"سخرية القدر وحدائق الزيتون"فؤاد خمليشي
"سخرية القدر وحدائق الزيتون"فؤاد خمليشي
لعل أقسى تجليات سخرية القدر أن ترى مثقفًا يحكم على آخر بالمحو الرمزي، لا بسيف المناظرة، بل بادعاء الجهل به؛ ادعاء يحمل في جوهره عنفًا إبستيمولوجيًا لا يقل ضراوة عن عنف المصادرة. أن يقول الطاهر بنجلون إنه لا يعرف المعطي منجب، في وقت يعرف فيه القاصي والداني الرجل ، وموقفَ النظام منه، ليس زلة ذاكرة، ولا سهوًا عابرًا، وإنما هو استراتيجيا إقصاء، عملية شطبٍ وجودي تختزل خريطة المعرفة في مرآة الذات وحدها، فتُحيل كل من يرفض أن يكون انعكاسًا لتلك المرآة إلى ظلمة اللا-وجود.
ما يثير التأمل العميق أن هذا النفي اعتراف مقلوب: لا تحاول أن تمحو معرفةَ من لا وزن له، بل تمحو معرفةَ من يهدد موقعَك بقوة التزامه. هكذا ينقلب "لا أعرفه" إلى خنجر يطعن الشرعية، وإلى سُلّم تحاول من خلاله ذاتٌ هشة ترميمَ برجها العاجي المتصدع. وفي هذه الحركة يتكشف وجه المثقف الذي صار وظيفة إيديولوجية للنظام، مضطرًا إلى نفي المختلف كي يحمي هشاشته الكرتونية من فكرة أن ثمة طريقًا آخر للثقافة غير طريق البلاط الإعلامي.
هذا الغرور هو ظاهرة طبقية متجذرة في قلب التراتبية الثقافية. فهنا، كما في مملكة الاقتصاد، ثمّة تراكم بدائي لرأس المال الرمزي: وريث الاعتراف الذي لم ينتجه بجهدته الخاصة، لكنه وُلِد في الحقل المناسب، وتعلّم لغة القصر، وأتقن طقوس الاستعراض. هذا الكائن المعلق في منطقة وسطى، بين أن لا يكون مالكًا لوسائل الإنتاج الفكري الكبرى وأن لا يكون منغرسًا في جرح الجماهير، يعيش انفصامًا مزدوجًا يعوّض عنه بتضخيم "الأنا" الجمعية، باحثًا عن ثبات وهمي في التعالي. التعالي هنا تعويضٌ عصابي عن فقدان الجذور، وتشييدٌ لاستثناء سردي ينهار عند أول احتكاك بالحياة الحقيقية. لهذا يصبح ادعاء عدم المعرفة بالآخر ردةَ فعل دفاعية، لأن الاعتراف به يعني الاعتراف بشرعية موقع آخر، والتسليم بأن التاريخ لم ينته، وأن الضوء ليس حكرًا.
في الجانب المضاد لهذه الهشاشة المتكبرة يقف مثقف من طراز مختلف، مثقف لا يتكلم عن الشعب، وإنما يتكلم الشعبُ من خلاله، بمعنى أن كلماته صارت استطالةً لألم جمعي، وترجمةً لرغبة متوحشة في الحرية. هذا الكائن هو الجسر بين العرق والفكرة، لا ينظر إلى المعرفة بوصفها زينة لغوية، وإنما ممارسة حية تُستخرج من المنجم الاجتماعي بالدموع والاحتكاك والصراع. الالتزام بالنسبة إليه ليس شارة تُعلّق، بل محرقة للادعاءات: لا يمكنك أن تكون صوتًا للإنسان وأنت بلا جروح؛ لأن من لا يلامس طين الحياة اليومية للغلابى لا يحق له أن يتحدث باسمهم. كل فكرة لا تنزلق إلى الفعل تصير حنظلًا، في اختبار لا يرحم الكسالى والمتباهين.
وهنا تحديدًا يتحول المعطي منجب، في ضوء هذه الرؤية، إلى اختبار رخامي للحقيقة: كتلة صلبة من اللا-امتثال تتحطم عليها أمواج التملق والوصولية. حضوره المختلف يكتب سيرة المثقف الذي لا يبيع ظلّه، ويحوّل الصمت حينًا إلى خطاب أبلغ من النطق المتواطئ. أن يُدعى الجهل به معناه الوحيد أن وجودَه مرآة لا تُحتمل، مرآة تفضح زيف العمدة الرمزية القائمة على المحو.
في الجدل الأعمق، الانقسام ليس بين "كبار" و"صغار"، وإنما بين أقنعة ووجوه. الوجوه هي التي تحمل أسئلة الجماهير، وتمشي في الشارع نفسه، وتتنفس الهواء نفسه، ولا ترفع رأسها إلا لتسأل: كم بقي من مسافة نحو العدل. وسخرية القدر، في حكمتها المرة، أنها تزرع بذور أولئك المُقصَيْنَ في تربتهم الحقيقية، تربة الذاكرة الشعبية، حيث سينبتون زيتونًا في بيوت الذين مارسوا طقس المحو، ويضيئون، دون إذن من أحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق