الدستور المطبق وغير المكتوب على ضوء آخر التسريبات التي لم يكذبها أحد.عبدالرحمان غندور
الدستور المطبق وغير المكتوب على ضوء آخر التسريبات التي لم يكذبها أحد.عبدالرحمان غندور
أهلاً بكم في عالم " مواقع التدبير والمسؤولية " في مملكتنا السعيدة جدا، حيث الضمير هو وعكة صحية يجب أن تُعالج بجرعات مكثفة من " المورفين " و" أقراص النوم " ذات المفعول القوي، وحيث الأمانة عبارة عن "فيروس" يصيب المسؤول فيسخر منه حتى حارس الباب.
إن الدستور الخفي وغير المكتوب الذي تدار به مواقع المسؤولية عندنا في ردهات مكاتبنا الفخمة، هو بالواضح غير المكشوف، دعوة للنهب والسرقة والاثراء بكل الطرق غير الشريفة، بل هو "فلسفة علمية" تعيد تعريف الذكاء البشري؛ فالمسؤول "الذكي" في هذه الفلسفة هو ذلك الكائن الذي يحول منصبه إلى مغارة علي بابا قبل أن يداهمه "غضب" الإعفاء أو شبح التقاعد، أما ذلك المسكين الذي يتحدث عن "نظافة اليد"، فهو في نظر الجميع ليس بطلاً، بل هو مجرد كائن بدائي بليد لم يستوعب بعد أن "المسؤولية" في المغرب هي "همزة" وليست "أمانة".
تأملوا معي هذا المشهد السريالي: يجلس المسؤول "الأمين" في بيته بعد سنوات من الخدمة، يصارع فاتورة الماء والكهرباء وضرورات العيش اليومي، ويتحرك بسيارته المتهالكة، بينما يمر أمامه زميله "الفاسد" بسيارة رباعية الدفع، فيهز الناس رؤوسهم قائلين: "مسكين، كان نية، ضيع راسو".
هنا تتحول الرشوة إلى "شطارة"، والاختلاس إلى "تأمين مستقبلي"، وتصبح المصلحة العامة مجرد بقرة حلوب يُعاب على من لم يحلبها حتى الدم. إننا أمام نظام تربوي إداري يلقنك أن "الضمير" هو عدوك الأول، وأنه مجرد ثقب في الجيب سيهوي بك إلى قاع الفقر، فالمهم ليس ما قدمته للوطن، بل ما "قشرته" من أموال الوطن.
والمضحك المبكي في الأمر، أن "ربط المسؤولية بالمحاسبة" المنصوص عليه في الدستور أصبح عندنا نوعا من science fiction أو الخرافات والأساطير التي تحكى للأطفال كي يناموا، مثل "عيشة قنديشة والغول والعنقاء"، نسمع به في الخطابات الرسمية ولا نراه في المحاكم إلا لذر الرماد في العيون، أو لتصفية حسابات مع "من غضبنا عليهم". فالمسؤول يدرك تماماً أن "صلاحيته" قد تنتهي في أي لحظة، لذا وجب عليه "تخزين" ما يكفي من السعرات المالية في حساباته البنكية، لأن المجتمع نفسه لن يرحمه إذا خرج فقيراً؛ سيقولون عنه "كان في فم المنبع ومات بالعطش"، وهو وصف لا يليق بـ "سبع" من سباع الإدارة.
وهكذا، تظل الأمانة تهمة، والنزاهة نوعاً من "البلادة" المزمنة، ويستمر المفسدون في بناء ثرواتهم على أنقاض أحلام هذا الوطن، وهم يوزعون الابتسامات والوعود، واثقين تماماً بأن "الغباء" الحقيقي هو أن تخرج من المولد بلا "حمص" وبلا "عقارات وممتلكات" وبلا "حساب في سويسرا".
النزاهة والأمانة والضمير الحي عربون وباء الغباء والبلادة. والنهب والارتشاء عربون شطارة وذكاء وفهلوة. فالقاعدة هي الفساد وما عداها استثناء وشذوذ، والشاذ لا يقاس عليه، والاستثناء يبرر القاعدة ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق