عن “العالم اليوم منقسم إلى فسطاطين”.الرفيق محمد السفريوي
إستوقفتني عبارة مثيرة تضمنتها افتتاحية جريدة يسارية ، تعتبر “العالم اليوم منقسم إلى فسطاطين”. عبارة تبدو للوهلة الأولى بريئة و حاسمة ، لكنها في الحقيقة محملة بإرث رمزي وثقافي لا يمكن المرور امامه دون ملاحظة لا بد منها. فمفردة “الفسطاط” لا تنتمي إلى قاموس التحليل اليساري بل تنتمي إلى لغة الخطاب العقائدي، حيث يختزل العالم إلى معسكرين متقابلين، لا ثالث بينهما. الافتتاحية دون أن تعي تقترح علينا مدخلا معينا للفهم، و تفرض منذ البداية مصادرة على اي تحليل معمق و إقصاء لكل تعقيد ممكن.
القضية هنا ليست لغوية فقط، بل منهجية. فحين نقر مسبقا أن الواقع هو ثنائي حاد ، فإننا لا نكون أمام تحليل، بل أمام دعوة صريحة للاصطفاف. فالمقدمة التأسيسية للنص تقود مباشرة إلى نتيجة جاهزة: إما أن تكون مع هذا المعسكر أو ذاك، إما مع العدوان أو مع النظام الإيراني. وبين هذين الحدين تختفي كل المساحات التحليل التي تشكّل في الحقيقة جوهر السياسة.
الاختزال هذا ، لا يستقيم و التفكير اليساري النقدي و الجدلي. فإذا كان من الطبيعي ، رفض العدوان العسكري الخارجي باعتباره انتهاكا لسيادة الدول وحقوق الشعوب، فإنه لا يعني تبني مواقف الأنظمة المستبدة أو تبرير سياساتها. هذه ليست منطقة حياد ، بل هي موقع نقدي بليق بنا كيسار يسعى إلى الإمساك بتناقضات الواقع بدل تبسيطه.
إن الأسلوب الذي يحصر المواقف في خيارين متقابلين يكشف نوعا من الكسل و العجز التحليلي يموه بمنطق ثنائي مريح، و هكذا يتحول الخطاب من أداة للفهم إلى أداة للتعبئة.
في النهاية، ما تقدمه الافتتاحية للأسف، ليس قراءة دقيقة و عميقة تليق بيسار حقيقي لواقع متشابك، بل إعادة إنتاج لمنطق استقطابي يختزل العالم في ثنائية مغلقة.
فامام خطاب لا يسعى إلى الفهم و يكتفي بالدعوة إلى الاصطفاف، قد تضيع الحاجة الفعلية إلى يسار مشتبك مع واقعه و منتج لتصورات و حلول حقيقية.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق