تقرير سياسي بتاريخ ٦ - أيار - ٢٠٢٦ العـدوان الأميركي-الصهـ.ـيوني في الإطار الدولي |- والإقليمي :المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني
تقرير سياسي بتاريخ ٦ - أيار - ٢٠٢٦
العـدوان الأميركي-الصهـ.ـيوني في الإطار الدولي |- والإقليمي :
يشكل العـدوان الأميركي – الصهـ.ـيوني على إيران ولبنان ودول الشرق الأوسط وشعوبها، حلقة من حلقات المشروع الساعي إلى إعادة تجديد الهيمنة الأميركية الأحادية على العالم، بعدما بدأت تهتزّ مقوّمات هذه الهيمنة بدءًا من أوائل الألفية الثالثة. فقد برزت في هذه الفترة معالم عملية انتقال جذري في بنية النظام الدولي من حقبة القطبية الواحدة (بزعامة الولايات المتحدة) إلى أنساق من الفوضى الجيوسياسية التي تجنح نحو إعادة تشكيل الخارطة العالمية بشكل غير مسبوق. وقد عبّرت عن هذا الواقع مؤشرات كثيرة، من ضمنها التفكيك الممنهج من جانب إدارة ترامب لشبكة التحالفات الدولية، وبخاصة الغربية، وانسحاب واشنطن من العديد من الاتفاقات والمنظمات الدولية وانهيار الثقة بالدولار الأميركي نتيجة فقدان الولايات المتحدة لسيطرتها على العجز المالي والمديونية العامة، فضلًا عن استخدامها للتطور التكنولوجي وللذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز هيمنة سلطة الدولة العميقة ورأس المال على حساب عموم الناس. وتسود ظاهرات اجتماعية عميقة في الولايات المتحدة، تشهد على وجود تراجع في مستويات التعليم وارتفاع في معدلات الوفيات وتفكك في النسيج الأسري واتساع في الفجوات الطبقية وتسطيح مطلق للحيّز الثقافي. ويرتبط تنامي هذه الظواهر باعتماد الولايات المتحدة المتعاظم على الاستهلاك والاستيراد بدلًا من الإنتاج والتصدير، وهو الأمر الذي يعكس تراجع القدرات الصناعية للغرب عمومًا وللولايات المتحدة على وجه الخصوص. ويفسّر هذا إلى حدّ كبير خسارة واشنطن لقدر كبير من موقعها القيادي للعالم "كضامن" للأمن الدولي، واندفاع العديد من القوى الإقليمية للبحث عن بدائل وتحالفات خارج الفضاء الأميركي، بما في ذلك تشجيع الصين التي تشكّل المنافس الجدّي والأبرز للهيمنة الأميركية، بالإضافة إلى روسيا وقوى دولية وإقليميّة عدّة، على محاولة ملء هذا الفراغ.
انطلاقًا من هذه التحوّلات، تنبغي قراءة ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه من أهداف من خلال عـدوانها الحالي في منطقة الشرق الأوسط. ففي محاولة لكسب الوقت الكافي لمعالجة أزمات نظامها الرأسمالي، تتطلّع الولايات المتحدة إلى تجديد وتوسيع هيمنتها على هذه المنطقة التي تحتل موقعًا جيو-سياسيًا هامًا يزخر بالممرات البرية والمائية بين الشرق والغرب، ويختزن موارد بشرية فتية وثروات نفطية وغازية تعتبر المصدر الثاني للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة. ومن شأن تعزيز السيطرة الأميركية على أسواق النفط والغاز ومصادرهما وممراتهما في الشرق الأوسط، تمكين هذا البلد من التحكّم بالتنافس الاقتصادي المحتدم على الصعيد الدولي، وبالتالي تعزيز فرصه بكسب التنافس السياسي وفرض إرادته على الصين والقوى الصاعدة.
|-1 عـدوان الولايات المتحدة على إيران وهواجس انتزاع نصر سريع:
أدان حزبنا العـدوان الأميركي – الصهـ.ـيوني على إيران. وكان رهان ترامب أنه لن يستغرق سوى أربعة أيام، إذ به يدخل شهره الثاني مشحونًا بخطاب التهديد والوعيد بحرب إبادة جماعية وبمحو الحضارة الإيرانية وتدمير منشآت النفط ومحطات الطاقة والكهرباء وتحلية المياه. وبالرغم من الضربة الأولى التي تمكّنت فيها الولايات المتحدة من اغتيال معظم قادة الصفّ الأول في إيران، بمن فيهم المرشد علي الخامنئي، فإن إيران نجحت في استيعاب مفاعيل هذه الضربة، وعمدت من ثمّ إلى بسط سيطرتها على مضيق هرمز. ومع تصاعد التهديدات الأميركية بوجوب إعادة فتح هذا المضيق، اتّفق الطرفان على أن تتولى باكستان استضافة مفاوضات بينهما بالاستناد إلى مقترح أميركي من 15 نقطة ومقترح إيراني من 10 نقاط (من ضمنها وقف إطلاق النار- حل دائم بضمانات دولية – ربط المسارات على مستوى الإقليم ولا سيما وقف ا لعدوان على لبنان – استرجاع الحقوق ورفع العقوبات...). وانتهت الجولة الأولى من المفاوضات إلى عدم اتفاق، مما دفع القيادة المركزية الأميركية إلى فرض حصار على موانئ إيران بدءًا من 13 نيسان، ليأتي الرد الإيراني: إما أمن موحّد لموانئ الخليج جميعها أو لا يكون، وذلك بالتزامن مع ازدياد الخلاف بين لبنان وإيران حول فصل مسار المفاوضات، مع تمسّك لبنان بأن لا أحد يفاوض عن لبنان إلا الدولة اللبنانية.
خلّف العـدوان الأميركي الكثير من التداعيات، وسط إصرار الطرف الأميركي-الصهـ. ـيوني على التمادي في التصعيد، لحاجته إلى تحقيق صورة انتصار واضحة عشية حلول موعد جلسة المساءلة في الكونغرس في أوائل أيار حول حيثيات قرار الحرب. هذا مع التنبيه إلى أن صورة الانتصار أكثر من ضرورية للتعويض عن تراجع شعبية ترامب والحؤول دون خسارة الجمهوريين للأغلبية النيابية في الانتخابات النصفية. ومن ضمن التداعيات التي خلّفها العـدوان: ازدياد الانقسام السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة؛ انتشار التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في أميركا والدول الأوروبية ضد الحرب على إيران؛ التباعد بين أميركا وأوروبا بشأن حيثيات قرار الهجوم على إيران وأهدافه ونتائجه ورفض دول الاتحاد الأوروبي المشاركة في الحرب بما في ذلك في فكّ الحصار عن مضيق هرمز تحت الإمرة الأميركية؛ تهميش مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن نتيجة نظام الهيمنة والبلطجة الذي تقوده الولايات المتحدة؛ تضرّر دول الخليج نتيجة تعرّضها للقصف الإيراني المستهدف للقواعد العسكرية الأميركية فيها، وفشل هذه القواعد في حماية تلك الدول رغم تريليونات الدولارات المستثمرة في الأنظمة الدفاعية..... باختصار، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إسقاط النظام الإيراني ولا من تحقيق الأهداف المعلنة: السيطرة المباشرة على مخزون اليورانيوم وتطويع البرنامج الصاروخي وإنهاء "الأذرع" وإعادة مضيق هرمز إلى الوضعية التي كان عليها قبل الحرب.
|- 2 إيران تستوعب "الضربة الأولى" رغم ضخامة الخسائر:
لم ينهار النظام الإيراني كما توقّع ترامب ونتنياهو، وتمكنت إيران من تحويل المعركة إلى مواجهة إقليمية يشارك فيها حزب الله والحشد الشعبي، ومن تثقيل الأعباء والتكاليف غير المسبوقة على النظام الاقتصادي العالمي بفعل إقفال مضيق هرمز (الذي يتحكّم بـ20% من صادرات النفط العالمية)، هذا إلى جانب تهديد الحوثيين بإقفال باب المندب (9% من صادرات النفط العالمية). لكن إيران - ناهيك عن مقتل واغتيال العدد الكبير من قياداتها السياسية والعسكرية ومن المدنيين – تعرّضت لخسائر ضخمة مباشرة وغير مباشرة في مؤسسات الدولة والجامعات والمراكز الثقافية والعلمية والمؤسسات العامة العسكرية والصناعية والمدنية من مطارات ومنصات صواريخ ومراكز تصنيعها. وهذا ما انعكس تدهورًا حادًا في الأوضاع المعيشية والاجتماعية، التي تتسم أصلًا بالكثير من الضعف والهشاشة بسبب ما كان سائدًا قبل ا لعدوان من تضخم مرتفع وانهيار حاد في سعر صرف العملة وتبخّر في القوة الشرائية لمداخيل العمال وللمدخرات الوطنية. ويشار في هذا الإطار إلى أن الحزب الشيوعي الإيراني (تودة) والعديد من القوى اليسارية والعلمانية والديمقراطية التي كانت شريكة في الثورة، كان لها بالرغم من تردّي الأوضاع المعيشية، موقف وطني ضد ا لعدوان الأميركي ا لصهيوني على بلدها بمعزل عن موقفها المعارض للنظام الإيراني الذي مارس القمع والاضطهاد ضدها. أما حول الاحتمالات المتعلقة بالمفاوضات فيمكن إدراج التالي:
- تقدّم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران وصولًا إلى عقد اتفاق يستطيع كل من الطرفين أن يسوّقه انتصارًا له أمام جمهوره، وهو ما يستدعي عمليًا تنازلات من الطرفين ومكاسب للطرفين. وفي هذا الإطار، استطاعت إيران أن تبقي برنامجها الصاروخي خارج إطار التنازلات فيما تبدي مرونةً أعلى بما يعني تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة طويلة (15 عامًا) والتنازل بشكل من الأشكال عن مخزونها عالي التخصيب (450 كغ مخصب بنسبة 60%)، وتتمسك بوقف الحرب على حلفائها فيما تبقى قضايا الأموال المجمدة والتسويات السياسية في البلدان المجاورة وغيرها مرتبطة بمسار الاتفاق لاحقًا.
- تعثّر التفاوض واستئناف ا لعدوان والقتال لجولات جديدة قبل العودة مجددًا إلى طاولة التفاوض، وسط تهديد أميركي بتدمير واسع وممنهج وتحديدًا قطاعات الطاقة والكهرباء والنفط وغيرها.
- وقف الولايات المتحدة الحرب من طرف واحد وإعلان انتصار شكلي، وترك إيران تحت العقوبات والحصار والتهديد.
- تخفيض الولايات المتحدة الحرب العسكرية مقابل تصعيد الحرب الاقتصادية والتجارية باستمرار الحصار البحري الشامل لخنق الاقتصاد الإيراني وتعميق الأزمة الداخلية.
|– 3 "إسرائيل" وعقدة مواصلة الحرب إلى "ما لا نهاية":
من حيث المبدأ، رفضت "إسرائيل"المفاوضات من أساسها، مع تمسكها بمواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني، ومع إصرارها على فصل المسارين بين لبنان وإيران وعلى استمرار العـدوان على لبنان حتى لو توقفت الحرب على إيران. وتنسجم هذه المواقف المعلنة من جانب" إسرائيل" مع استراتيجيتها التي كان طابعها ضمنيًا ذات حين وأصبح إلى حدّ كبير معلنًا في الوقت الحاضر، والتي تتحدّث فيه صراحة عن نيتها في إجراء تغييرات جيوسياسية في خرائط الشرق الأوسط وعن تطلعاتها الصريحة لقيام دولة "إسرائيل الكبرى"، مدعومة في ذلك بتوجهات الإدارة الأميركية في عهد ترامب الثاني وتزايد وزن اليمين المتطرّف عمومًا في الغرب. وتتكتّم "إسرائيل" بشدّة على خسائرها في هذه الحرب، لكن المرجّح أن تكون هذه الخسائر كبيرة بحسب ما تورده بعض الأوساط الإعلامية الدولية انطلاقًا من ضخامة عدد الجرحى المعترف به من جانب "إسرائيل" وما يفترض أن ينجم عنه من عدد وفيات وفقًا للمعدّلات الدولية السائدة عادة ما بين عدد الجرحى وعدد القتلى. وكان يمكن أن تكون الخسائر أعلى بكثير لولا ما تملكه "إسرائيل" من تفوق عسكري وتكنولوجي بفضل التنسيق والدعم الأميركي المباشر لها، وما تملكه أيضًا من اتفاقيات تطبيع مع بعض دول الخليج حتى لو كانت هذه الأخيرة قد رفضت الدخول المباشر إلى جانبها في الحرب. مع ذلك، فإن "إسرائيل" تفتقر إلى القوات البرّية الكافية لهزيمة دولة بعيدة مثل إيران لها حضارة تاريخية غنية وقدرات سكانية وجغرافية كبيرة.
|– 4 حدود التمييز بين استهداف إيران للقواعد الأميركية وتبعاته على دول الخليج:
منذ بداية الحرب شاركت القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في دول الخليج لا سيما في الإمارات وكذلك العراق والأردن في ا لعدوان على إيران وفي إسقاط صواريخها الموجهة إلى "إسرائيل". وبالمقابل قامت إيران بالردّ وقصفت القواعد العسكرية الأميركية وبعض المنشآت والشركات النفطية والصناعية الأميركية في دول الخليج. واكتفت دول الخليج وبعض الدول العربية بإدانة ما اعتبرته ا لعدوان الإيراني على سيادتها، ولكنها رفضت الدخول العسكري المباشر بالحرب ضد إيران رغم كل ما تعرّضت له من ضغوط سياسية من قبل ترامب وصلت إلى حد توجيه الإهانة الشخصية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ومع فشل المفاوضات في جولتها الأولى وبدء الحصار البحري على موانئ إيران والتحضيرات الأميركية لفتح مضيق هرمز بالقوة، والقرار الإيراني بالرد بالمثل على موانئ دول الخليج، سجّلت اقتصادات معظم دول الخليج خسائر ضخمة، بسبب تعطّل معابر تصدير غازها ونفطها وتركّز جزء كبير من أعمال القصف على أرضها من دون أن يتولى الجيش الأميركي حمايتها. وينبغي الإقرار بأن هذا الواقع يطرح تساؤلات كبيرة حول مسار العلاقات المستقبلية بين أميركا ودول الخليج وحول مروحة الضمانات الأمنية والسياسية المستجدّة التي سوف يترتّب على دول الخليج المطالبة بها سواء من الولايات المتحدة أو من أوروبا أو من دول راعية أخرى؛ ومن جهة ثانية، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مآلات تدهور العلاقات بين دول الخليج وإيران. فأيّ نمط من العلاقات المستقبلية يجب (ويمكن) أن يقوم بين الطرفين؟ هل يمكن لمثل هذه التساؤلات أن تفسح المجال أمام قيام منظومة من "دول إقليمية كبرى" - السعودية ومصر وتركيا وإيران وربما باكستان - تكون قادرة على توفير الاستقرار والسلم في المنطقة وبخاصة لدول الخليج، بدل استمرار علاقات التبعية والارتهان الثنائي والمتعدد الأطراف للقاطرة الأميركية التي تشدّ معظم هذه الدول وإن بدرجات وأشكال متفاوتة.......
|– 5 روسيا والصين وحساب المصالح المعقّدة والبعيدة المدى:
أدانت روسيا والصين الحرب على إيران ودعمتا إيران وفق الاتفاقيات الموقّعة مع كلا البلدين، كما عبّرتا عن استعدادهما للقيام بدور الوساطة. وللوهلة الأولى، ينطوي التحليل الواقعي للموقفين الروسي والصيني على وجود مصلحة مشتركة لهما في إبقاء الولايات المتحدة الأميركية عرضة للاستنزاف بحربها على إيران، وهو ما حاول ويحاول ترامب عدم الانجرار إليه والوقوع بهذا الفخ. وربما يراهن البلدان أيضًا، على اعتبار أن ما يجري في الشرق الأوسط يشكّل عاملًا مهمًا في تسريع الانتقال من نظام أحادي دولي بزعامة الولايات المتحدة إلى نظام تعددي تلعب فيه الصين دورًا أساسيًا ووازنًا بالإضافة إلى أدوار الأقطاب الدولية والإقليمية الأخرى مثل روسيا والهند والدول الأوروبية وغيرها. كما تطرح من جهة ثانية تساؤلات مشروعة حول مدى وجود مصلحة موضوعية لدى روسيا لاستثمار تداعيات الحرب على إيران كوسيلة لتحسين أوراقها في أوروبا وبخاصة لتخفيف الضغط الدولي والأوروبي عليها في ملف الحرب في أوكرانيا. وهذا ما قد ينطبق أيضًا على حسابات الصين في سعيها لتخفيف مستوى السقوف الأميركية العالية في ملفات شرق آسيا.
||- السياسة الاميركية-الصهـ. ـيونية العـدوانية في الاطار اللبناني :
أمعن العـدو الصهـ. ـيوني بخرق اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع في 27 تشرين الثاني 2024 وواصل ارتكاب اعتداءاته ضد اللبنانيين والمقـ. ـاومين، حيث قارب عدد الشهداء طوال 15 شهرًا 500 شهيد من أهلنا في الجنوب والبقاع والضاحية، من دون أي ردّ لا من الدولة اللبنانية ولا من حـ. ـزب الله. بيد أن هذا الأخير بادر إلى الردّ مؤخرًا اثر اغتيال المرشد علي الخامنئي عبر رشقة الصواريخ الستّة. ومن موقع حزبنا كحزب المقاومة الوطنية اللبنانية وما سبق وقلناه: حيث يوجد احتـ.ـلال هناك مقـ.ـاومة ضد الاحتـ.ـلال، فقد انتقدنا العملية في الشكل والتوقيت، ليس لأن العـدو الصهيـ.ـوني بحاجة إلى ذريعة لاستكمال عـدوانه الذي لم يتوقف أصلًا، بل لعدم توجيه العملية ضد الاحتـ.ـلال، فتم تغييب القضية الوطنية اللبنانية وعدم تحديد الهدف السياسي المطلوب من العملية في فرض انسحاب قوات العـدو من الأراضي اللبنانية المحتلة حتى خط الهدنة من دون قيد أو شرط، والرد على اعتداءاته التي ارتكبها طوال 15 شهرًا. مؤكدين في الوقت عينه أن المعركة الأساسية تبقى بوصلتها الرئيسية موجهة ضد الاحتـ.ـلال.
||– 1 موقف الحزب الشيوعي اللبناني:
في مواجهة هذا المشروع العـدواني الشامل، حمّل حزبنا الإدارة الأميركية والكيان الصهـ.ـيوني مسؤولية التصعيد الخطير على لبنان وجدّد مطالبته الحكومة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها بالتصدي للعـدو الصهـ.ـيوني مؤكدًا على ثوابت الحزب الوطنية بحق شعبنا في مقـ.ـاومة الاحتـ.ـلال بكل الوسائل المتاحة، ومشدّدًا على أهمية صمود أهلنا في الضاحية والجنوب والبقاع وجميع المناطق المستهدفة. كما أكّد حزبنا وقوفه الكامل إلى جانب النازحين قسرًا، ودعا إلى أوسع حملة تضامن لمساعدتهم وتعزيز صمودهم وحثّ الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار والتقدم ومناضلي العالم إلى تنظيم أوسع حملات الدعم السياسي والشعبي للضغط على حكوماتهم لوقف آلة الحرب الصهـ.ـيونية ومقاطعة الكيان الصهـ.ـيوني سياسيًا واقتصاديًا. ومع تحوّل التصعيد الصهـ.ـيوني إلى اجتياح برّي لجنوب الليطاني، حمّل الحزب القيّمين على مؤسسات الدولة الدستورية بأحزابها وقواها السياسية الشريكة في نظام المحاصصة مسؤولية عدم توحيد اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ومنابعهم الفكرية من أجل: وقف العـدوان الصهـ.ـيوني وفرض انسحاب قواته من كل الأراضي اللبنانية المحتلة حتى خط الهدنة من دون قيد أو شرط وعودة الأهالي إلى مناطقهم ومساكنهم وإعادة الإعمار وإطلاق الأسرى، وذلك بالتزامن مع إبراز موقف وطني حيال قضية النازحين يتوحّد حوله اللبنانيون في مواجهة العـدوان الصهـ.ـيوني، ويسقط محاولات التوتير الأمني ويحفظ السلم الأهلي ويؤكد مسؤولية الدولة في مواجهة العـدوان، وحق الشعب اللبناني في المقـ.ـاومة طالما هناك احتـ.ـلال. وبالنسبة إلى جلسات التفاوض المباشر على مستوى السفراء في وزارة الخارجية بواشنطن، أعلن الحزب موقفه المسبق منها بتأكيده على أن الأولوية تبدأ بوقف إطلاق النار قبل كل شيء، ورفض المفاوضات السياسية المباشرة مع "إسرائيل". وهذا يعني بالتحديد رفض الدخول في المفاوضات تحت الشروط "الإسرائيلية" التي تهدف إلى الوصول إلى "سلام" مع لبنان ونزع سلاح المقـ.ـاومة، كما يعني رفض الرعاية الأميركية للمفاوضات، كون الولايات المتحدة طرفًا في العدوان على لبنان والمنطقة وحليفًا للعـدو. وحول مبادرة رئيس الجمهورية بإجراء مفاوضات مباشرة مع العـدو "الإسرائيلي"، أكد الحزب على أن مصلحة لبنان تكمن في إجراء مفاوضات محصورة بالجانب الأمني فقط وبالتخلي عن أوهام "السلام" مع الكيان الصهـ.ـيوني التوسعي، المحكوم بالأوهام الدينية والتوسع الجغرافي والسيطرة الاقتصادية والتأسيس لإمبريالية إقليمية تتستّر تحت مسلسل الاتفاقات الإبراهيمية. أما بالنسبة إلى مسألة "نزع سلاح حـ.ـزب الله"، فإنه يهمنا قبل الشروع في تحديد موقفنا من هذه المسألة أن نذكّر ونؤكّد على الحقائق الأساسية التالية: إن الحزب الشيوعي اللبناني هو الذي كان السبّاق في إطلاق المقـ.ـاومة الوطنية ضد الاحتـ.ـلال "الإسرائيلي"، ودفع منذ عقود كلفة باهظة معمّدة بفيض من الدماء في المحاولات المتعددة التي جرت لإخراجه من هذه الساحة؛ وهو الذي حرص على الدوام على إسباغ الطابع الوطني وليس الطائفي على المقاومة وعلى عدم جعلها مطيّة لمصالح خارجية وإقليمية أيًا كانت؛ وهو الذي تمسّك على الدوام بربط معركة التحرير من الاحتـ.ـلال بمعركة التغيير السياسي والاجتماعي وبناء الدولة العلمانية غير الطائفية؛ وهو الذي ساهم في إيجاد صيغة للمقـ.ـاومة المسلحة مفتوحة أمام كل من يريد المشاركة فيها من دون احتكار أو إكراه. وانطلاقًا من مواقفه الراسخة هذه، يرى الحزب أن المعالجة المطلوبة لموضوع المقـ.ـاومة هي معالجة سياسية مفتوحة على أفق إصلاح مرتكزات الدولة ومقوماتها وتحريرها التدريجي من القيود الطبقية والموروثات الطائفية، مع التشديد على تسليح وتجهيز الجيش وفرض خدمة مدنية وعسكرية إلزامية على جميع اللبنانيين عند سنّ معيّنة على نحو يسهم في إدماجهم وتشابكهم. فأيّ مقاربة لمستقبل المقـ.ـاومة المسلحة يجب أن يندرج ويحتضن ضمن مشروع للدفاع الوطني، تطبيقًا لاتفاق الطائف، وبخاصة في بنوده التي تحرّر البلد من الطائفية السياسية وتجعل الدولة أقوى من كل الطوائف.
||– 2 النزوح: قضية وطنية واجتماعية:
وحول مسألة النزوح ومتطلبات الصمود الشعبي، أعاد الحزب إحياء لجنة الصمود الشعبي التي أنشأها خلال عـدوان 2023–2024 ساعيًا قدر الإمكان إلى تخفيف الأعباء عن شعبنا النازح قسرًا، وبشكل خاص على عائلات الحزب وأصدقائه. وشدّد الحزب على تكثيف أعمال الإغاثة للنازحين وتوفير أماكن الإيواء، وكل ما يتوجب من ضمن خطة وطنية تقوم على مبدأ التضامن الاجتماعي والتكافل، على أن تحشد الدولة مواردها الذاتية من الخزينة في انتظار وصول المساعدات الخارجية، مع الالتزام بإيصال المساعدات لأصحابها النازحين وإخراجها من نظام الفساد الكامن في المحاصصة الطائفية بين أحزاب السلطة. ويشدّد الحزب في هذا المجال على وجوب إعداد ملفات إحصائية تفصيلية وإفرادية وشاملة لكل أنواع الخسائر البشرية والمادية والسكنية التي تسبّب بها العدوان الصهيوني على لبنان، كي يُصار إلى تقديمها ضمن ملفات موثّقة للهيئات الدولية المختصة طلبًا للحصول على تعويضات للمتضررين اللبنانيين وإلزام الطرف المعتدي بتسديدها سندًا إلى مبادئ القانون الدولي. عليه لا بد من تعزيز التواصل مع النازحين وتنظيم اللقاءات الدائمة معهم والتنسيق مع البلديات والهيئات والجمعيات الأهلية ومتابعة قضيتهم في شتى المحافل والمؤسسات الدولية والرسمية والشعبية اللبنانية من أجل العودة والإعمار وسائر حاجات الإغاثة والإيواء.
||- 3 المفاوضات المباشرة قبل وقف إطلاق النار وإعلان بيان "التفاهم":
مع إعلان اتفاق وقف ا لعـدوان الأميركي على إيران ارتكب العـدو الصهـ.ـيوني مذبـ.ـحة غير مسبوقة في العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى، وذهب ضحيتها أكثر من 350 شهيدًا وألف جريح في أقل من ربع ساعة، معظمهم من المدنيين من كل الفئات والأعمار. ووصلت درجة الكذب والتبجّح بقادة "إسرائيل" إلى درجة الادعاء أن قواتهم قتلت في تلك المذبحة المئات من كوادر حـ.ـزب الله، فيما كان الإعلام اللبناني والعربي والعالمي ينقل صور المئات من الضحايا المدنيين وبخاصة النساء والأطفال والعجزة. لقد رحّب الحزب الشيوعي باتفاق وقف العـدوان على إيران، وشدّد على وجوب وقف العـدوان الصهـ.ـيوني أيضًا على لبنان. وفي المقابل وقفت السلطة اللبنانية كما في السابق، موقف المتلقي للشروط والضغوط الأميركية من خلال استجدائها التفاوض المباشر مع العـدو فيما هو يمعن في تجاهلها ويتابع مجازره حتى تاريخه وسط انقسام داخلي خطير.
صحيح أن قوات الاحتـ.ـلال الصهـ.ـيوني تقدّمت في الجنوب، لكن هذا التقدّم حصل ببطء شديد ووسط مقـ.ـاومة شرسة أبداها المقاومون الأبطال على مدى 60 يومًا، وألحقوا خلالها خسائر كبيرة بالقوات الغازية مقدّمين حياتهم دفاعًا عن أرض الجنوب وكل لبنان. ومع بدء المفاوضات المباشرة تحت النار في اجتماع واشنطن بين لبنان والعدو الصهيوني في 14 نيسان وإعلان "بيان التفاهم" بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 16 نيسان 2026، دخل لبنان الرسمي عمليًا في مسار التطبيع السياسي المباشر مع العـدو الصهـ.ـيوني، ما يعكس تحولًا سياسيًا يقضي – بحسب ما تضمنه بيان التفاهم - بتهيئة الظروف المواتية لإحلال "سلام" دائم، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما، مع الحفاظ على حق "إسرائيل" في "الدفاع عن النفس". بعده، سارعت "إسرائيل" إلى الإعلان عمّا تسميه الخط الأصفر الممتد من الناقورة غربًا وصولًا إلى بلدة الخيام شرقًا بعمق 10 كلم (حوالي 55 بلدة)، بالتزامن مع تدمير مدن الشريط وقراه وتهجير أهله (100 ألف نسمة تقريبًا) بحجة إنشاء منطقة تسمّيها آمنة، مع احتفاظ "إسرائيل" طوال احتـ.ـلالها الحق باتخاذ جميع التدابير اللازمة ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية ومن دون أن يشمل هذا الحق لبنان بالمقابل. وهذا ما يتيح لها خصوصًا في المنطقة الواقعة بين الخط الأصفر ونهر الليطاني، مواصلة اعتداءاتها برًا وجوًا وقتل وتهجير الآلاف من السكان وإلحاق الدمار في القرى والبلدات. ونصّ الاتفاق أيضًا على "طلب "إسرائيل" ولبنان من الولايات المتحدة تيسير مفاوضات مباشرة إضافية، تشمل القضايا العالقة ومن بينها ترسيم الحدود البرّية الدولية، وصولًا إلى اتفاق شامل ودائم". وحظي اتفاق وقف إطلاق النار بموافقة الرؤساء الثلاثة عون وسلام وبري، ورحبت به أيضًا السعودية وإيران وفرنسا وباكستان والعديد من الدول، فيما وافق حـ.ـزب الله عليه بحذر مع تلميحه بالردّ على الخروقات "الإسرائيلية" في حال حصولها. لكن مع كلمة رئيس الجمهورية حول اتفاق وقف إطلاق النار المشحونة بالتوتّر، تعزّزت المخاوف ومشاعر القلق من أن يتجه الوضع الداخلي نحو مزيد من الاحتقان، بتأثير مما سيخلّفه أي اتفاق محتمل بين ترامب وإيران من انعكاسات مباشرة على لبنان. ويهمنا كحزب في هذا الإطار، أن نعيد التذكير بأن موقفنا المقـ. ـاوم لمسار التطبيع الذي بدأ في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية واستمر مع لجنة الميكانيزم وتكليف السفير سيمون كرم، يستكمل اليوم بالموقف عينه من اتفاق وقف إطلاق النار. فاجتماع واشنطن حصل تحت النار وبشكل مذل ولا يليق بتضحيات شعبنا ودماء شهدائه، وفي ظلّ ميزان قوى يميل لصالح العـدو الصهـ.ـيوني.
باختصار، تعاملت الحكومة اللبنانية بشيء من الفوقية مع مسألة التفاوض مع "إسرائيل"، وكأن هذا التفاوض هو مجرّد إجراء تنفيذي صرف. وهي لم تسع قبل الدخول في التفاوض إلى تهيئة وتحضير الأطر القاعدية لبناء تفاهم سياسي داخلي، من خلال جمع مروحة من القوى السياسية الممثّلة للرأي العام واستطلاع آرائها حول بنود المفاوضات. ولا يستبعد أن تكون الحكومة قد تسرّعت في قراءة نتائج الحرب الأميركية "الإسرائيلية" على إيران، مفترضة أن هذه الأخيرة قد منيت بهزيمة كاملة. وهذا ما يبرّر على الأرجح تسرّعها في إعلان نزع الشرعية عن سلاح حـ.ـزب الله واستسهال "شيطنة" العلاقة مع إيران. وقد أظهرت الأحداث أن إيران قوّة مؤثّرة في توازنات منطقة الشرق الأوسط ومعادلاتها، وكان الحريّ بالحكومة اللبنانية أن تحاول استخراج أوراق قوة تفاوضية لها بدل التهافت وراء إرضاء واشنطن و"إسرائيل."
||– 4 حول احتمال دخول سوريا في لبنان:
أُسديت نصائح لسوريا بوجوب إعطاء الأولوية للحفاظ على استقرار سوريا الداخلي والاندماج في النظام العربي والمساهمة في احتواء إيران، بدلًا من أن تزج سوريا بنفسها في أتون مغامرات عسكرية محفوفة بالمخاطر في مواجهة محورها في لبنان والعراق. فتدخّل سوريا في لبنان يحتمل على الأرجح تدخل حلفاء إيران في العراق واليمن في الساحة السورية، فضلًا عن أن مثل هذا التدخّل قد يدفع إلى الاقتتال الطائفي في لبنان، مما يقوض شرعية الدولة ويفرز نتائج عكسية. كما أن تركيا، الداعم الرئيسي للنظام السوري، تقف الآن إلى جانب إيران في حربها مع "إسرائيل"، خوفًا من توسّع الدور "الإسرائيلي" وتمكّنه من الهيمنة الإقليمية بما يهدد المصالح التركية نفسها، فعملت على تحييد النظام السوري عن المعركة وعن أي مواجهة عسكرية مع حـ.ـزب الله. وللحؤول دون انتقال الحرب إليها، عزّزت سوريا وجودها على الحدود الشرقية مع لبنان، ساعية إلى ضبط التحركات السكانية ومواصلة تمتين تموضعها العربي العام الرامي إلى احتواء إيران وحلفائها في المنطقة. ويشار إلى أن سوريا تعاني في الأصل من أزمة اقتصادية خانقة، بسبب استمرار ارتفاع الأسعار وانهيار سعر صرف العملة وتبخّر القيمة الفعلية للودائع المصرفية وتفاعل تداعيات أزمة الطاقة، هذا مع الإشارة إلى دخول حوالي 125 ألف لاجئ سوري من لبنان إلى سوريا هربًا من الحرب في لبنان، ومن المؤكد أن احتواء هؤلاء معيشيًا يتطلب توفّر موارد مالية وبشرية ولوجستية لا يستهان بها. غير أن كل هذه الاعتبارات لا توفّر ضمانات كافية للجانب اللبناني حيال استمرار الهدوء والأمن على الحدود الشرقية، خصوصًا إذا ارتأت أطراف عربية أو إقليمية العبث بهذا الملف لأغراض لها علاقة بتطوّر الصراع المتعدد الأطراف الدائر في المنطقة.
||– 5 تفاقم أجواء الانقسام ومخاطر انتقال الصراع إلى الشارع:
مع استمرار محاولات طمس حقيقة الصراع السياسي الداخلي بإعطائه طابعًا طائفيًا ومذهبيًا كما كان يحدث مع الحكومات اللبنانية السابقة، ازدادت مخاطر انتقاله إلى الشارع ليتحوّل إلى فتنة لا تخدم إلا العـدو الصهـ.ـيوني الذي يتطلّع إلى استثمارها في مشروعه الطويل الأجل الرامي إلى تفتيت دول المنطقة وإقامة شرق أوسط جديد تلعب فيه "إسرائيل الكبرى" الدور الأساس. وقد فشلت القوى الحاكمة ومؤسساتها الدستورية في إيجاد حلول فعلية للمشكلات التي ادعت معالجتها، ولم تنفّذ إلا النزر اليسير من الإصلاح الذي وعدت به في خطاب القسم وفي البيان الوزاري. وقد نشأت فوق ذلك مشاكل جديدة ضاعفت من خطورة الأوضاع ومن حدّة الانقسام في المواقف خلال العـدوان، ومنها خصوصًا: العدوان الأميركي – الصهـ.ـيوني على إيران؛ قيام حـ.ـزب الله بتنفيذ عمليته العسكرية ضدّ "إسرائيل "بعد اغتيال المرشد علي الخامنئي؛ إطلاق رئيس الجمهورية مبادرته الرئاسية بالدعوة إلى التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني (والمتضمنة في أحد بنودها الأربعة: سيطرة القوى المسلحة على مناطق التوتر ومصادرة السلاح منها ومصادرة سلاح حـ.ـزب الله ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرة)؛ حظر سلاح حـ.ـزب الله واعتباره سلاحًا غير قانوني ورفع الغطاء السياسي عنه بإرسال مذكرة إلى أمين عام الأمم المتحدة ومجلس الأمن بهذا الخصوص؛ قرار طرد السفير الإيراني من لبنان واعتباره شخصًا غير مرغوب به؛ إدراج إيران بند وقف العـدوان على حزب الله من ضمن البنود العشرة المطروحة للتفاوض والتي وافق ترامب على وضعها فيما رفضها الرئيس عون من منطلق أن لا أحد يفاوض عن لبنان إلا الدولة اللبنانية؛ صدور قرار عن الحكومة بجعل بيروت منزوعة السلاح وتكليف الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية بتنفيذ القرار؛ استجابة نتنياهو لبدء المفاوضات المباشرة على مستوى السفراء برعاية أميركية في واشنطن قبل إعلان وقف العـدوان على لبنان تقديرًا لموقف الحكومة اللبنانية حول بيروت منزوعة السلاح؛....هذه كلها مشاكل تكشف مدى تفاقم أزمة النظام السياسي وهشاشة مقوماته واستسهاله تاريخيًا الانتقال في كل مرحلة من المراحل من وصاية إلى أخرى، تارة فرنسية وسورية أو مصرية وطورًا سعودية أو إيرانية وصولًا إلى المرحلة الراهنة المفتوحة على وصاية أميركية مصحوبة بتطبيع العلاقة مع "إسرائيل". وفي الوقت الذي يواصل فيه نتنياهو الإصرار على فصل المفاوضات حول لبنان عن المفاوضات مع إيران (بصرف النظر عما ستسفر عنه المفاوضات الأميركية – الإيرانية)، أعلن الرئيس عون في جلسة لمجلس الوزراء رفضه تولي أي جهة التفاوض عن لبنان إلا الدولة اللبنانية، وعلى أساس مبادرته المكونة من أربع نقاط: إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان - تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية - سيطرة القوى المسلحة على مناطق التوتر ومصادرة السلاح منها ومصادرة سلاح حـ.ـزب الله ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرة – بدء لبنان و"إسرائيل" بشكل متزامن مفاوضات مباشرة برعاية أميركية للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق. وفي السياق ذاته، اتخذ مجلس الوزراء قرارًا بإعلان بيروت منزوعة السلاح وتكليف الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية تنفيذ هذا القرار. واعتبر حزبنا أن هذا القرار يزيد في الانقسام السياسي بأبعاده المناطقية والطائفية والدستورية. لقد نوّه نتنياهو بموقف رئيس الوزراء نواف سلام في هذا الشأن، معلنًا الاستعداد لفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان حول نزع سلاح حـ.ـزب الله وإرساء "السلام" مع لبنان. وتطرح هذه الوقائع أسئلة شائكة بل وجودية: فأي لبنان يراد له أن يخرج من هذه الحرب وتلك المفاوضات؟ لبنان مع جنوبه المبتور؟ لبنان مع ضاحيته المروّعة؟ لبنان مع بقاعه المهدَّد؟ لبنان المنهك بانقساماته الدائمة والمتفاقمة؟ وأخطر ما يمكن أن يفعله اللبنانيون اليوم هو التكيّف مع الواقع بدل تغييره.
||– 6 خطر الفتنة والحاجة الملحّة إلى وأدها:
في ضوء التجارب التاريخية، غالبًا ما يتزامن انفجار أزمة النظام السياسي في لبنان مع اتخاذ الصراع شكلاً عسكريًا سرعان ما يصطبغ بالطابع الطائفي والمذهبي. وإذ تتعدّد عناصر الفتنة في البلد، فإنها تتغذى في الأساس من النظام السياسي الطائفي وتبعيته وارتهان أطراف السلطة لأوصيائهم ومن مظاهرها: الخلاف المستعصي بين اللبنانيين حول سلاح حـ.ـزب الله ودور الجيش في نزعه، وحول مصادر تمويل إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الصهيوني، مع وصول لقاء معراب إلى حدّ الطلب بتشكيل محكمة دولية لمحاسبة مسؤولي حـ.ـزب الله عن الحرب، واستدعاء قوات دولية وفق البند السابع، فيما برزت بالمقابل أيضًا لغة التخوين والتهديدات على لسان قياديين أو إعلاميين وناشطين من جانب حـ.ـزب الله بالانقضاض على الداخل وقلب الطاولة على الآخرين بعد انتهاء العدوان. كما تتغذى الفتنة أيضًا من مراهنة "إسرائيل" المؤكّدة والتاريخية على الاستثمار في هذا الخلاف وتصعيده تحقيقًا لأهداف مشروعها التوسعي في المدى المتوسط، بما في ذلك استخدام الفتنة الداخلية كأداة لاستئصال النفوذ الإيراني في لبنان. ومما يثير المخاوف في هذا الإطار، تفاقم مشكلة النزوح الداخلي بسبب العدوان وما ينتج عنها من تغيير ديمغرافي، وبروز اعتراض على استقبال النازحين وسكنهم في بعض المناطق خلافًا للدستور، بالتزامن مع نشوء مربعات طائفية وحواجز مسلحة لأصحاب النفوذ الخاضعين للاحتـ.ـلال في بعض قرى الشريط الحدودي. ويكفي "إسرائيل" أن تحوّل النزوح إلى مادة خوف، والخوف إلى مادة انقسام، والانقسام إلى التقاتل والفتنة. إن وأد الفتنة يتطلب بإلحاح بناء تفاهم لبناني - لبناني حول معالجة جذور الأزمة، يشارك فيه الجميع. فالوطن كله مستهدف وليس الجنوب وحده. وتتحمّل القوى الحاكمة بأطرافها كافة كامل المسؤولية عن إيصال البلد إلى هذا الدرك من الضعف والهوان، إذ جعلته عرضة للانقسام السياسي والطائفي وللانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وحقلًا للإفقار والهجرة والتهجير. والأولوية بالنسبة إلى اللبنانيين جميعًا هي رفض الخطاب الطائفي والتحريضي والتخويني من الأطراف كافة، سواء في الشارع أو الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، وإنتاج إجماع وطني على السردية التي تفيد بأن أهم ما هو مطلوب لمواجهة الأطماع والمشاريع "الإسرائيلية" المعادية يكمن في الشروع الفعلي راهنًا بتطبيق المندرجات الإصلاحية لاتفاق الطائف وصولًا إلى إقامة الدولة العلمانية الديمقراطية المقـ.ـاومة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق