عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة المغربي عبد الغني حيدان لـ(عرب جورنال): صمود محور المقاومة أفشلَ مخططات التقسيم والبلقنة والتقارب الصيني الإسباني يكشف عن تصدع المعسكر الغربي
عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة المغربي عبد الغني حيدان لـ(عرب جورنال): صمود محور المقاومة أفشلَ مخططات التقسيم والبلقنة والتقارب الصيني الإسباني يكشف عن تصدع المعسكر الغربي
في حوار استثنائي جديد، تستضيف "عرب جورنال" عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة الديمقراطي المغربي، عبد الغني حيدان، لمناقشة تطورات المشهد في إيران بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، في ظل صمود الجمهورية الإسلامية وتمسكها بشروطها الوطنية، في مقابل عجز أمريكي عن حسم الملف في ميدان المواجهة المباشرة وعلى طاولة المفاوضات. كما يناقش الحوار الانعكاسات الاستراتيجية للمشاركة الفعالة لجبهات محور المقاومة في المعركة الأخيرة في إطار معادلة "وحدة الساحات"، والتي أفشلت محاولات العدو الاستفراد بالجبهات والملفات كلاً على حدة. ويتطرق الحوار إلى موقع العرب اليوم مما يجري من أحداث خطيرة ومصيرية في المنطقة، في وقت تقع فيه كل الأمة العربية والإسلامية في قلب المخطط الصهيوني الأمريكي. كما يسلط الحوار الضوء على تداعيات التهديدات الأمريكية التي تحيط بالتعددية الدولية، خصوصاً في عهد إدارة دونالد ترامب التي طالت سياساتها مصالح الحلفاء والخصوم معاً، وأثرها في عزل واشنطن عن محيطها الدولي، في ظل توجه الكثير من الدول والقوى لتعزيز العلاقات مع قوى الشرق وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران على حساب الشريك الأمريكي المتهالك.
عرب جورنال / حوار / حلمي الكمالي
فشل المخططات الصهيو-أمريكية الرامية لإسقاط النظام الإيراني وتدمير البرنامج النووي أمام صمود الشعب الإيراني ويقظة الدولة الاستراتيجية في مواجهة العدوان.
صمود الجمهورية الإسلامية في إيران يفرض معادلات ردع جديدة ويؤكد تفوق المفاوض الإيراني وقوته بعد رفض الشروط الأمريكية وإجبار واشنطن على التراجع.
محور المقاومة في اليمن وإيران والعراق ولبنان وفلسطين يجسد مرحلة التحرر الوطني من التبعية ويتحول إلى قطب فاعل يتحكم في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
وحدة الساحات هي السبيل الوحيد لإسقاط الإمبريالية الصهيونية وجسارة المقاومة الوطنية حالت دون تنفيذ مخططات "برنارد لويس" الرامية لتقسيم وتفتيت الدول العربية والإسلامية إلى كيانات طائفية وعرقية متناحرة.
العدو يستغل التبعية الاقتصادية وضعف الوعي الجمعي للشعوب العربية والإسلامية لتغذية الصراعات المذهبية بهدف تفتيت دول المنطقة وضرب سيادتها عبر التضليل الإعلامي الصهيو-أمريكي الممنهج.
التحالف الصهيو-أمريكي يسعى لضرب التقارب الإيراني العربي ومنع بناء شراكات اقتصادية إقليمية قوية تنهي الهيمنة الإمبريالية الغربية على مقدرات شعوب المنطقة.
السياسة الأمريكية القائمة على الفجاجة والاستعلاء والغطرسة باتت تشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين وعائقاً أمام حكامة القانون الدولي في العالم أجمع.
إخفاق الإدارة الأمريكية عسكرياً في تحقيق مآربها بإيران دفعها لاستخدام وسائل الضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي لتعويض هزائمها الميدانية المتلاحقة في المنطقة.
التقارب الصيني الإسباني يكشف عن تصدع في المعسكر الغربي وبداية سقوط الأحادية القطبية لصالح عالم متعدد الأقطاب يرفض الهيمنة الأمريكية المتوحشة.
حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي يدين العدوان البربري على سيادة إيران ويؤكد أن المقاومة هي السبيل الوحيد لإسقاط المشروع الإمبريالي الصهيوني التدميري.
لا بديل عن بناء نهضة الذات الوطنية لشعوب الشرق الأدنى وشمال أفريقيا لضمان السلم والأمن الدوليين بعيداً عن غطرسة وعجرفة السياسة الأمريكية المتسلطة.
_ ما تعليقكم على تطورات المشهد في إيران في ظل صمود الجمهورية الإسلامية على مبادئها وشروطها أمام التهديدات والضغوط الأمريكية الغربية؟ وهل تعتقدون أن طهران تفاوض اليوم من موقع القوة بعد رفضها جملة الشروط الأمريكية وإجبار واشنطن على تمديد وقف إطلاق النار رغم فشل الأخيرة في تحقيق الأهداف الرئيسية المعلنة للحرب العدوانية وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني وتدمير البرنامج النووي والصاروخي؟ وماذا يعني صمود إيران اليوم في نطاق معادلات الردع وتوازنات القوى على الساحة الإقليمية والدولية؟
بدايةً أحييكم الأستاذ الفاضل حلمي الكمالي، تحية تقدير وود، على عملكم الصحفي والثقافي في سبيل إثراء الساحات الوطنية نصرةً للقضايا العادلة للشعوب ودولها الوطنية، بجديد المعطيات الحارقة، والقضايا الشائكة وتحليلها ونقدها بما يفيد المتتبع والمختص على السواء، في القبض على مستلزمات عواملها ونتائجها، بل وتداعياتها، كما أتوجه من خلالكم إلى صحيفة "عرب جورنال" بالشكر الجزيل على ما تبذله من قصارى جهدها الإعلامي والثقافي والسياسي من أجل إنارة الرأي العام العربي وتسليط الضوء على خلفيات ومقاصد الأحداث والقضايا الراهنة المعقدة والمتشابكة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصاً ما شهدته البلاد العربية وبلاد إيران من عدوان همجي على شعوبها ومن اعتداءات سافرة على سيادة دولها الوطنية وحدودها السيادية والجغرافية، سواء بمختلف أنواع الأسلحة العسكرية أو بوسائل الضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي من طرف الفاشية الجديدة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية العنصرية.
فيما يتعلق بسؤالكم الأول، نرى أن العدوان البربري على شعب إيران والاعتداءات السافرة عن سبق إصرار وترصد على سيادة دولة إيران كان مخططاً له منذ سنوات، بمعنى أنه مخطط قديم بثوب جديد وبوسائل سياسية وعسكرية جديدة. والإدارة الأمريكية لها مصالح استراتيجية في منطقة الشرق الأدنى والشرق الأقصى تعض عليها بالنواجذ، تارةً بالانتهاكات العسكرية والاعتداءات السافرة وبالتخريب والقتل والدمار، وتارةً بوسائل سياسية ضاغطة ودبلوماسية مناورة، وكلما أخفقت في إحداها لجأت للأخرى.
هذه المرة يتبين أن الإدارة الأمريكية أخفقت عسكرياً في تحقيق مآربها السياسية والاقتصادية التكتيكية والاستراتيجية، ورغم ما خلفه العدوان من اغتيالات ودمار في البنى التحتية لعدد من المرافق الحيوية في إيران، إلا أن صمود وبسالة الشعب الإيراني ويقظة الدولة الإيرانية السياسية والاستراتيجية حالت دون تحقيق أهداف الصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية.
وما المفاوضات التي جرت بين الدولة الإيرانية والإدارة الأمريكية رغم التهديدات المتكررة لهذه الأخيرة، بعد رفض المفاوض الإيراني جملة من الشروط الأمريكية، إلا دليل على النصر التكتيكي العسكري والدبلوماسي للدولة الإيرانية في التعاطي مع مجريات الوقائع المخطط لها سلفاً من قبل التحالف الصهيو-أمريكي.
هذا المخطط الخطير يستند أولاً إلى القضاء على البرنامج النووي للدولة الإيرانية، وإقبار أي نهضة علمية وثقافية واقتصادية وتكنولوجية للشعب الإيراني ولشعوب المنطقة.
ثانياً: دق إسفين النزاعات المذهبية الدينية والإثنية والعرقية واللغوية بين مكونات شعوب المنطقة في بلاد إيران والبلدان العربية.
ثالثاً:التركيز على تحطيم الدولة الإيرانية وإسقاط كل مقومات الوحدة الوطنية للشعب الإيراني وتفتيتها إلى كيانات متناحرة على الهوية بمختلف ركائزها وعناصرها.
رابعاً: قطع الطريق على أي تعاون استراتيجي عسكري ومدني وتكنولوجي بين إيران والصين وروسيا، ونسف جهود الصين في ترسيم طريق الحرير واقعاً عبر إيران إلى مناطق أخرى من العالم. خامساً: الحرص ليل نهار بقوة السلاح ونيران الإعلام الصهيو-أمريكي والمخابراتي على ضرب أي تقارب إيراني عربي في المهد، والمقصود به التقارب المذهبي والثقافي والاقتصادي وفي مجال البحث العلمي التكنولوجي والعسكري.
سادساً: الحيلولة دون التمكين من بناء الشراكات بمنطق (رابح - رابح)، وبناء أسواق اقتصادية إقليمية للتبادل الطاقي والبضائعي والمالي والغازي والبتروكيماوي بين البلدان العربية وإيران.
لهذا حرص التحالف الصهيو-أمريكي على محاولة إسقاط الدولة الإيرانية ليأتي الدور على بقية الدول العربية، وبذلك يتم "تشتيت السبحة" على قاعدة الفوضى الخلاقة والتبعية الكاملة لدوائر النفوذ الإمبريالي الغربي في المنطقة، ولا مجال آنذاك للصين وحليفتها روسيا في ضمان نشاطهما الاقتصادي والمالي، والحيلولة دون ترتيب أولوياتهما الجيو-استراتيجية في تعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي؛ طبعاً هذا هو طموح الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.
_ بعد مشاركة جبهات محور المقاومة في اليمن ولبنان والعراق إلى جانب إيران في المعركة الأخيرة.. هل تعتقدون أن هذه المشاركة قد جسدت معنى تكامل الأدوار الوطنية بين جبهات المحور ليحوّل جبهات المقاومة من أدوات إسناد إلى أقطاب فاعلة تتحكم في الجغرافيا السياسية وترسم ملامح "شرق أوسط" جديد بعيداً عن الإملاءات والهيمنة الغربية؟ كيف ذلك؟ وما تأثيرات وحدة الساحات على مستقبل المشاريع الصهيو-أمريكية التي تستهدف كل شعوب ودول الأمة العربية والإسلامية من المحيط إلى الخليج بشكل عام؟
فيما يتعلق بجبهات محور المقاومة الوطنية في كل من لبنان واليمن وفلسطين، فهي تجسيد لمرحلة التحرر الوطني من الاستعمار والتبعية المقيتة ومن الأيديولوجية الصهيونية المبنية على الفصل العنصري والفاشية المتجددة، وهي تعبير حي قولا وفعلاً على التصدي الكفاحي لانتهاكات سيادة الدول الوطنية والمواجهة الميدانية لأي مساس بوحدتها الترابية والحدودية.
فكان طبيعياً أن يكون محور المقاومة مشاركاً في الدفاع عن بلد انتهكت سيادته تحت مرأى ومسمع المنتظم الدولي دون تحريك هذا الأخير لمساطر وإجراءات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. فالفعل الوطني المقاوم للمقاومة الوطنية في لبنان واليمن وفلسطين، والمقاومة الشعبية من خلال هباتها الجماهيرية الدائمة نصرة للقضية الفلسطينية وقضايا التحرر الوطني ضد مكائد ومخططات الاستعمار الجديد عدو الحضارتين العريقتين العربية والإيرانية، كانت حاضرة بقوة في جميع الاتجاهات.
_ أين من المفترض أن يكون العرب اليوم بعد كل ما حدث ويحدث في المنطقة في ظل العربدة الصهيونية والغطرسة الأمريكية التي تجاوزت كل الحدود؟ ولماذا على الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية أن تتخذ اليوم مواقف جادة في وجه هذه العربدة وهذه الغطرسة، وأن تلتف حول المقاومة وأن لا تكون جزءاً من حروب الغرب التي لا تهدف لشيء سوى كسر الأمة وإذلالها وتطويعها خدمة للأجندات الإسرائيلية والأمريكية على حساب دماء شعوبها ووجودها؟ وأي نصائح توجهونها للدول والشعوب في هذا السياق، في ظل إصرار بعض الأنظمة على مواصلة الخنوع للهيمنة الأمريكية الصهيونية تحت عناوين مختلفة وعلى رأسها التطبيع؟
إننا في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، من خلال بياناتنا للرأي العام الوطني المغربي، قد عبرنا عن إدانتنا واستنكارنا الشديدين للعدوان البربري والهمجي الصهيو-أمريكي على السيادة الوطنية لدولة إيران وشعبها وبلدها، مع شجب حزبنا لكل الانتهاكات الجسيمة والمتمثلة في سلسلة الاغتيالات لرموز الدولة الإيرانية وتصفية العلماء والمفكرين وما صاحب ذلك من تدمير للبنى التحتية وقتل للمواطنين. هذا التقتيل الممنهج اعتبره حزبنا استمراراً لسلسلة حلقات الترهيب والقتل المباشر والمستمر دون حسيب ولا رقيب، في كل من فلسطين الأبية ولبنان المقاوم واليمن السعيد.
ويتضح يوماً بعد يوم أن المقاومة الشعبية في بلداننا العربية ومحور المقاومة الوطنية المؤمنة بالوطن والأرض والحرية والاستقلال، وما أنجزته على الأرض من روح عالية وجسارة مثالية، حالت دون تنفيذ مخططات التقسيم والبلقنة للوطن العربي من المحيط إلى الخليج وبلاد إيران وكل المنطقة الملتهبة، وحالت دون تحقق أحلام "برنارد لويس" وتبني "كوندوليزا رايس" لهذا الحلم اللقيط بتشكل "شرق أوسط كبير" بقيادة الكيان الإسرائيلي بتفوق عسكري وتحكم مفرط في النسيج الاجتماعي والاقتصادي لبلدان وشعوب المنطقة على قاعدة برنامج صهيوني مدمر للدول والشعوب في الوطن العربي وإيران وتركيا وباكستان، وتصييرها وفق المخطط الأمريكي والصهيوني كيانات صغيرة منغلقة ومفتتة ومستجيبة بما يخدم مصلحة هذا المخطط العدواني، ولما يهدف إليه من حماية قصوى للمصالح الحيوية الأمريكية والصهيونية في المنطقة برمتها.
إن العربدة الصهيونية والغطرسة الأمريكية حمي وطيسها سياسياً وعسكرياً في البلدان العربية والإسلامية لأسباب موضوعية وذاتية استغلها التحالف الصهيو-أمريكي للانقضاض على مقدرات وخيرات شعوبها ورجاء جعلها "شِرعة" بينهما بمقتضى القوة الغاشمة والنفوذ المالي والعسكري.
كما تم استغلال ضعف الوعي الجمعي للشعوب وبعض الأنظمة في المنطقة بمخاطر أهداف العدوان على سيادة إيران ولبنان وفلسطين والعراق واليمن، دون إدراك عليم لمحاولات تفتيت الدول ووحدة شعوبها، وبالتالي انزلقت إلى مهاوي الصراعات المذهبية المفتعلة (سنة وشيعة) والصراعات على أساس لغوي وإثني وطائفي غذتها وسائل الإعلام الصهيو-أمريكية بالدعاية والتوظيف الأيديولوجي للدين الإسلامي الحنيف، إضافة للواقع الاقتصادي الذي ما زال يئن تحت ضربات التبعية والتحكم في مصيره والخضوع لشروط الأبناك والمؤسسات المالية الغربية في عدد من البلدان العربية والإسلامية، وكذا الحصار الاقتصادي المفروض على شعب ودولة إيران؛ وذلك لجعل شعوب المنطقة أكثر بؤساً وغربة اجتماعياً وثقافياً وأكثر انفصاماً في شخصها وشخصيتها السياسية.
إلا أن وجدان الشعوب المفعم بالحرية والتحرر يأبى القيود الظالمة، وكثيراً ما أطلقت الشعوب العربية صرختها المدوية نصرة للقضية الفلسطينية في أكثر من بلد عربي وبالخصوص المغرب واليمن من خلال المسيرات المليونية والهبات الجماهيرية المستمرة. وما شكلته المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية من مدى تحرري بالدم والقلم، بالصوت والصورة، بالشموخ والفداء في سبيل نهضة الأوطان وشعوبها ودفاعاً عن سيادة البلد (ووالدٍ وما ولد).
فالعدوان الصهيو-أمريكي على سيادة إيران وشعبها قد كشف بالملموس زيف الادعاءات والشعارات حول الديمقراطية الموعودة، فلم تكن سوى ذلك السلاح الفتاك الاستعماري الصهيوني الذي أتى على البلاد والعباد، وما رافقه من سياسة عنصرية ظالمة ومتوحشة من إصدار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
لكن تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن وحدة المقاومة الوطنية بمختلف مكوناتها وتعدد مشاربها السياسية في الوطن العربي والإسلامي ووحدة ساحاتها هي السبيل الوحيد والأوحد لإسقاط المشروع الإمبريالي الصهيوني المستهدف لكيانات الشعوب وسيادة الدول والأوطان في المنطقة برمتها، وعلى أساس تحرر الشعوب من التبعية للاستعمار الجديد وعوائقها المكلفة.
_ مؤخراً تعهدت إسبانيا والصين بتعزيز العلاقات الاستراتيجية بينهما لمواجهة ما وصفتاه بـ "تداعي النظام الدولي"، وسط تحركات أوروبية لتصحيح العلاقة مع بكين وتوطيدها.. هل يمكن القول بأن كل ما يجري يندرج في إطار التقارب الأوروبي الصيني وسط مؤشرات بقرب سقوط الأحادية القطبية؟ وهل هذا التقارب يأتي كردة فعل طبيعية في ظل التهديدات الأمريكية التي تحيط بالتعددية الدولية خصوصاً في عهد إدارة دونالد ترامب التي طالت سياساتها مصالح الحلفاء قبل الخصوم؟ وهل تعتقدون أن هذا التقارب سيؤدي بشكل أو بآخر إلى فرض عزلة دولية على الولايات المتحدة في ظل نفور الجميع منها، وبالتالي تقليص تأثيرها الاستراتيجي على القضايا والملفات الساخنة حول العالم؟ وكيف أصبح العالم اليوم، حلفاء وخصوماً، ينظر للسياسة الأمريكية القائمة على أسلوب الفجاجة والاستعلاء والغطرسة كخطر على الأمن والاستقرار الدوليين؟
من خلال ما جرى ويجري من تحولات ومتغيرات وطنية وإقليمية ودولية، ينذر الأمر بانقلاب وشيك في معادلات الصراع الدولي، والتي لطالما حاول التحالف الصهيو-أمريكي من خلال حربه على إيران والبلاد العربية تقزيم النفوذ الصيني الاقتصادي في بناء علاقات استراتيجية مع عدد من الدول والبلدان في أغلب القارات، والحيلولة دون تشكل عالم متعدد الأقطاب.
أما التقارب الصيني الإسباني فقد كشف عن التناقض الثانوي بين أوروبا الإمبريالية الماكرة وأمريكا الإمبريالية "المصاصة للدماء"، حيث بدأت أوروبا تفقد هيمنتها على مقدرات وخيرات الشعوب والدول وبالخصوص البلدان العربية والإسلامية، ولا زالت العملة الأوروبية (اليورو) لم تقو على مجاراة الدولار الأمريكي، وبالتالي تضررت قطاعات مهمة اقتصادية وخدماتية في أوروبا، مما أثر على نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والعسكري.
وإسبانيا واحدة من المتضررين في هذا الصدد، فكان خيار هذه الأخيرة هو الاعتماد على تعدد الشركاء، وتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الصين بما لها من مقومات الصمود والاستمرارية والنجاعة، مما جعل عدداً من بلدان أوروبا أكثر ثقة في تعاملات الصين التجارية والاقتصادية.
وهذا يعني اكتمال حلقات الأزمة الأيديولوجية للإمبريالية الأمريكية ومخاطر مآزقها السياسية والإعلامية، مما يجعلها عدوةً من طرف شعوب العالم بما فيها الشعب الأمريكي الذي أضحى يعي أكثر من أي وقت مضى زيف شعارات تصدير الديمقراطية، وما شكلته فجاجة وغطرسة السياسة الأمريكية من تدنٍ في السلوك والأخلاق السياسية والقيم الدبلوماسية، وكيف لا وهي من أفتى بالقتل والدمار وانتهاك سيادة الدول والشعوب وأصبحت تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وعائقاً أمام حكامة القانون الدولي وعقلانية المنتظم الدولي التي أضحت مكبلة باستعلاء وعجرفة وغلظة السياسة الأمريكية.
لامحالة سيحدث تغيير شامل لا يستقيم إلا على بناء نهضة الذات؛ ذات الشعوب العربية والإيرانية وكل شعوب الشرق الأدنى والأقصى وشمال أفريقيا، بكل قواها الوطنية الحية ودولها الوطنية التي تبدو اليوم أنها أكثر تماسكاً وتغيراً في نظراتها المستقبلية لمخاطر التقسيم والبلقنة المحدقة بالأوطان والدول والشعوب.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق