20 يونيو 1981: عندما اختلفت الذاكرة واتحد الصمت
20 يونيو 1981: عندما اختلفت الذاكرة واتحد الصمت
منذ أكثر من أربعة عقود، ما تزال أحداث 20 يونيو 1981 تشكل واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المغربي المعاصر. ليست لأنها كانت مجرد احتجاجات اجتماعية انتهت بمواجهات دامية في شوارع الدار البيضاء، بل لأنها تحولت مع مرور الزمن إلى ساحة صراع بين ثلاث سرديات متنافسة: سردية الدولة، وسردية اليسار، وسردية الذاكرة الحقوقية.
ورغم مرور الزمن، لا يزال جزء من الحقيقة غائبا، ليس بسبب نقص الشهادات، بل بسبب محدودية الوصول إلى الأرشيف الكامل لمختلف الفاعلين الذين صنعوا تلك المرحلة.
اندلعت الأحداث في سياق اقتصادي صعب تميز بارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية واتساع التوتر الاجتماعي. دعت نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى إضراب عام، وخرجت الاحتجاجات من إطارها المطلبي لتتحول إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن.
في الرواية الرسمية التي سادت آنذاك، كانت الدولة تواجه أعمال شغب تهدد الأمن والاستقرار. وقد بررت السلطات تدخلها بضرورة إعادة النظام العام إلى مدينة كانت تعرف حالة من الانفلات غير المسبوق. واعترفت السلطات بسقوط عشرات القتلى والجرحى واعتقال الآلاف.
أما في رواية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و الاتحاد الاشتراكي والقوى اليسارية ، فقد كانت الأحداث تعبيرا عن غضب اجتماعي مشروع، واجهته الدولة بالقمع المفرط. وقدمت المعارضة أرقاما تفوق بكثير الأرقام الرسمية بشأن عدد الضحايا، معتبرة أن ما جرى كان أحد أكثر مظاهر العنف السياسي والاجتماعي خلال سنوات الرصاص.
لكن بعد سنوات طويلة من الصراع السياسي حول الأرقام والمسؤوليات، ظهرت مقاربة جديدة مع تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة. فبدل الانشغال بمن انتصر في المعركة السياسية، ركزت الهيئة على سؤال آخر: ماذا وقع للضحايا؟
لقد أعادت الهيئة فتح ملفات ظلت مغلقة لعقود، واهتمت بالكشف عن أماكن الدفن الجماعي والتحقق من مصير الضحايا. كما اعتمدت شهادات ووثائق أشارت إلى أن عدد الوفيات قد يكون أكبر من الحصيلة الرسمية المعلنة سنة 1981. وهكذا انتقل النقاش من منطق الاتهام السياسي إلى منطق الحق في الحقيقة والذاكرة.
غير أن ما يثير الانتباه هو أن الذاكرة الحقوقية لم تؤكد بالكامل رواية الدولة، كما لم تتبن بالكامل رواية المعارضة. لقد كشفت وجود ضحايا وانتهاكات، لكنها فتحت أيضا الباب أمام أسئلة جديدة حول كيفية اتخاذ القرار داخل الدولة آنذاك.
ومن هنا تبدأ المنطقة الرمادية في تاريخ المغرب المعاصر.
فإذا كانت المعارضة تحمل الدولة مسؤولية ما جرى، فإن بعض الشهادات السياسية التي ظهرت لاحقا ذهبت في اتجاه مختلف. ومن أبرزها التصريحات المنسوبة إلى المحجوبي أحرضان، والتي لمح فيها إلى وجود مسؤوليات أو تفاهمات أوسع من الصورة التقليدية التي تقدم الدولة كفاعل وحيد والمعارضة كضحية مطلقة.
غير أن هذه الشهادات، مهما كانت أهميتها السياسية، لم تجد إلى اليوم ما يدعمها في الوثائق الأرشيفية المتاحة للعموم. فلا تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة، ولا الوثائق الأمريكية المفرج عنها، ولا ما هو متاح من الأرشيفات الأجنبية، قدمت دليلا موثقا على مشاركة أحزاب المعارضة في اتخاذ قرار استعمال القوة ضد المتظاهرين.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل ليس دليلا على الغياب. فجزء كبير من أرشيف تلك المرحلة ما يزال غير متاح للباحثين، سواء داخل المغرب أو خارجه.
تكشف الوثائق الأمريكية التي رفعت عنها السرية أن واشنطن كانت تتابع بقلق بالغ تطورات الوضع في المغرب. فقد اعتبرت أحداث الدار البيضاء أخطر اضطراب اجتماعي واجهه النظام منذ سنوات، ورأت فيها مؤشرا على هشاشة التوازن بين الاستقرار السياسي والتحديات الاقتصادية. لكن هذه الوثائق اهتمت أساسا بتأثير الأحداث على استقرار النظام، أكثر مما اهتمت بالتفاصيل الدقيقة لعملية اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة المغربية.
أما الأرشيف الفرنسي المتاح حاليا، فيعكس بدوره انشغال باريس بمآلات الأزمة الاجتماعية وباستقرار حليف استراتيجي في شمال إفريقيا، دون أن يكشف بدقة عن النقاشات الداخلية التي سبقت التدخل الأمني أو رافقته.
وهنا تظهر حدود كل السرديات.
فالدولة قدمت روايتها لكنها لم تكشف كل أرشيفها.
والمعارضة قدمت روايتها لكنها لم تفتح بدورها كل ما تملكه من وثائق وشهادات.
أما الضحايا، فقد ظلوا لسنوات طويلة الحلقة الأضعف في هذا الصراع على الذاكرة.
لعل السؤال الأكثر أهمية اليوم لم يعد يتعلق بعدد القتلى أو بهوية المسؤول المباشر عن إطلاق النار. فهذه الأسئلة، رغم مشروعيتها، لا تكفي لفهم ما وقع.
السؤال الأعمق هو: كيف كانت تُصنع القرارات المصيرية داخل الدولة المغربية خلال تلك المرحلة؟
من كان يملك سلطة القرار؟
وأين كانت تنتهي صلاحيات الحكومة وتبدأ صلاحيات الأجهزة الأمنية؟
وما هو الدور الحقيقي للأحزاب السياسية في لحظات الأزمات الكبرى؟
إن أحداث 20 يونيو 1981 لا تمثل فقط فصلا من فصول الاحتجاج الاجتماعي، بل تمثل أيضا نافذة لفهم طبيعة السلطة وآليات اشتغالها خلال مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب.
ولهذا السبب، فإن كتابة تاريخ تلك الأحداث لا يمكن أن تكتفي بترديد رواية الدولة أو رواية المعارضة. إنها تتطلب العودة إلى الأرشيف، والاستماع إلى الشهادات المتعارضة، ومساءلة المسكوت عنه بقدر مساءلة المعلن عنه.
فبعد أكثر من أربعين سنة، لا يزال جزء من الحقيقة ينتظر أن يُكتب.
ولا تزال الذاكرة المغربية تنتظر أن تلتقي أخيرا بالوثيقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق