"خراب أنيق: تشريح التطهير الطبقي في المدن العتيقة"فؤاد خمليشي
"خراب أنيق: تشريح التطهير الطبقي في المدن العتيقة"فؤاد خمليشي
حين يُهجَّر السكان من بيوتهم، ويُقتلع الأطفال من مدارسهم في منتصف الموسم الدراسي، وحين تُسوَّى الأزقة والدروب التي صنعت تاريخ المكان، فنحن لا نشهد "إعادة تأهيل". بل نشهد اقتلاعاً ممنهجاً للإنسان والحجر معاً. عملية سطو على الفضاء والسكن والذاكرة، تُنفَّذ تحت راية التنمية.
المدينة القديمة ليست جدراناً متداعية، وليست عقارات تنتظر المستثمرين. إنها جسد اجتماعي حي. تشكَّل عبر قرون من العمل والحرف والمقاومة. عاش فيها العمال والحرفيون والمقاومون والبسطاء. خرجت من أحيائها قصص الكفاح ضد الاستعمار، ومن دروبها مختبرات أنتجت الوعي، خزَّنت صراعات التحرر. كل زقاق هنا وثيقة. كل باب شاهد على وجوه رحلت وأخرى ما تزال تقاوم النسيان. لكن الجرافة لا تقرأ. الجرافة تُنفِّذ منطق الربح.
المصيبة الكبرى أن الدولة والسلطات المحلية تتعامل مع هذه الأحياء بعقلية الجرافة لا بعقلية الإصلاح. لا ترميم، لا تحسين لشروط العيش، لا تأهيل للبنية التحتية مع الحفاظ على السكان. بل الحل الأسهل والأكثر قسوة: هدم، ترحيل، تشتيت. إنه تطهير طبقي صريح. الفقراء يُقدَّمون على أنهم المشكلة، بينما الجريمة الحقيقية هي سياسات الإهمال الممنهجة التي تركت هذه الأحياء لعقود في التهميش، كي تنهار، ثم تُنتزع من أهلها. منطق مقلوب: الضحية متهم، والمجني عليه عائق.
تهجير السكان، عنف بنيوي مباشر. تُنقل الأسرة، فتنهار شبكة الدعم كاملة: الجار، المدرسة، السوق، المسجد، الحرفة، الذاكرة اليومية. وحين يُجبر الأطفال على الانقطاع عن الدراسة، لا يُقطع تعليمهم فقط، بل يُعاد إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل. آلية إفقار. من السهل هدم بيت في ساعات، لكن من المستحيل تعويض حياة كاملة بُنيت داخله.
الأخطر أن هذا النموذج يتكرر. في الرباط ومدن أخرى، المشهد واحد: شعارات "التحديث" و"التنمية" تُستخدم قناعاً لطرد السكان الأصليين من قلب المدينة، وتحرير العقار لرأس المال. الواجهة السياحية أهم من الساكن. الاستثمار أهم من الاستقرار. الفقير عبء يجب إبعاده عن المركز. التاريخ يصير ديكوراً يُستثمر فيه بعد إفراغه من أهله. المدن تتحول إلى متاحف صامتة، جميلة من الخارج، فارغة من جوهرها.
إن المدن لا تُبنى بطرد سكانها، ولا تُجمَّل بمحو ذاكرتها. المدينة القديمة بالدار البيضاء ليست عبئاً يجب التخلص منه. إنها مورد اجتماعي وتاريخي يجب إنقاذه. والإنقاذ الحقيقي يبدأ من حق الناس في السكن الكريم، ومن التشاور معهم، وتعويضهم العادل، وضمان تعليم أبنائهم، وترميم الأحياء بدل إعدامها بالجرافات. يبدأ من التشارك لا القمع، من الإصلاح لا الهدم. كل بديل غير هذا إعادة إنتاج للاقتلاع وتعميق للامساواة.
ما يُرتكب اليوم ليس تحديثاً. إنه خطر حقيقي على العدالة الاجتماعية وعلى ذاكرة المغرب الحضري. وإن استمر هذا المنطق، فلن يتبقَّى من المدن سوى هياكل تلمع، وتحتها فراغ. خراب أنيق، لا يسكنه أحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق