احتلال الذاكرة"فؤاد خمليشي

 "حرب المواقع الرمزية: من باب دكالة إلى احتلال الذاكرة"فؤاد خمليشي

ما جرى عند باب دكالة واقعةٌ تتكثف فيها تناقضات العصر الكبرى. إنه اختراق مُمنهج في جسد الذاكرة، فعلٌ سياسي كامل الأركان يُدار بعناية لئيمة ليُثبّت في الفضاء العمومي رسالةً واحدة: التطبيع ليس توقيعًا على ورق، إنه احتلال ناعم للوعي، نقلٌ لعلاقات القوة من دهاليز الدولة إلى مسام الحياة اليومية.
أن نقرأ المشهد بسطحه البارد، أن نكتفي بوصف طقس ديني جماعي أمام سور تاريخي، معناه أن نبارك الجريمة بتفاهة التفسير. المسألة توظيفٌ سياسي للطقس، استعمالٌ مُدبَّر لهيئة الزيارة، إحالةٌ للمقدَّس إلى حامل أيقوني للاستباحة الإمبريالية. هذا هو الاستلاب في أقصى تجلياته: يُستَلَب الرمز الديني من شحنته الروحية ليتحول إلى رأس جسر للهيمنة.
منذ انزلقت اتفاقيات التطبيع إلى الوجود، نعيش مرحلة أنقل: نقل الصراع من مستوى "الدولة إلى الدولة" إلى مستوى "المجتمع المدني"، فيما كان غرامشي ليسميه بالحرب الموضعية التي تُخاض في الخنادق الرمزية والثقافية قبل القصر. حين تعجز السلطة عن إقناع الجماهير، تعمد إلى سياسة الاعتياد القسري: تكرار المشهد الاستفزازي حتى يصير جزءًا من "الحس المشترك" المزيَّف، وتطبيع الصدمة حتى تفقد قدرتها على إيقاظ الغضب. هذه هندسة نفس-اجتماعية متقنة: تعريض الذاكرة الجمعية لجرعات متصاعدة من المحو، فيصير المحتل الرمزي ضيفًا مألوفًا في بيت الأجداد.
اختيار باب دكالة لم يكن بريئًا. المكان ليس فراغًا هندسيًا، إنه طرف من الكتلة التاريخية المتشكلة عبر القرون. الحيز مستودع للصراع الطبقي والرمزي، لا حياد فيه. حين يستخدم المشروع الصهيوني فضاءات الذاكرة الحضرية لإنتاج سرديات جديدة، نكون أمام استيلاء على "تاريخية" المجتمع كما يصفها آلان تورين: اغتصاب قدرة المجتمع على إنتاج ذاته وفق مرجعياته، وفرض نموذج ثقافي ينتجه الآخر الإمبريالي. هكذا تبدأ إعادة إنتاج الوعي: بالرمز أولًا، ثم بالتكرار الطقسي، ثم بفرض الرواية الجديدة كحقيقة طبيعية لا تقبل الجدل.
التاريخ المغربي ليس قماشًا أبيض تطرّزه روايات المستعمر. اليهود المغاربة، أولئك المتجذرون في النسيج الوطني، لهم تاريخ تعايش عضوي، بعيدًا عن الاستعراضات الاستفزازية المستوردة. الفرق بين المكوّن الذاتي للمجتمع والجسم الطفيلي المزروع بالقوة، هو عين الفرق بين يهودي مغربي أصيل ووفود تحمل الأجندة الصهيونية غلافًا للعبور. المقارنة بينهما تزوير إيديولوجي يخدم أسطورة "التسامح" غطاءً للاختراق. ففي طورها الأعلى، كما حلل لينين، لا تصدّر الرأسمالية الإمبريالية البضائع ورؤوس الأموال فحسب، بل تصدّر "البشر الحاملين للوظيفة الإيديولوجية"، جماعات تتحول بذاتها إلى سلعة سياسية.
الذين أدّوا المشهد البارع لا يُفهمون كأفراد معزولين. النقل المنظم، التوقيت المحسوب، الإخراج الجماعي، الموقع المُشحون بالرمزية، كلها مؤشرات على أننا أمام جهاز إيديولوجي متحرك. حين تتكرر عناصر التنظيم والرسالة والرمز، يصير الحديث عن الصدفة سذاجة علمية. الصدفة لا تستأجر حافلات، ولا تختار التوقيت الفاصل، ولا تنتقي سورًا تاريخيًا ليحتضن صلاة الغزاة. هذا هو الاختبار البارد: جس نبض الجماهير، قياس منسوب الرفض، استكشاف عتبة احتمال الشعب للاختراق الهادئ. تقنية مستوحاة من سيكولوجيا السلوك الجمعي: تقديم منبّه استفزازي، ثم رصد رد الفعل. إذا خفت الاعتراض، ننتقل إلى جرعة أكبر. وإذا قوي الغضب، يُعاد التموضع مع الاحتفاظ بالمكسب الرمزي الأول رأس جسر ينتظر اللحظة المناسبة للتمدد.
الأكثر إيذاءً من الحدث هو خطاب التبرئة المغلّف برداء "التسامح" و"الانفتاح". هذا الخطاب يمثل، بالمعنى الغرامشي، مثقفًا عضويًا للمشروع المهيمن، يتولى إعادة تعريف الانفتاح ليكون استسلامًا نبيلًا للاختراق. التسامح الحقيقي لا يعني الموافقة على اغتصاب الذاكرة، والانفتاح الحقيقي هو انفتاح الوعي النقدي القادر على تمييز الضيف من المُستعمِر. المجتمع المنيع هو من يملك طبقة واعية طليعية من المثقفين العضويين الثوريين، القادرين على فضح البنية العميقة خلف قناع "الروحانية" البريئة.
تقديم هذه الوفود جماعاتٍ روحانيةً هو تجاهل جنائي للسياق التاريخي العالمي. الدين، حين يتحول غطاءً أيديولوجيًا للمشروع الاستيطاني، يصبح جزءًا من التراكم الرأسمالي البدائي الرمزي. والرمز، حين تخطفه يد القوة المادية، يفقد براءته ليصير أداة سيطرة. استعمال المقدَّس في خدمة التوسع ليس شذوذًا، إنه قاعدة الصهيونية الكولونيالية: تسلب الأرض والوعي معًا، تحول المعبد إلى ثكنة، والمقبرة إلى سند ملكية، و"الزيارة" إلى طقس استيطاني يكتب نهاية التاريخ الفلسطيني ويعيد إنتاجه نفيًا مستمرًا.
نحن إذن أمام صراع على المعنى والذاكرة والمجال العام. من يملك الرمز يسعى إلى امتلاك السردية. ومن يفرض حضوره الجسدي في الفضاء يتهيأ لفرض روايته في الوجدان. إنها معركة وجود وتحرر، معركة بين كتلة تاريخية أصيلة تريد إنتاج مجتمعها بذاتها، وكتلة معادية تحاول تفكيك تاريخيتها وتدجينها.
لهذا لا يجوز القول: "كانت زيارة دينية عادية". يجب تسمية الأشياء بأسمائها الثورية. ما جرى تمرين سياسي على اختراق المجال العمومي المغربي، استفزاز محسوب في حرب مواقع طويلة النفس، يهدف إلى ترويضنا رمزيًا قبل الترويض الاقتصادي والسياسي. الرد الحقيقي لا يكون بغضب مشتت، إنه العودة إلى رشدية لوكسمبورغ: الجماهير، حين تنفجر رفضًا للاغتصاب، تعبّر عن عفوية ثورية يجب تنظيمها لا وأدها. الرد يكون ببناء كتلة تاريخية مضادة، بقيادة طليعة واعية تصهر الغضب الشعبي في فعل منظم، وتحمي الذاكرة الجمعية من التدنيس، وتُذكّر العالم أن التاريخ الإنساني لا يُكتب بصلوات المستوطنين فوق أسوار المدن العتيقة، بل بصلوات الأحرار على أرواح الشهداء، وبسواعد الذين يحرسون الذاكرة كي تظل حية، ثائرة، حتى ينقشع ليل الصهيونية عن فجر الإنسانية.
Fouad Khamlichi 27/04/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *