هل آن الأوان لتجاوز الإحتجاج و العفوية و الحرفية نحو السياسة؟محمد السفريوي
هل آن الأوان لتجاوز الإحتجاج و العفوية و الحرفية نحو السياسة؟محمد السفريوي
يضع فلاديمير لينين في الفصل الثاني من كتاب " ما العمل ، تمييزا دقيقا بين الاحتجاج والسياسة. الاحتجاج، كما يفهمه، هو التعبير العفوي عن السخط؛ أي رد فعل أولي على ظلم ملموس. إنه لحظة الإعلان عن الاحتجاج، لكنه لا يرقى إلى مستوى مشروع التغيير شامل. أما السياسة، فهي القدرة على ربط هذه الاحتجاج ببنية و طبيعة سلطة القائمة، و إعادة صياغته في برنامج، وتنظيم، وتكتيك ، واستراتيجية .
الاحتجاج يندلع حين تتراكم المظالم؛ أما السياسة تبدأ حين نشتغل على تنظيمها في أفق واضح. الاحتجاج يطالب بتصحيح جزئي أو إدانة وقائع ؛بينما السياسة تسائل النسق القائم ككل. ومن دون هذا الانتقال، تظل الحركة سجينة دورات الغضب والانطفاء.
هذا التمييز الذي أخبرنا به لينين ، يضعنا اليوم أمام سؤال صريح داخل واقع اليسار المغربي. لماذا صار الاحتجاج يحتل المساحة الأوسع في ممارسته ؟ وقفات، مسيرات، بيانات تنديد، حملات تضامن. سعي دائم لحضور في الشارع، دون أن يرافقه إنتاج فكري وتنظيمي يراكم المعنى. يسار يسعى سعيا حثيثا للإحتجاج كلما سنحت الفرصة، لكن اشتغاله على الرابط النظري والسياسي و تنظيمي بين كل احتجاج يظل ضعيفا. يتحرك اليسار بسرعة مع كل حدث، غير أن السؤال الاستراتيجي حول البديل، وحول طبيعة الدولة، وحول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، يبقى مؤجلا أو عاما او مجرد شعارات عامة.
هنا تصبح المؤتمرات والمحطات التنظيمية و الأجهزة القيادية مطالَبة بأكثر من تدبير عملية تجديد القيادات أو تعديل القوانين الداخلية. المطلوب أن تتحول هذه المحطات إلى ورشات لإنتاج أوراق دقيقة، وبرامج مفصلة، ومشاريع قطاعية واضحة في التعليم، والصحة، والشغل، والعدالة الضريبية، والحريات. على اليسار أن يدرك أنه عليه أن يمارس السياسة و يعيد إنتاجها . عبر إدراك أن الأدبيات ليست ترفا نظريا، بل شرط لتحويل الاحتجاج إلى سياسة. من دون وثائق مؤطرة، وتحليل ملموس للواقع الملموس، يبقى الخطاب أسير الشعارات العامة. و حبيس مقرات ....
السياسة التي تناساها يسارنا ، في معناها العميق هي بناء مشروع لما نعتبره عموم الكادحين: العمال، وصغار الفلاحين، والمستخدمين، والمعطلين، وكل الفئات التي تدفع ثمن الاختيارات السائدة. وهذا المشروع لا يستخلص تلقائيا من الشارع،و لا ينتج في دوائر ضيقة و لا بلغة التنابز و إطلاق التهم و التوصيفات على كل من يعترض أو يخالف. بل يصاغ في نقاش منظم، علني متاح للعموم ويختبر في الممارسة، ويطوّر عبر النقاش الشفاف و المفتوح.
الفرق إذن ليس بين النزول إلى الشارع أو عدمه، بل بين احتجاج ينفس عن الغضب، وسياسة تبني أفقا. وإذا كان الاحتجاج ضرورة أخلاقية، فإن السياسة ضرورة تاريخية. والمؤتمرات المقبلة مدعوة لأن تكون لحظة انتقال من الأولى إلى الثانية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق