قراءة نقدية للخطاب والمشروع السياسي المعلن "تحالف اليسار" ، مع التركيز على التناقضات الجوهرية.فؤاد الخمليشي
قراءة نقدية للخطاب والمشروع السياسي المعلن "تحالف اليسار" ، مع التركيز على التناقضات الجوهرية.فؤاد الخمليشي
يطرح التحالف هدف "إقرار ملكية برلمانية" و"تغيير دستوري عميق". من وجهة نظر مادية، هذا المطلب يعكس فهماً قاصراً لطبيعة الدولة. فالدولة، في تشكيلتها التاريخية القائمة، ليست جهازاً محايداً فوق الطبقات يمكن إصلاحه بتعديل دستوري، بل هي جهاز لهيمنة طبقة وتحالف طبقي - اجتماعي معين (البرجوازية الكمبرادورية، الإقطاع الجديد، والريع)، متكلس في جهاز بيروقراطي - عسكري - ملكي. المطالبة بـ "ملكية برلمانية" هي محاولة لإضفاء طابع "عقلاني" وديمقراطي على ذات الجهاز، لا تفكيكه. إنها تفصل الشكل السياسي (الملكية) عن المضمون الطبقي (دولة الريع والتبعية)، وكأن "الملك" يمكن أن يكون حَكَماً محايداً بين الطبقات، لا رأساً للهرم الرأسمالي الطفيلي. هذا وهم دستوري خطير: التاريخ لم يشهد انتقالاً من دولة استبدادية ريعية إلى دولة ديمقراطية شعبية عبر "إقناع" رأس الدولة بقبول تقليص صلاحياته لفائدة برلمان منتخب، دون صراع اجتماعي عنيف تقوده الجماهير. الخطاب يرفع شعار "فصل حقيقي بين السلطات" و"تخويل الصلاحيات الكاملة للسلطتين التشريعية والتنفيذية بناء على انتخابات نزيهة". هنا يقع الخلط المثالي بين السلطة (كممارسة للهيمنة الطبقية) وبين السلطات (كتقسيم وظيفي إداري). حتى لو تحقق هذا الفصل شكلياً، فمن سيملك القوة المادية؟ من يسيطر على الجيش، الأمن، الاحتياطي المالي، والتحالفات الإمبريالية؟ البرلمان المنتخب، أم قلب الدولة العميقة المرتبط بالتبعية؟ التجربة التاريخية تُظهر أن برجوازية وسيطة لا تملك قاعدة اقتصادية مستقلة عاجزة عن فرض "ديمقراطيتها" على الجهاز القديم دون الاصطدام به بشكل عنيف.
يؤكد الميثاق على "التلازم العضوي بين معركة السيادة الوطنية والانتقال الديمقراطي" و"الدفاع عن الوحدة الترابية". هذا شعار تقدمي في ظاهره، لكنه يفرغ من مضمونه عندما يُفصل عن التحليل المادي للسيادة المنتهكة. أين هي سيادة المغرب الحقيقية؟ في اتفاقيات التبادل الحر التي تدمر الفلاحة الصغيرة والصناعة الناشئة؟ في القواعد العسكرية الأجنبية والتموقعات الاستراتيجية؟ في وضع الدرهم وارتهان السياسات المالية لإملاءات صندوق النقد الدولي؟ في مديونية خارجية تخنق الخزينة؟ خطاب "السيادة الوطنية" هنا برجوازي - وطني ضيق، يُختزل في "الوحدة الترابية" كغطاء أيديولوجي، بينما السيادة الاقتصادية والمالية والغذائية والدوائية منهوبة يومياً بقرارات من نفس الدولة التي يطلبون "إصلاحها سلمياً". لا يمكن الحديث عن سيادة وطنية حقيقية دون الحديث عن فك الارتباط العضوي مع مراكز الإمبريالية العالمية، وتأميم الثروات الاستراتيجية، وإلغاء الديون غير المشروعة، وبناء اقتصاد شعبي مستقل. هذا غائب تماماً. "السيادة" عندهم هي سيادة السياسي الرسمي على الجغرافيا، لا سيادة الشعب على ثرواته وقراراته.
انتقاد "وصاية" وزارة الداخلية على الانتخابات هو محق في تشخيص الأزمة، لكن البديل المقترح ("هيئة وطنية مستقلة من قضاة وشخصيات…") يكشف عن نزعة تكنوقراطية - نخبوية. هل يكمن جوهر "الفساد الانتخابي" في آلية الإشراف فقط؟ أم أنه تعبير سياسي عن حقيقة أن المال والريع هما المحددان الحقيقيان للعملية السياسية في ظل رأسمالية تابعة؟ استبدال إشراف وزارة الداخلية بلجنة من "القضاة والشخصيات المشهود لها بالكفاءة" هو نقل الثقة من جناح بيروقراطي إلى آخر، يفترض وجود "نخبة محايدة" فوق الصراع الطبقي. هذا إصلاح شكلي. الحل الجذري لا يكمن في "تدبير تقني نزيه" للانتخابات، بل في قيام سلطة شعبية موازية، لجان شعبية في أماكن العمل والأحياء، هي التي تشرف على العملية برمتها وتفرض إرادتها، أي انتقال السلطة الحقيقية لا مجرد فرز الأصوات بنزاهة. "المقاطعة الواعية" التي يشيرون إليها هي تعبير بدائي عن رفض هذه المنظومة، لكن الخطاب يريد إعادة امتصاص هذا الرفض في اللعبة البرلمانية عبر "إصلاح" آليتها، لا عبر الثورة عليها.
الموقف من مناهضة التطبيع والدفاع عن فلسطين هو موقف متقدم، لكنه يبقى، في إطار هذا المشروع، موقعاً أخلاقياً/سياسياً لا يرتبط عضوياً باستراتيجية التغيير. الدولة التي يريدون "إصلاحها" وجعلها "ملكية برلمانية" هي ذاتها الدولة المطبعة. كيف يمكن "إقناع" هذه الدولة، عبر انتخابات تحت "هيئة مستقلة"، بفك التطبيع وهو قرار جيو-استراتيجي مرتبط بموقع المغرب في المحور الإمبريالي؟ المشروع لا يجيب. إنه يفصل بين النضال الحقوقي التضامني وبين الصراع ضد الدولة ككل.
الحديث عن "أكثر من 5000 توقيف" و"الاعتقال السياسي" هو وصف أمين لوحشية الدولة. لكن التحليل يتوقف عند الظاهرة (الاعتقال) دون الغوص العميق في البنية. لماذا تعتقل الدولة الشباب المحتج على البطالة والغلاء؟ لأن احتجاجهم هو، بوعي أو بدونه، احتجاج ضد منطق التراكم الرأسمالي الريعي التابع. الدولة تقمع لا لأنها "غير ديمقراطية" فحسب، بل لأن إعادة إنتاج الرأسمالية التابعة تتطلب بالضرورة قمعاً منظماً لأي بديل شعبي يمس بمنطق الربح والملكية الخاصة للثروات الكبرى والتبعية. أما "الفساد" و"الريع"، فيتم التعامل معهما كآفتين أخلاقيتين يمكن مكافحتهما بـ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" في دولة "مؤسسات". هنا يغيب المفهوم العلمي: الريع ليس انحرافاً عن النظام، بل هو نمط إنتاج وتوزيع مؤسس له، إنه الآلية التي تنتظم بها العلاقة الرأسمالية الطفيلية بين المركز والأطراف وداخل التشكيلة الاجتماعية نفسها. "المحاسبة" البرلمانية أو القضائية لن تلغيه، لأن إلغاءه يعني تصفية أسسه المادية (خصخصة الخدمات، نهب العقار، الاتجار في السلطة والنفوذ كتعويض عن عجز التراكم المنتج).
"تحالف اليسار" هذا، في صيغته الراهنة، هو محاولة لتجميع ما تبقى من قوى اليسار التقليدي في مشروع إصلاحي ديمقراطي - برجوازي. إنه يعبر، موضوعياً، عن يأس وفشل البرجوازية الليبرالية في تحقيق مشروعها، وعجز اليسار الإصلاحي عن تجاوز أفق التغيير داخل جدران الدولة القائمة. "خلق بديل حقيقي" لا يمكن أن ينبني على وهم "تليين" الدولة وإقناعها بـ "الانتقال الديمقراطي". البديل الحقيقي يبدأ من خارج المؤسسات، من داخل الحركات الشعبية التي يعتقل شبابها، من الإضرابات، من احتلال الأراضي، من بناء تنظيم مستقل للعمال والفلاحين الفقراء والشباب العاطل، يطرح برنامجاً ثورياً يمس بملكية وسائل الإنتاج وعلاقات التبعية، ويجهز نفسه لأشكال نضال مختلفة، لأن الدولة التي توصف بأنها "وصاية" و"فساد" لن تمنح السيادة طواعية، بل ستقمع حتى "الملكية البرلمانية" حين تمس بالمصالح الجوهرية. إنهم يريدون "جبهة سياسية موحدة" لانتخابات نزيهة؛ الواقع يحتاج إلى جبهة اجتماعية - طبقية تقدمية ضد الدولة والرأسمالية والتبعية.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق