الإمبريالية المعاصرة: حين تتحول الدولة إلى آلة اغتيال عالمية-فؤاد الخمليشي
الإمبريالية المعاصرة: حين تتحول الدولة إلى آلة اغتيال عالمية-فؤاد الخمليشي
لم يعد ممكنًا فهم السياسة الدولية من خلال اللغة الرسمية التي تتحدث عن “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان” و“حماية الأمن العالمي”. فخلف هذه العبارات الناعمة تعمل منظومة عنف هائلة، تقودها الإمبريالية الأميركية بوصفها مركزًا للهيمنة الرأسمالية العالمية، لا باعتبارها “دولة طبيعية” تدير خلافاتها بالقانون، وإنما باعتبارها قوة مستعدة لتدمير شعوب كاملة من أجل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.
المسألة هنا ليست أخطاء معزولة ارتكبها بعض الرؤساء أو الجنرالات، وإنما بنية متكاملة. فحين ندرس تاريخ التدخلات الأميركية خلال العقود الأخيرة، نكتشف نمطًا ثابتًا: كل دولة تحاول الخروج من منطق التبعية، أو تهدد مصالح الشركات الكبرى، أو ترفض الخضوع للهيمنة العسكرية والمالية الغربية، تصبح هدفًا للحصار أو الانقلاب أو الحرب أو الاغتيال.
لذلك لا يمكن فهم الحروب الأميركية خارج حاجة الرأسمالية الاحتكارية إلى السيطرة على النفط، والممرات التجارية، والأسواق، والمواد الأولية، ومواقع النفوذ الجيوسياسي.
وحين غزت الولايات المتحدة العراق سنة 2003، قيل للعالم إن الهدف هو “أسلحة الدمار الشامل”. وبعد تدمير بلد كامل، اعترفت واشنطن نفسها بعدم وجود هذه الأسلحة أصلًا. لكن ماذا كانت النتيجة الحقيقية للحرب؟
قُتل مئات الآلاف، دُمّرت البنية التحتية، انهارت مؤسسات الدولة، وتحول العراق إلى ساحة للشركات النفطية والسلاح وإعادة الإعمار. هنا يظهر المنطق المادي بوضوح ،حيث الحرب كانت استثمارًا إمبرياليًا ضخمًا أعاد تشكيل المنطقة بالقوة.
وليس صدفة أن الشركات النفطية العملاقة وشركات الأمن الخاصة حققت أرباحًا هائلة بعد الاحتلال. فالإمبريالية لا تتحرك بدافع “القيم”، وإنما بدافع تراكم رأس المال.
وفي ليبيا، استُخدم خطاب “التدخل الإنساني”. لكن ما الذي حدث بعد تدخل حلف شمال الأطلسي سنة 2011؟
تحولت الدولة إلى فضاء للفوضى المسلحة، وانتشرت الميليشيات، وانهارت المؤسسات، وتفككت البنية الاجتماعية، وصارت البلاد ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية. الدولة التي كانت تمتلك واحدًا من أعلى مستويات المعيشة في إفريقيا دُفعت إلى الانهيار الكامل.
وهنا يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة: القوى التي ادعت حماية المدنيين ساهمت فعليًا في تدمير شروط الحياة نفسها. وهذا نتيجة طبيعية لمنطق الهيمنة؛ فالإمبريالية تفضّل أحيانًا تدمير الدولة على السماح بقيام قوة مستقلة خارج سيطرتها.
وفلسطين ليست “نزاعًا حدوديًا” كما يُقدَّم في الإعلام الغربي، وإنما تمثل عقدة مركزية في النظام العالمي. فالدعم الأميركي غير المحدود للكيان الصهيوني ليس مجرد تحالف سياسي، وإنما جزء من بنية السيطرة على المنطقة.
كلما ارتكب الكيان الإسرائيلي مجازر، تحضر الولايات المتحدة بالسلاح والمال والغطاء الدبلوماسي. وحين يُقتل المدنيون، تُستخدم لغة باردة لتبرير القتل تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”. هنا ينكشف البعد الطبقي والأيديولوجي للإعلام والسياسة: دم الشعوب المستعمَرة يُعامل كرقم، بينما يُقدَّم عنف القوة المهيمنة كفعل مشروع.
فالحرب بالنسبة لهذه المنظومة ليست كارثة، وإنما قطاع اقتصادي ضخم يدر الأرباح والنفوذ.
ومن تشيلي إلى نيكاراغوا إلى فنزويلا وكوبا، يتكرر النمط نفسه. كل مشروع يحاول التحكم بثرواته الوطنية أو بناء سياسة مستقلة يُواجَه بالعقوبات أو الانقلابات أو التخريب الاقتصادي.
في تشيلي مثلًا، أُطيح بحكومة سلفادور أليندي بعد أن حاولت تأميم الثروات وإعادة توزيعها اجتماعيًا. ولم يكن “الخطر” الحقيقي هو الدكتاتورية، وإنما احتمال نجاح نموذج اقتصادي يهدد مصالح الشركات الأميركية.
وهنا يظهر جوهر الصراع: الإمبريالية لا تخاف الشعارات، وإنما تخاف فقدان السيطرة على الثروة والعمل والأسواق.
وقد أصبحت الاغتيالات المباشرة جزءًا معلنًا من السياسة الأميركية. تُقتل شخصيات سياسية وعسكرية عبر الطائرات المسيّرة أو العمليات السرية من دون محاكمات ومن دون احترام للقانون الدولي.
وهذا التحول خطير لأنه يكشف أن القوة الإمبريالية لم تعد حتى تحاول إخفاء منطقها العنيف. وحين تصبح التصفية الجسدية أداة “طبيعية” في العلاقات الدولية، فهذا يعني أن النظام العالمي نفسه يعيش أزمة عميقة، حيث يتحول القانون إلى مجرد أداة تستخدمها القوى الكبرى ضد الضعفاء، بينما تضع نفسها فوقه.
وهذا العنف مرتبط أيضًا بأزمة الرأسمالية نفسها. فحين تدخل الرأسمالية مرحلة الاحتكار والأزمات الدورية وتراجع معدلات الربح، تصبح الحاجة إلى التوسع الخارجي أكثر شراسة. لذلك تتزايد الحروب والعقوبات ونهب الموارد.
فالإمبريالية ليست “سياسة خارجية سيئة”، وإنما مرحلة تاريخية من تطور الرأسمالية حين تتركز الثروة في أيدي الاحتكارات المالية والعسكرية العملاقة. ولهذا السبب تتشابك الدولة مع الشركات والسلاح والإعلام والبنوك في كتلة واحدة تدير العالم بمنطق القوة.
لكن التاريخ لا يتحرك في اتجاه واحد. فالشعوب التي تتعرض للقمع لا تبقى ساكنة إلى الأبد. ومن فيتنام إلى فلسطين إلى أميركا اللاتينية، أثبت التاريخ أن التفوق العسكري لا يضمن السيطرة النهائية.
والتناقض الجوهري داخل النظام الإمبريالي أنه كلما توسع في العنف، عمّق أسباب مقاومته. فالحروب التي تُشن باسم “الاستقرار” تنتج فوضى، والسياسات التي تهدف إلى إخضاع الشعوب تولد أشكالًا جديدة من الوعي والرفض.
ولهذا فإن إدراك طبيعة الإمبريالية ليس تمرينًا نظريًا مجردًا، وإنما شرط لفهم العالم كما هو: عالم تُستخدم فيه القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لإعادة إنتاج السيطرة، بينما تُطلب من الشعوب الطاعة باسم الأمن أو الديمقراطية أو مكافحة الإرهاب.
وحين تدرك الشعوب أن ما تواجهه ليس سلسلة أخطاء، وإنما بنية عالمية قائمة على الهيمنة والاستغلال، يصبح النضال ضد الظلم جزءًا من فهم أعمق لحركة التاريخ نفسها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق