جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غزة بين فكّي كمّاشة مجلس السّلام وقرار الضّمّ بقلم : ألفة البعزاوي

 غزة بين فكّي كمّاشة مجلس السّلام وقرار الضّمّ

بقلم : ألفة البعزاوي
لم تعد غزة اليوم مجرّد ساحة حرب أو رقعة جغرافيّة محاصرة بل إنّها تحوّلت بالفعل إلى مختبر لجوهر النّظام الدّوليّ في لحظة يتعاظم فيها التّطاحن الامبرياليّ بشكل فجّ، وإلى مرآة عاكسة لرياء هذا النّظام الذي يغطّي تواطؤه وازدواجيّة معاييره وإدارته الباردة للموت بخطابات “السلام” داخل أروقة المؤسّسات الدوليّة وفي المنابر الإعلاميّة. فمنذ اللّحظة التي عقبت هجوم 7 أكتوبر، لم يكن ما يطبخ دوليّا بشأن غزة مجرّد مساع للتّهدئة بل محاولة لإعادة صياغة الواقع بما يتلاءم مع موازين القوى ويخدم مصالح التحالف الصهيو–أمريكي.
وفي هذا الإطار جاء “مجلس السّلام لغزة” كجزء من مبادرة تمّ تقديمها بوصفها حلاّ عمليّا سيقود إلى التّهدئة وإنهاء الحرب والشّروع في إعادة الإعمار في ظلّ إدارة انتقاليّة للقطاع.. لكنّ الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: هذا المجلس ليس وسيطا محايدا بل طرفا منحازا وهو ما ستبيّنه الوقائع على الأرض تباعا. لقد أعلن دونالد ترامب عن تشكيل مجلس السّلام لغزة برئاسته شخصيّا وأقيمت مراسم توقيع ميثاقه التأسيسي بدافوس– سويسرا في 22 جانفي 2026 بحضور ممثلين عن حوالي 21 دولة. كما جرى تشكيل لجنتين فرعيّتين وهما المجلس التنفيذي التأسيسي بقيادة نيكولاي ملادينوف والمجلس التنفيذي لغزة برئاسة علي شعث. كما عقد الاجتماع الأول للمجلس بواشنطن في 19 فيفري 2026 بمشاركة ممثلين عن أكثر من 40 دولة. وقد بدأ المجلس إشرافه على تنفيذ خطة ترامب التي قدّمها منذ سبتمبر 2025 لإنهاء الحرب في غزة والتي نصّت المرحلة الأولى منها على وقف إطلاق النار وتعليق جميع العمليات العسكرية وانسحاب قوات الاحتلال خارج القطاع إلى حدود الخط المتفق عليه ونشر القوة الدوليّة في المنطقة العازلة وعلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانيّة بكميّات متوافقة مع ما ورد في اتفاق جانفي 2025 والشروع فورا في إجراءات إنسانيّة عاجلة خاصة فيما يتعلق بإعادة تأهيل المستشفيات والمخابز وإعادة تأهيل البنية التحتيّة من مياه وكهرباء وصرف صحّي تحت إشراف اللّجنة الوطنيّة لإدارة غزة التي تتسلّم مهامّها وتباشر إدارة القطاع… لكن ما حدث ويحدث على الأرض نقيض لذلك، إذ رصدت التّقارير الحقوقيّة والرسميّة تصاعدا مستمرّا في خروقات الكيان المحتل حيث تواصلت عمليات القصف والاستهداف بنحو 749 حادثة قصف مدفعي وجوّي منذ سريان اتّفاق وقف إطلاق النّار كما تمّ تسجيل 560 حادثة إطلاق نار تجاه المدنيّين و232 عمليّة نسف لمنازل ومبان سكنيّة فوصل بذلك عدد الشّهداء خلال فترة “الهدنة” 754 شهيدا وعدد المصابين إلى أكثر من 1400. وقد سجّلت الأشهر الأربع الأخيرة 1620 خرقا لبنود الاتفاق من طرف الكيان الصهيوني. كما أن تدفّق المساعدات لم يتجاوز 38% من الالتزامات المتّفق عليها بحسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة. وقد منع الصّهاينة دخول اللّجنة الوطنيّة الفلسطينيّة لإدارة قطاع غزة ما جعلها تباشر أعمالها من القاهرة. ومع ذلك، لم نرَ موقفا حقيقيّا من المجلس: لا إدانة جديّة، لا ضغط فعلي ولا آليّات مساءلة. هذا الصّمت ليس تفصيلا دبلوماسيّا بل هو الدليل الأوضح على طبيعة المجلس. فالوسيط الحقيقي لا يساوم على الحد الأدنى من الالتزامات الإنسانيّة ولا يتجاهل خرقًا واضحًا لبند أساسي في خطّته.
بل إن الأمر قد وصل بنيكولاي ملادينوف – الممثّل السّامي لمجلس السّلام – إلى مجانبة الحقيقة والإعلان عن دخول 602 شاحنة محمّلة بإمدادات أساسيّة لفائدة عائلات القطاع يوم الخميس 9 أفريل الجاري وهو ما فنّده المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان صادر له يوم الجمعة 10 أفريل متّهما فيه ملادينوف بالتّضليل ومؤكّدا أن تزييف الحقائق لا يمكنه أن يحجب حجم الكارثة وأن يعفي أيّ طرف من مسؤوليّاته القانونيّة والإنسانيّة، موجّها عددا من التساؤلات حول صمت مجلس السّلام عن خروقات الاحتلال الإسرائيلي اليوميّة للاتفاق وعن موقفه من تعهّداته العلنيّة أمام المجتمع الدّولي بإنقاذ القطاع. كما أثارت تصريحاته مؤخرا جدلا واسعا في الأوساط السياسيّة الفلسطينيّة التي اعتبرت هذه التّصريحات تنصّلا من المسؤوليّة ومشاركة في الحصار المضروب على القطاع.
أمام فشل المرحلة الأولى من الاتّفاق وتعثّر جولة محادثات القاهرة الأخيرة بشأن غزة، لم يطرح أيّ تساؤل عن الأسباب وعن المسؤول الحقيقي عن خرق الاتفاق، بل سارع ملادينوف منذ أيّام إلى تقديم ورقة مقترحات جديدة لحركة حماس تهدف إلى دمج المرحلتين الأولى والثّانية من خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، أي إلزام حكومة الكيان بتنفيذ إجراءات لم تطبّقها في المرحلة الأولى (وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، الإغاثة، إدخال الخيام ومعدّات نزع الأنقاض…) والانسحاب التّدريجيّ لجيش الكيان من القطاع مقابل نزع سلاح الفصائل الفلسطينيّة وورش التّصنيع وإنهاء الأنفاق الهجوميّة وفق جدول زمني يمتدّ من ستّة أشهر إلى سنة، مع تمكين اللّجنة الفلسطينيّة من مباشرة مهامّها بالقطاع تحت إشراف مجلس السّلام على أن لا يتجاوز ذلك مدّة سنتين يتمّ خلالهما التوصّل إلى سلطة فلسطينيّة واحدة في الضّفة والقطاع وقانون موحّد و“سلاح شرعي واحد” من ثمّة يقع تنظيم انتخابات عامّة تشارك فيها جميع الفصائل. وقد عبّرت حركة حماس عن عدم ثقتها في تنفيذ الخطّة من قبل الكيان المحتلّ ولكنّها تعهّدت بالتّفاعل مع المقترح في مدّة أقصاها أسبوعان منذ تسلّمه.
من جهتها عبّرت العشائر في غزة في تصريح صحفيّ لعضو قيادي بالتّجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينيّة بأن ملادينوف رسب في القيام بمهامه وهو بصدد لعب أدوار بعيدة كلّ البعد عن الدّور المناط به ويتولّى القيام بمهام ليست من شأنه، مشدّدا على كون سلاح المقاومة الفلسطينيّة ليس خاصّا بالفصائل ولا حكرا لها بل هو سلاح الشّعب الفلسطيني بأسره وهو بمثابة الروح بالنّسبة لشعب ترك لوحده تحت مقصلة حرب الإبادة وأنّه ما لم يتمّ إنهاء الاحتلال الوحيد المتبقّي في العالم وضمان حقّ الشّعب الفلسطيني في العيش بكرامة وأمان في ظلّ دولة فلسطينيّة مستقلّة فإن الحاضنة الشعبيّة للمقاومة لن تسمح لأيّ كان بسحب السّلاح أو المساس به.
إن هذا المقترح الأخير لا يمكن قراءته سوى في إطار الالتفاف على الفشل ونقل النّقاش من الالتزام إلى التكيّف ومن المحاسبة إلى التّبرير ودفع الفلسطينيّين إلى التخلّي عن توقهم إلى إدارة شؤونهم بحريّة والقبول بإدارة واقع مفروض عليهم. كما أنّه يكرّس منطقا واحدا ألا وهو تمرير ما يمكن تمريره بغضّ النّظر عن الكلفة الإنسانيّة التي دفعها ولا يزال يدفعها الغزّاويّون.
مجلس السّلام ليس استثناء. فمنذ صلح وستفاليا، لم يُبن النظام الدولي على العدالة بقدر ما تأسّس على منطق موازين القوى. الأقوى يحدّد شروط “السّلام” والأضعف يُطلب منه التكيّف.
ومع إنشاء الأمم المتّحدة بعد الحرب العالميّة الثّانية، تمّ التّسويق إلى كون العالم يتّجه نحو نظام قانونيّ أكثر إنصافا. لكنّ التّجربة سرعان ما أثبتت أنّ القانون نفسه ظلّ خاضعا لإرادة القوى الكبرى، لا العكس. وليس ما يحدث في غزة سوى امتداد لهذا المسار. ففي اتّفاقية كامب ديفيد، جاء السّلام ضمن شروط تعكس توازنات القوّة في تلك اللّحظة، وفي اتّفاقيّة أوسلو تمّ تأجيل القضايا الجوهريّة لصالح ترتيبات مؤقّتة… وغيرها من المحطات التي تقودنا إلى استنتاج واحد: السّلام ليس غاية مستقلّة ولا قيمة ثابتة في ظل هذا النّظام العالميّ الجديد، بل تحوّل إلى أداة لتنظيم موازين القوى بما يصبّ في صالح كبريات الدّول.
في هذا السّياق يصبح “مجلس السّلام في غزة” حلقة جديدة في سلسلة قديمة: خرق دون مساءلة، التزامات دون تنفيذ، وتعديلات في الخطّة دون محاسبة… كلّها مؤشّرات لا على فشل المجلس فحسب، بل على طبيعة الدّور الذي يؤدّيه. فما يقدّم كوساطة ليس سوى إدارة للصّراع ضمن حدود مريحة للأقوى. وما يُسمّى “سلاما” ليس إلاّ إعادة ترتيب للأزمة بشكل أقلّ كلفة سياسيّة لا أكثر عدالة، وما خطّة ترامب لإنهاء الحرب في غزّة سوى مقاربة أمنيّة – سياسيّة تهدف إلى تحقيق التّحالف الصّهيو–أمريكي ما لم يستطع تحقيقه ميدانيّا بالنّظر إلى استبسال المقاومة. إنّ ما يُسمّى بـ “مجلس السّلام” – أو أي صيغة دوليّة مشابهة – ليس في الحقيقة سوى غطاء ناعم لشرعنة الوقائع التي تُفرض بالقوّة. والتّاريخ القريب يعلّمنا أنّ هذه الأطر، بدل أن تكون أدوات ردع تتحوّل غالبا إلى منصّات لإدارة الصّراع لا حلّه، وإلى آليات لتبريد الغضب العالمي ريثما تُستكمل عمليّات القضم الممنهج للأرض والحقوق. تُطرح المبادرات، تُعقد المؤتمرات، تصدر البيانات، لكن على الأرض تستمرّ الجرّافات ويتواصل الحصار ويُدفن الضّحايا تحت الرّكام.
في المقابل، لا يخفي الخطاب السّياسي الإسرائيلي – خصوصا في صيغته اليمينيّة الأكثر تطرفا – نواياه الحقيقيّة: تصفية القضيّة الفلسطينيّة عبر تقطيع أوصالها جغرافيّا وسياسيّا. وإذا كان ضمّ الضّفّة الغربيّة قد طُرح مرارا كخيار استراتيجي، فإنّ غزة اليوم تُعاد صياغتها في هذا السّياق: إمّا ككيان منزوع السّيادة خاضع بالكامل للهيمنة أو كعبء يتمّ التّخلّص منه ديمغرافيّا عبر التّهجير أو الإبادة البطيئة وسياسيّا عبر مخطّط الضّم.
هنا يجد الفلسطينيّون أنفسهم بين مطرقة ضغط عسكريّ وحصار خانق يهدف إلى كسر إرادة السّكان وتحويل الحياة إلى جحيم يوميّ وإغراق القطاع في كارثة إنسانيّة ما فتئت تتعاظم بمرور الوقت وبين سندان مسارات “سلام” شكليّة تُفرغ النّضال من مضمونه وتعيد تعريف الحقوق كقضايا إنسانيّة قابلة للتّفاوض، لا كحقوق سياسيّة أساسيّة غير قابلة للتّصرف. في هذا التّلاقي تصبح غزة عالقة بين آلة الحرب ومنطق التّسويات المجحفة.
لكن ما يغيب عن كثير من التّحليلات الرّسميّة وغير الرّسميّة هو أنّ غزة، رغم كلّ شيء، لم تتحوّل إلى مساحة خضوع. على العكس، فقد أثبتت أنّها قادرة على إعادة إنتاج أشكال متعدّدة من الصّمود، ليس فقط عسكريّا، بل اجتماعيّا وثقافيّا أيضا. فالمجتمع الغزّي الذي يُراد له أن يُختزل في صورة الضّحيّة، يواصل إنتاج الحياة في قلب الموت ويعيد تعريف المقاومة كفعل يوميّ يتجاوز البندقيّة ليشمل البقاء ذاته.
إنّ الرّهان الحقيقي اليوم لا يكمن في انتظار مخرجات “مجالس السلام“، بل في إعادة الاعتبار لميزان القوى الشّعبي عربيّا ودوليّا الذي شهد تراجعا بعد أن عرفت حركة الإسناد هبّة غير مسبوقة بالموازاة مع جرائم الإبادة التي اقترفها الكيان الصّهيوني في القطاع. لعلّ رياء خطّة ترامب قد لعب دورا هامّا في تراجع حركات الإسناد بالإضافة إلى ما تعرفه المنطقة من حروب ونزاعات جعلت الاهتمامات تتشتّت والتّركيز على القضيّة الفلسطينيّة وعلى الأوضاع في قطاع غزة يتراجع بشكل كبير.
فكلّ تجارب التّحرّر عبر التّاريخ أكّدت أن الحقوق لا تمنح من فوق، بل تنتزع من خلال نضالات طويلة ومعقّدة. وغزة، بما تمثّله من كثافة رمزيّة وسياسيّة، قد تكون مرّة أخرى الشّرارة التي تعيد طرح السّؤال الجوهريّ: أي نظام عالميّ هذا الذي يسمح بإبادة شعب تحت مسمّى الدّفاع عن النّفس أو أيّ مسمّى آخر؟ كيف يمكن لهذا النّظام العالميّ الذي يقوم على القوّة أن ينتج سلاما محايدا أصلا؟
في النّهاية، ليست القضيّة فقط في قرار ضمّ أو مبادرة سلام… بل في البنية التي تنتج الاثنين معا. بنية ترى في الفلسطينيّ فائضا بشريّا وفي أرضه موردا استراتيجيّا وفي مقاومته تهديدا يجب احتواؤه أو سحقه. وبين هذا وذاك، تبقى غزة عنوانا مكثّفا لصراع لم يُحسم، ولن يُحسم طالما بقيت جذوره قائمة: الاستعمار والهيمنة وغياب العدالة.
غزة ليست بين فكّي كمّاشة فقط، إنّها أيضا بين زمنين: زمن يُراد له أن ينتهي بالاستسلام، وزمن آخر يُكتب الآن بالدّم والصّمود، عنوانه أنّ الشّعوب مهما طال الحصار والظّلم والانحياز، قادرة على كسر المعادلات المفروضة عليها وعلى قلب موازين القوى وإسقاط حسابات أعتى الأنظمة في الوحل.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *