جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

غازي الصوراني أبو جمال _ حول مفهوم الهوية ربطًا بمسألتي الوطنية والقومية........

 غازي الصوراني أبو جمال _ حول مفهوم الهوية ربطًا بمسألتي الوطنية والقومية........

أعتقد أن مفهوم الهوية قد دخل أو تسرب إلى الفكر العربي في نهاية القرن 19 أو بداية القرن 20، حيث أننا لا نجده ضمن المصطلحات المترجمة في تلك الفترة مثل: الحرية والثورة/ الأمة / القومية / المساواة / الوطن.
فقد حدد العربي هويته في العصر الحديث متأثرا بعلاقات الهيمنة التي فرضها عليه الغرب وبدافع التحرر من هذه الهيمنة من ناحية، ومن كل مظاهر الاستغلال الطبقي والاستبداد والاضطهاد الداخلي من ناحية ثانية.
من هذا المنظور التحليلي الجدلي، نُعَرِّف الهوية على أنها "حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية ، والهوية أيضاً هي وعي للذات والمصير التاريخي الواحد، من موقع الحيز المادي والروحي الذي نشغله في البنية الاجتماعية، وبفعل السمات والمصالح المشتركة التي تحدد توجهات الناس وأهدافهم لأنفسهم ولغيرهم، وتدفعهم للعمل معا في تثبيت وجودهم والمحافظة على منجزاتهم وتحسين وضعهم وموقعهم في التاريخ. كما تُعَرّف الهوية أيضاً بأنها "السمات المشتركة التي تتميز بها جماعة معينة من الناس وتعتز بها، أو هي مجموع المفاهيم العقائدية والتراثية لجماعة ارتبطت بتاريخ وأصول إنسانية ومفاهيم فكرية أدت إلى إفراز سلوك فكري وقيمي مترجم بأدب وفن وفلكلور جعل من تلك الجماعة ذو شخصية مميزة عن غيرها.
فالهوية إذن "هي مجموع السمات الروحية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميز مجتمعاً بعينه وطرائق الحياة ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات وطرائق الإنتاج الاقتصادي والحقوق".
إلى جانب ذلك، فإن الهوية من حيث كونها أمراً موضوعياً وذاتياً معاً، هي وعي الإنسان واحساسه بانتمائه إلى مجتمع أو أمة أو جماعة أو طبقة في إطار الانتماء الإنساني العام، إنها معرفتنا بما، وأين نحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نمضي، و بما نريد لأنفسنا وللآخرين، وبموقعنا في خريطة العلاقات والتناقضات والصراعات القائمة، كما عُرّفت الهوية أيضاً باعتبارها شعوراً جمعيًّا لأمةٍ أو لشعبٍ ما، يرتبط ببعضهِ ارتباطاً مصيريًّا ووجوديًّا.
وهنا أشير إلى أن تميز جماعة بهوية لا يعني تطابق أفراد الجماعة، إذ أن التماس الوحدة والتجانس والتماثل المطلق هو التماس لخاصية التحجر والجمود، ما يعني تناقصاً مع حركة التطور والتغيير الدائمة من جهة، وتناقصاً مع جوهر الديمقراطية والتعددية من جهة ثانية، فالهوية الحقة هي التي تتطابق مع الاختلاف الهادف إلى الارتقاء بالجماعة والمجتمع.
أما تعريف الهوية من منظور ماركسي، فإن الطبقة هي أحد المحددات أو التعبيرات الهامة للهوية، انطلاقاً من أن صراع الطبقات هو المحدد الأساسي في التاريخ، لكن هذه المحددات الطبقية على أهميتها، لا يمكن أن تتجاوز السمات المكونة لهوية الشعب أو هوية الأمة بالمعنى الجمعي، الوطني أو القومي.
وفي كل الأحوال، فإن عناصر الهوية الإنسانية فردية كانت أو جماعية لا تنحصر في العناصر المادية وحدها بل تتعدها إلى مجموعة أخرى من العناصر :
1- العناصر المادية والفيزيائية: وتشتمل على الحيازات (مثل الاسم والسكن والملابس) والقدرات (الاقتصادية والعقلية) والتنظيمات المادية والانتماءات الفيزيائية والسمات المورفولوجية .
2- العناصر التاريخية: وتشتمل على الأصول التاريخية، والأحداث، والآثار التاريخية.
3- العناصر الثقافية والنفسية: وتتضمن النظام الثقافي مثل (العقائد والأديان والرموز
الثقافية ونظام القيم وصور التعبير الأدبي والفني) والعناصر العقلية مثل (النظرة إلى العالم، والاتجاهات والمعايير الجمعية) والنظام المعرفي مثل (السمات النفسية الخاصة، واتجاهات نسق القيم).
4- العناصر النفسية الاجتماعية: وتشتمل على الأسس الاجتماعية مثل (السكن والجنس والمهنة والسلطة والدور الاجتماعي والانتماءات، والقدرات الخاصة بالمستقبل مثل (القدرة والإمكانية والتكيف ونمط السلوك).
في ضوء ما تقدم، فإن بلورة الهوية القومية الحداثية التقدمية يعتمد على الوعي العميق، بأن هناك اندماجاً أو هناك علاقات عضوية وثيقة بين التحرر القومي من الهيمنة الخارجية والتحرر من هيمنة ما وأدوات التخلف والتبعية السائدة داخل المجتمع، وذلك انطلاقاً من إدراكنا لمفهوم القومية بأنها "شعور ووعي الأمة بوجودها المتميز سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحضارياً، وسعيها لإبراز هذا الوجود"، وفي هذا السياق نؤكد على منظورنا الفكري والسياسي بالنسبة لشعور ووعي شعوبنا، وهو منظور يستند إلى الرؤية الماركسية التي ترى في جموع الكادحين والفقراء من أبناء شعوبنا، عرباً أو امازيغ أو أكراد... إلخ، المادة الأساسية للروح القومية وتجسيداتها الديمقراطية العملية، على النقيض من الرؤية البرجوازية الشوفينية، أو تلك التي تربط حاضر ومستقبل القومية والوحدة العربية بالطبقات البرجوازية.
حول إشكالية الهوية:
إن مفهوم الهوية، هو مفهوم إشكالي، لأن للهوية أبعاد شائكة ومتداخلة فيما بينها تتصل بالحقل الفلسفي والمعرفي والسياسي والتاريخي، علاوةً على عوامل أخرى تتفاعل مع الهوية كاللغة، والأيدلوجيا، والتراث، والدين، وهذه الإشكالية تحتمل الحل وعدمهِ، بحيث نكون أمام معادلة متحركة، تنتج نفسها بنفسها، وتعيد ترتيب أولوياتها، والسبب يعود إلى طبيعة الهوية المتغيرة في مرحلة العولمة المعاصرة التي فرضت على هذا العالم (الكوكب) ألواناً متنوعة من التحولات والمتغيرات الكمية والنوعية المتسارعة.
إن اشكالية الهوية الوطنية، في فلسطين كما في البلدان العربية، كانت وما تزال، إحدى القضايا الجوهرية القائمة أمام الوعي السياسي، كما أنها إحدى القضايا التي تتمركز فيها الوسيلة والغاية بقدر واحد فيما يتعلق بآفاق المستقبل، وذلك لما لها من دور حاسم في توحيد أو تشتيت القوى في المرحلة الحالية من صيرورة المجتمعات العربية، وهي مرحلة عاصفة، تعتمل فيها الصراعات الطبقية والاثنية والدينية الطائفية، جنباً إلى جنب مع تفاقم مظاهر التخلف والفقر المدقع في العديد من الدول العربية، خاصة في السودان والصومال وموريتانيا ومصر وفلسطين والمغرب والعراق، وأخيراً اليمن والذي ما زال النظام العبودي سارياً فيه –في العديد من المحافظات- حتى هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين بعد حوالي سبعين عاماً على إعلان "الجمهورية"!
وفي هذا السياق، أؤكد على وجود هذا النمط العبودي بدرجات متفاوتة في شبه الجزيرة العربية "السعودية" وسلطنة عُمان وبعض المشيخات "الامارات" الخليجية، الأمر الذي يشير إلى أن الوعي بالهوية الوطنية - كشرط لنضوج الوعي بالهوية القومية - هو وعي مشوه، ناقص، أو مُغَيّب، بسبب استمرار اختلاط الانماط القديمة العبودية والاقطاعية، القبلية والعشائرية، مع الأنماط الرأسمالية التابعة والمشوهة، والأمر لا يختلف بالنسبة لبقية البلدان في مغرب ومشرق الوطن العربي، حيث أن استمرار تفاقم مظاهر التبعية والتخلف إلى جانب الاستغلال الرأسمالي الكومبرادوري في هذه البلدان، أدى إلى توسيع الفجوات بين الأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية المضطهدة والمْستَغَلة من ناحية، وبين القلة الطبقية البيروقراطية الحاكمة وحليفها الكمبرادوري من ناحية ثانية، حيث جرى تكريس التخلف والإفقار والجهل لا فرق بين نظام ملكي أو جمهوري، من حيث تخلفهما وتبعيتهما وحرصهما على تبهيت أو تغييب الهوية الوطنية لحساب مصالحهما الطبقية، من هنا تتبدى ضرورة معالجة مسألة الهوية – كما يقول محمد عبد الجابري- "ككثير غيرها من المسائل، لكن هذه المعالجة تتوقف على الطريقة التي نتعامل بها معها، فإذا نحن نظرنا إلى الهوية من حيث الثبات، من حيث الهو – هو، ( وهذا هو معنى الهوية في اصطلاح المنطق الصوري: أ=أ ) فإننا سنجد أنفسنا "نتحرك" على نقطة ميتة، ولذلك كان من الضروري التعامل مع مسألة الهوية من زاوية تسمح بممارسة الفعالية العقلية فيها، وذلك بالنظر إليها أولاً من الزاوية التاريخية، الزاوية التي تفرض النظر إلى الاشياء، لا من خلال الثبات والجمود، بل من خلال التطور، من خلال تموجات التاريخ ... في هذه الحالة تصبح مسألة الهوية موضوعاً للفكر، يمارس العقل فعاليته عليها، وليس حالة وجدانية تجعل عقل صاحبها – وجسمه كذلك – يهتز على نقطة ميتة، لا يتقدم خطوة حتى يتراجع أخرى. علينا إذن أن ننظر إلى مسألة الهوية المطروحة علينا حالياً من منظور تاريخي، منظور موضوعه لا الهوية في صفتها الثابتة، بل الهوية من حيث أنها وعي بالذات منطور متجدد" .
بناء على ما تقدم، فإن مسألة الترابط والتفاعل بين مفهومي الوطني والقومي في سيرورة الانتماء المستقبلي، ولاسيما الانتماء القومي التقدمي الديمقراطي بوصفه الانتماء الأحدث في مسار التطور التاريخي على الصعيد العالمي، وبوصفه ضرورة تاريخية وراهنة لشعوبنا العربية، إلا أن هذه الضرورة يستحيل تحققها عبر مسار التخلف السائد في النظام العربي اليوم، بل على العكس لا بد من الممارسة الثورية -بالمعنى السياسي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي – للوصول إلى حالة من القطيعة مع هذه الانظمة وشرائحها الطبقية وتجاوزها، وهي مهمة صعبة ومعقدة وطويلة، تحتاج بشكل رئيسي إلى المثقف الطليعي، العضوي، بالمعنى الماركسي، عبر أحزاب يسارية تمارس دورها الفكري والسياسي والنضالي الجماهيري الديمقراطي في إطار الصراع الطبقي الداخلي، وتؤسس لكتلة تاريخية تمهد للسيطرة الثقافية والاجتماعية وصولاً إلى السيطرة السياسية، دون ذلك سيظل مفهوم الهوية الوطنية والقومية باهتاً وغامضاً ورومانسياً حالماً. فالهوية –بالنسبة إلى أي ماركسي- هي أولاً وأخيراً، ظاهرة اجتماعية تاريخية، يكمن جوهرها في الوجود الاجتماعي والصراعات الطبقية الاجتماعية التي تحدد سماتها، إذ أن هذه الصراعات وحدها القادرة على تفكيك وإزاحة اشكالية الهويتين الوطنية والقومية، بمثل ما هي قادرة ايضاً على تفاعلها معاً على طريق وحدتهما في اطار قومي عربي نهضوي تقدمي ديمقراطي، انطلاقاً من ان الصراع الطبقي وحده اليوم، الذي يمكن أن يبعث الحياة في الهوية العربية بوصفها مشروعاً نهضوياً مستقلاً، في مجابهة الهويات الطائفية، كما يقول بحق د.هشام غصيب الذي يرى أن "الهوية العربية مشروع نهضة ومستقبل في حين أن الهوية الطائفية والاثنية مجرد عوائق أمام تحقيق ذلك" .
وفي ضوء ما تقدم، يمكن التأكيد بثقة على أن الهوية* ليست اقنوما ثابتاً جاهزاً نهائياً، وإنما هي مشروع مفتوح متطور على المستقبل أي متشابك مع الواقع والتاريخ، وفضلاً عن هذا فهي ليست أحادية البنية أي لا تتشكل من عنصر واحد لها، هو العنصر الديني وحده أو الطبقي وحده، أو الاثنى القومي وحده، أو اللغوي وحده، أو الثقافي الوجداني والأخلاقي وحده، أو المصلحي وحده، أو الخبرة التراثية أو العملية وحدها. وغالباً هي حصيلة تفاعل هذه العناصر جميعاً، دون إغفال بروز أو هيمنة أحد هذه العناصر في مراحل معينة من التطور أو الهبوط والتراجع في هذا البلد أو ذاك في إطار عملية الصراع الطبقي.
علينا إذن أن ننظر إلى مسألة الهوية المطروحة علينا حاليا من منظور تاريخي، منظور موضوعه لا الهوية في صفتها الثابتة، بل الهوية من حيث إنها وعي بالذات، متطور متجدد.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار هو التالي: كيف تطور "الوعي بالذات" أو بالهوية القومية، عبر التاريخ، لدينا نحن العرب؟
في محاولة الإجابة على هذا السؤال، أقول لقد تشكلت الهوية القومية في العالم العربي وليدة ظروف راكمت سلسلة من الأزمات في اطار الصراع مع الدولة العثمانية بداية القرن العشرين، "والواقع أن الحضارة العربية الإسلامية لم تشهد التغاير أو التمايز أو الانشطار داخل "الهوية العربية الإسلامية" إلا عندما تأثرت النخبة العصرية في تركيا، خلال القرن التاسع عشر، بالحركات القومية في أوروبا، وقام فيها تيار بسيادة بتسويد القومية التركية الطورانية على مختلف القوميات المنضوية تحت الخلافة العثمانية، فكان رد فعل النخبة العصرية العربية في سوريا ولبنان (وخاصة المسيحية منها)، أن طرحت شعار المطالبة بالاستقلال عن الترك، الشيء الذي يعني الخروج عن الخلافة العثمانية التي كانت تمثل الإسلام السياسي الموروث. ومن هنا ظهرت فكرة العروبة والقومية العربية (في بلاد الشام خاصة) لا كطرف ينازع الإسلام أو ينافسه بل كتعبير سياسي عن الرغبة في التحرر من هيمنة القومية التركية الطورانية التي كانت تطمح إلى الاستئثار بالسلطة" ، وقد "تزامن انتصار دول أوربية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) مع هزيمة الإمبراطورية العثمانية، وبذلك تحول مجرى الأحداث، وأصبح "الآخر" بالنسبة لـ"العرب"، ابتداء من الثلاثينيات من القرن العشرين هو الاستعمار الأوروبي، الذي أدى التنافس بين أقطابه إلى تكريس نوع جديد من التقسيم والتجزئة داخل العالم العربي.
من هنا "أخذت الهوية العربية تتحدَّد، ليس فقط برفض الاستعمار الأوربي فحسب، بل أيضا بالتنديد بالتجزئة التي فرضها أو كرسها، وكذلك رفض الاعتراف بـ "إسرائيل" التي غرسها في فلسطين، ثم بالابتعاد عن الأحلاف العسكرية التي أنشأتها القوى الاستعمارية الإمبريالية وفي مقدمتها حلف بغداد CENTO الذي أنشأته بريطانيا عام 1955، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية . وكان ذلك الحلف يضم ثلاث دول إسلامية كبرى هي باكستان وإيران وتركيا، ودولة عربية واحدة هي النظام الملكي في العراق، مع تأييد كل من النظام الأردني والسعودي وذلك في إطار إستراتيجية الحزام العسكري الذي كانت تقيمه الولايات المتحدة والدول الغربية ضد الاتحاد السوفييتي.
هكذا وقع الفصل بين القومية العربية و"الإسلام السياسي" عبر الأنظمة الرجعية التابعة المشار إليها آنفاً، والتي فضلت مهادنة الدول الاستعمارية والسير في صف الإمبريالية ضد شعوبها وضد القومية العربية والاتحاد السوفييتي من جهة، وكرست جل جهودها ضد حركات التحرير في العالم الثالث عموماً، وضد النظام القومي الناصري والحركات الثورية التقدمية اليسارية العالمية والعربية خصوصاً من جهة ثانية.
وهكذا وقفت تلك الحكومات موقفا سلبياً من القضية العربية: قضية فلسطين، وقضية التحرر العربي عامة. وفي خضم هذا الصراع، ظهر منظرون وإيديولوجيون حاولوا، تحت ضغط هذه الملابسات، وبدوافع التحرر والتقدم والوحدة والاشتراكية، التنظير للقومية العربية مع استبعاد الإسلام السياسي نظراً لارتباطه الصريح بالأنظمة الرجعية، وبالاستعمار والإمبريالية.
وفي هذه المرحلة، تجلت مظاهر التناقضات والاختلافات العميقة بين كل من أصحاب الفكر القومي الحداثي العقلاني التنويري وبين التيارات الدينية السياسية الأصولية، خاصة الإخوان المسلمون، فالإخوان المسلمين دعاة أسلمة المجتمع والعودة إلى الخلافة، وكانت نشأتهم عام 1928 هي بداية التراجع عن قيم النهضة والحداثة التي انتشرت في بداية القرن العشرين، وكانت أيضاً، بداية تجريف – كما يقول نصر أبو زيد – لمفاهيم الوطن والمواطن باسم الأصالة التي تم تجريفها باختصارها في التراث الفقهي وباسم الهوية التي تم ابتسارها في "الدين" .
كان مشروع الإخوان المسلمين – وما يزال – مشروعاً دينياً ينظر لمفهوم المواطن والمواطنة والديمقراطية ومفاهيم العقل والعقلانية والعلمانية والحرية والمساواة، نظرة تشكك وريبة ونظرة رفض وتكفير، كما يصفها المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد.
هكذا تم تجريف الوطن باختصاره في دين الأغلبية، وتم تجريف الدين باختصاره في الرؤية الفقهية للعالم! وصولاً إلى المرحلة الراهنة، حيث صارت "الصدقات" وموائد الرحمن مجال للمنافسة بين الأثرياء، وصارت عشرات الفضائيات تعرض الفتاوى الدينية الشكلية في زواج المتعة والمسيار وإرضاع الكبير وتفسير الأحلام، إلى آخر هذه الفتاوى، ضمن اقتصاد السمسرة الكومبرادوي، بحيث نلاحظ – في ظل استشراء خضوع الأنظمة وتخلف المجتمعات العربية في هذه المرحلة – ولادة ظاهرة طارئة، فحواها أن التراث والفكر الديني السلفي المتعصب بات اليوم يسحب المجتمعات العربية إلى الوراء، ونعتقد أن السبب في انتشار هذه الظاهرة يعود إلى "طبيعة" هذه المجتمعات التي تغلغلت في أوساطها مظاهر القلق والإحباط واليأس الناجم عن تزايد المعاناة والفقر والبطالة والفساد، دونما أي أفق أو ضوء يؤشر على الخلاص، وبالتالي لم يكن مستغرباً عودة هذه المجتمعات إلى الخلف بالمعنى التراثي، أو إلى الفكر الديني السلفي ثم تستسلم له، ليقودها – كما يقول الراحل نصر أبو زيد – بحيث أن مظاهر وأوضاع البطالة والفقر والهبوط السياسي والفساد وكل مشكلات المجتمع العربي "تُحَوّل إلى قضايا تحلها العودة إلى قيم الدين، وعلى رأسها عودة المرأة إلى البيت والحجاب والنقاب" .
إن استمرار وتأجج الصراع الوطني، والقومي بدرجات أقل، ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي، وصولاً إلى مرحلة ما بعد عام 1958، حيث بدأت السيطرة الإمبريالية الأمريكية على العديد من مناطق الوطن العربي، واشتعال الصراع ضد المصالح والمخططات الإمبريالية الأمريكية، خاصة عبر النظام الوطني، القومي، الذي قاده جمال عبد الناصر منذ العام 1952 حتى 1970، حيث بدأت بعد رحيل القائد عبد الناصر وبداية عصر الانفتاح الساداتي مرحلة جديدة عنوانها: تكريس الهزيمة عبر تكريس التبعية والخضوع للنظام الأمريكي وحليفة الصهيوني، وهي مرحلة ممتدة في الزمان العربي حتى اللحظة، لكن بالرغم من كل هذه الحالة التراجعية العربية الرسمية، وتزايد تكريس الحالة القطرية في دول النفط خصوصاً، إلا أن الإحساس الشعبي –العفوي- الفلسطيني والعربي، بقي وما زال مخلصاً للهوية القومية، ويتطلع إلى تحقيقها وتجسيدها في نظام عربي وحدودي تسوده العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وإذا صح هذا الاستنتاج، فإن "الأزمة القائمة ليست، على هذا الأساس، أزمة هوية، وإنما هي أزمة مجتمعية أساسها إخفاق القوى القائدة للمجتمع العربي من التصدي لمواجهة التحديات التي يواجهها" ، الأمر الذي يتطلب من قوى اليسار الماركسي العربي أن تبادر إلى بلورة دورها الطليعي، من حيث التفاعل والتوسع والانتشار في صفوف الجماهير الشعبية، بما يحقق انتقال وتطوير الإحساس الشعبي العفوي، لكي يتفاعل بدوره ويستجيب لمفاهيم وأهداف وشعارات هذه القوى التي يتوجب عليها الإدراك الواعي للأبعاد والأسباب التاريخية (الحديثة والمعاصرة) التي تستدعي النضال من أجل تفعيل الهوية الوطنية تمهيداً لبلورة الهوية القومية، وذلك عبر الاحاطة بعاملين هامين في هذا الجانب:
العامل الأول: يتعلق بمراحل تطور الهوية العربية في التاريخ المعاصر
منذ مطلع القرن التاسع عشر كان المشروع المصري للنهضة بقيادة "محمد علي"، يسعى إلى الاقتراب والتفاعل مع المشروع العربي الذي كان في تلك المرحلة جزءاً من المسألة الشرقية _ كما يقول د. فؤاد مرسي_ "وعندما اتخذ لنفسه بعض القوام في النصف الثاني من القرن 19، كان سعياً للخلاص من السيطرة العثمانية الغاشمة، لكن المشروع العربي _في تلك المرحلة_ ظل دعوة غامضة للنهضة العربية في وجه كل من الاستبداد الشرقي والاستعمار الغربي" .
ومع الحرب العالمية الأولى، تم تقسيم الوطن العربي بين القوى الإمبريالية في الوقت الذي بدأ فيه طرح المشروع القومي، سواء من خلال تبلور الأقطار العربية وسعيها لنيل الاستقلال السياسي، أو من خلال مواجهة الخطر الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، وظل الأمر كذلك حتى قامت الحرب العالمية الثانية، وتزايد نشاط الحركات التحررية العربية الذي مهد لإعادة طرح المشروع القومي العربي من ناحية، وفي المواجهة مع الغزوة الصهيونية والاستعمار من ناحية ثانية، حيث بدأت تتخلق معالم البعد القومي في العديد من حركات التحرر العربية. وطوال أكثر من 80 عامًا مضت، ظل المشروع القومي العربي مطروحاً على الشعوب العربية بقوة، سواء كان ذلك في فترات المد السابقة أو في فترات الجزر والانحطاط الحالية.
ولذلك قلنا أن الحرب العالمية الثانية، قد أسفرت عن إعادة طرح المشروع القومي العربي بقوة، وبخاصة بعد الفشل في صد الغزوة الصهيونية، ومن ثم اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها وقيام "دولة إسرائيل"، وفي هذه المرة أعيد طرح المشروع القومي العربي على مستويين، _كما يضيف د. فؤاد مرسي_ مستوى النظم ومستوى الشعوب، أما على مستوى النظم، فقد تبلورت قضية الاستقلال السياسي للأقطار العربية بالتفاهم مع الاستعمار في صورة قيام جامعة الدول العربية. وأما على مستوى الشعوب فقد انطلقت حركة التحرر الوطني العربية في مواجهة العدو الواحد أو المشترك، وتجسدت نواة التوحيد القومي في مواجهة العدو الصهيوني الإمبريالي المشترك على أرض فلسطين، وأصبح المشروع القومي العربي مشروعا للتوحيد القومي وليس مجرد مشروع للنهوض العربي، واستند هذه المرة إلى الثورة المصرية وقائدها "جمال عبد الناصر" وتحددت في النهاية معالمه المعاصرة بوصفه حركة للتحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والتوحيد القومي. وهكذا بينما شهدت الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين ازدهار المشروع القومي العربي، فإنه قد انتكس منذ وفاة القائد جمال عبد الناصر، وانهيار النظام الناصري في السبعينيات وفي ضوء سياسة الانفتاح وصولاً إلى كامب ديفيد في نظام الرئيس السادات، ثم حسني مبارك، وصولاً إلى الرئيس السيسي ومرحلة الانحطاط العربي الراهنة.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن المشروع القومي العربي، أصيب بهزيمتين فادحتين، أما الأولى فهي هزيمة عسكرية أمام إسرائيل في عام 1967، أما الثانية فهي هزيمة سياسية تمثلت في إقرار مشروعية الوجود الصهيوني في فلسطين ووضع مبدأ الصلح المنفرد مع إسرائيل، بما يعني تصفية القضية الفلسطينية، ولقد تم ذلك في اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 وبعدها وصولاً إلى أوسلو ووادي عربه وما يسمى بـ"المبادرة العربية" 2002 وصولاً إلى التطبيع والاعتراف بدولة العدو الصهيوني منذ عام 2020 إلى اليوم.
ففي ضوء التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي أصابت المجتمعات والأقطار العربية، غدت هذه الأقطار مجتمعات رأسمالية تابعة، حيث سيطرت عليها الفئات المالية والتجارية الكومبرادورية، ذات الروابط الوثيقة برأس المال والتجارة العالميين، واتسعت هوة الفروق الاجتماعية الفاحشة، واتخذت الأغلبية الساحقة من النظم العربية مكانها في صفوف الثورة المضادة، التي جثمت بثقلها الأمني الاستبدادي الرهيب على أنفاس شعوبها عموماً وعلى الأقليات الأثنية خصوصاً (الامازيغ والأكراد والنوبة وغيرهم)، مع تراكم المزيد من عوامل التبعية والتخلف والإفقار والقهر.
إن هذا الواقع العربي، المهزوم والمأزوم، أثار _وما زال_ كثيراً من المرارة والرفض لدى الجماهير الشعبية الفقيرة عموماً، ولدى الأجيال الشابة خصوصاً التي فقدت - إلى درجة عالية- الثقة في قدرة ومصداقية القيادات القومية واليسارية وأحزابها على تحقيق الأهداف التحررية والمطلبية الديمقراطية، ليس على الصعيد الوطني فحسب، بل أيضاً على تحقيق المشروع القومي العربي، بعد أن فقدت كلياً ثقتها في الأنظمة القائمة، إلى درجة أن هذه الأجيال تتساءل اليوم عن هويتها، من نحن؟
لكن يبدو أن استتباع وهزيمة النظام العربي، والانتهازية المنتشرة –بهذه الدرجة أو تلك – في صفوف القوى اليسارية والقومية، التي هبط وارتد بعضها عبر التصالح مع السلطة والأنظمة، الأمر الذي دفع قسماً كبيراً من الأجيال الشابة إلى أن تتوجه بنظراتها إلى ملكوت السماوات، من خلال التحاقها بالحركات الدينية الأصولية –بدوافع واسباب اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى- دون ادراك منها أن الالتحاق بالحركات اليمينية تعني المزيد من الاستسلام – بوعي أو بدون وعي- لهزيمة المشروع الوطني والمشروع القومي العربي معاً لأن عملية الالتحاق بالتيارات الدينية اليمينية - تُشكل نكوصاً إلى مواقع خلفية للاحتماء بها والدفاع انطلاقاً منها، خاصة في ظل تزايد مظاهر التخلف والانحطاط والافقار في المجتمعات العربية، وخضوع النظام العربي للشروط الأمريكية/ الإسرائيلية، الى جانب استمرار عجز وضعف وتراجع القوى الديمقراطية الوطنية واليسارية القومية عن التأثير في هذه الأجيال أو استقطابهم عبر ممارسات سياسية وجماهيرية نضالية تقوم بتعرية وفضح المصالح الطبقية باعتبارها السبب الرئيسي لما وصلت إليه أحوال مجتمعاتنا وشعوبنا، وكذلك عبر الاهتمام بقضايا الشباب ومستقبلهم، وتوعيتهم بطبيعة تطور العلاقة التاريخية في العصر الحديث، بين الإسلام السياسي والتنوير والحداثة كما طرحها في منتصف القرن التاسع عشر رفاعه الطهطاوي، ثم محمد عبده وعلي عبد الرازق وأحمد أمين ولطفي السيد وطه حسين، في ثلاثينيات القرن العشرين، في سياق المناخ الليبرالي العقلاني السائد آنذاك، ثم استعراض وتناول أسباب وأهداف نشوء حركة الاخوان المسلمين وظاهرة المد الأصولي الراهنة، بما يوضح الفارق الخطير في العلاقة التاريخية بين الدين والمدنية الحديثة أو مفاهيم عصر النهضة كما تجلت في العقود الأولى من القرن العشرين، فبينما طرحت في الماضي بوصفها علاقة جدلية بين العقلانية والتنوير من ناحية، وبين النزعات والتيارات الدينية من ناحية ثانية، فإنها طرحت من قبل حركة الإخوان المسلمين، وما زالت إلى الآن – في القرن الحادي والعشرين - كعلاقة ميتافيزيقية من جانب واحد، وبينما طرحت في الماضي بوصفها تناقضاً غير عدائي يقوم على الحوار العقلاني والاستنارة الدينية، تطرح الآن بوصفها تناقضاً عدائياً لا يحل إلا بإلغاء أحد طرفيه، حيث تبدو العودة إلى السلفية أو الاصولية أو التراث اليوم -في أحد أوجهها- بمثابة صرخة احتجاج في وجه الغرب الأقوى منا حالياً، وفي هذه الحدود تصبح تلك الدعوة مجرد رد فعل أكثر منها فعلاً أصلياً، وتبدو كاحتجاج سلبي ضد الغرب يركز على بعث ما مضى وليس على خلق جديد يواجه تحديات الحاضر، واحتياجات المستقبل، على قاعدة رفض ومقاومة الرأسمالية ونظامها الإمبريالي، والانحياز الصريح للفقراء والكادحين من جهة، والتحام النضال الوطني التحرري والديمقراطي في كل قطر عربي في إطار المشروع الاستنهاضي القومي الوحدوي التقدمي الكفيل وحده باجتثاث الوجود الصهيوني في بلادنا واستعادة فلسطين كلها كدولة ديمقراطية، إلى جانب حل المسألة اليهودية في إطار المجتمع العربي الاشتراكي الموحد من جهة ثانية.
على أي حال، ولكي أُغلق الباب في وجه أي تفسير تشكيكي أو تكفيري أو انتهازي مغرض أو منافق، ضد الموقف الموضوعي من مسألة التراث، فإنني أقول بصراحة ووضوح، إن موقفي ينطلق من النظر والتعامل مع التراث باعتباره جزءاً من الثقافة العربية، وباعتبار الثقافة تطوراً من خلال تطور البشر أنفسهم، ما يعني "أننا نستطيع التمييز بين نوعين من التراث، النوع الأول هو التراث المحفوظ أو المخزون وذلك هو التراث المتحفي، أما النوع الثاني فهو التراث الحي الذي يتواجد بشكل أو بآخر في الممارسات الحية للشعوب، وذلك هو التراث فعلاً" .
وفي هذه الحدود فلا مشكلة هناك، لكن المشكلة تبدأ حينما تبدأ المحاولة للتسوية أو الدمج الأحادي بين الهوية والتراث، بحيث يصبح هو المكون الوحيد لها، وعندئذ فإن التراث يعمل وكأنه "كان في خزانة حديدية محكمة الإغلاق"، وتصبح هذه القراءة السلفية للتراث قراءة لا تاريخية، لا تفيد سوى التكرار، تكرار التراث نفسه، بل تتم عندئذ "قراءة المستقبل بواسطة الماضي وتصبح العملية هي رفض للواقع وهجرة إلى الماضي المتخيل وتخل عن المستقبل، وبالتالي افتقاد الاستقلال التاريخي أو العجز عن تحقيق هذا الاستقلال" ، ما سيؤدي إلى تكريس أهداف ومصالح الشرائح الاجتماعية الطبقية في كل من النظام العربي الحاكم والمجتمعات العربية، ومن ثم تكريس التبعية للإمبريالية، وتجديد التخلف، وتزايد مظاهر الفقر والمعاناة والاضطهاد للطبقات والشرائح الفقيرة في ظل انقسام طبقي حاد غير مسبوق في بشاعته بين أغنياء أو أثرياء مستغلين (بكسر الغين) وطفيليين لصوص وسفهاء، وبين فقراء كادحين معدمين لا يجدون -في معظمهم- قوت يومهم وأولادهم، كما لا يجد بعضهم مأوى له وعائلته في بعض البلدان العربية سوى في المقابر!
ثانياً: البحث عن الهوية العربية في سياق العملية القومية ونشأتها في أوروبا
لقد بدأ الاتجاه نحو الدولة القومية في أوروبا في القرن السادس عشر، وسادت الظاهرة القومية فيها ابتداءً من القرن التاسع عشر، وكان عهد انتصار الرأسمالية الحاسم على الإقطاع مقترناً بانتصار الحركات القومية، "وأساس هذه الحركات من الناحية الاقتصادية موجود في الإنتاج لا في التبادل، فعندما يتفوق الإنتاج السلعي أي الإنتاج من أجل السوق على غيره من أشكال الإنتاج، وعندما تصبح له الغلبة بالنسبة إلى هذه الأشكال الأخرى، فإنه يستدعي قيام البرجوازية بالاستيلاء أو بالسيطرة على السوق الداخلية، ومن ثم العمل على توحيد الأراضي التي يتكلم سكانها لغة واحدة في دولة واحدة وإزالة كل حاجز من شأنه أن يحد من تحقيق ذلك الهدف القومي أو الوحدة في دولة سياسية قومية واحدة" .
والسؤال هنا؟ لماذا إذن لم تتطور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية العربية في القرون الماضية إلى نظام رأسمالي على الرغم، مما عرفته تلك الأوضاع من اقتصاد سلعي؟
من الواضح ان أحد الأسباب الرئيسية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، يعود إلى "عدم تفوق الإنتاج السلعي في البلدان العربية، بحيث يقوم بتصفية الأسواق المفتتة الضيقة لحساب سوق موحدة واسعة تكون بدورها أساساً لتطوير أكبر لفنون الإنتاج وتنظيماته، فإنه بتكوين هذه السوق الداخلية الموحدة الواسعة تتهيأ الظروف لقيام السوق القومية" .
على أن هذه الاجابة، تستدعي سؤالاً آخر: لماذا لم يتفوق الإنتاج السلعي حتى الآن في العالم العربي؟ الواقع أن العالم العربي قد سقط في غيبوبة حضارية كاملة في ظل الفتح العثماني الذي أحكم قبضته على العرب، منذ بداية القرن السادس عشر حتى أوائل القرن العشرين، حيث أدت الحرب العالمية الأولى إلى هزيمة وتصفية الامبراطورية العثمانية، ومع نهاية الحكم العثماني كانت الدعوة العربية هي دعوة للاستقلال الذاتي الثقافي لم تلبث أن تحددت في بداية القرن العشرين بالوقوف في وجه كل من الاستبداد الشرقي والاستعمار الغربي، وعندئذ اختلطت الدعوة العربية بالدعوة لاستقلال كل قطر عربي على حدة، حيث تحقق هذا الاستقلال بصورة شكلية في ظل الهيمنة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة، حتى أن نشأة جامعة الدول العربية كانت انعكاساً في تأسيسها لتلك الهيمنة إن لم يكن بقرار منها.
وإذا كانت الأقطار العربية الآن قد حافظت على استقلالها السياسي الشكلي في معظمه، وإذا كانت قد طورت اقتصادها وفق أسس رأسمالية واضحة، فإنها ما زالت مجتمعات رأسمالية مشوهة، بل إن تطورها الرأسمالي لم يَصُبْ في مجرى تطوير أسواقها الداخلية المفتتة بقدر ما ربطها أكثر من ذي قبل بالسوق الرأسمالية العالمية، ولذلك تخلفت عملية تكوين السوق القومية العربية حتى الآن، وتخلفت القضية القومية العربية بأسرها، ولم تعد قضية الهوية العربية (الوطنية والقومية) مطروحة بقوة على جدول هموم وتطلعات الشعوب العربية أو في مشاعرها العفوية وأحاسيسها، بل أصبحت مطروحة وموزعة بين قيم الاستسلام واليأس واللامبالاة، وبين الهوية الدينية العفوية التي تأثرت بظاهرة "الإسلام السياسي". وهنا لا بد أن نشير إلى أن بقاء الأوضاع العربية (السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية) على هذه الحالة من التبعية والخضوع للشروط الإمبريالية الصهيونية، فلا مناص من احتمال تزايد انتشار هوية "الإسلام السياسي" في أوساط الجماهير الشعبية بما يؤدي إلى مزيد من تراكم عوامل التخلف والاستتباع، فهل تبادر قوى اليسار الماركسي القومي إلى حالة من اليقظة والاستنهاض – السياسي والمعرفي والمجتمعي والتنظيمي – لكي تتحمل مسئولياتها وصنع مستقبل شعوبها قبل فوات الأوان؟
أما المسألة الأخرى في هذا الجانب، فهي تتعلق بالبحث عن الهوية في الظاهرة القومية، بما يفتح السبيل إلى الكشف عن العلاقة المباشرة وغير المباشرة، فيما بين الهوية ومعها التراث من جانب وبين التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية العربية من جانب آخر، وأقصد هنا بالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية، النظام الاجتماعي الاقتصادي للمجتمع المعين، الذي يتشكل من بنيانين أو هيكلين، أحدهما تحتي هو أسلوب الإنتاج بما ينطوي عليه من قوى منتجة وعلاقات إنتاج، والبنيان الآخر فوقي أو علوي وهو مجموعة العلاقات الاجتماعية الأخرى، غير علاقات الإنتاج بالإضافة إلى الوعي الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن "أسلوب الإنتاج هو الذي يُكَوِّنْ الأساس المادي للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية وهو أيضاً البنيان التحتي الذي يشكل الهيكل العظمي لها. أما البنيان الفوقي، فإنه يرسم للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية، صورتها الخارجية القانونية والسياسية والفكرية" .
وبالإضافة إلى هيكلي التشكيلة الأساسيين (البنيان الفوقي والتحتي) فإنها تحوي كثيراً من الظواهر الاجتماعية الأخرى مثل صلات الناس التراثية والجماعية التاريخية، كالعشيرة والقبيلة والأسرة والشعب وحتى الأمة، ومثل العلوم الاجتماعية وبعض التنظيمات الاجتماعية والعلمية والرياضية واللغة.
فالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية إذن، "هي تعبير عن فترة كبيرة في تاريخ المجتمع تتميز بمجموعة محددة نوعياً من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وكذلك من الحياة الروحية، أي أنها المجتمع ككل في مرحلة معينة من التطور التاريخي، وهي مجموع العلاقات الإنتاجية المطابقة للقوى المنتجة، ومجموع الأبنية الفوقية التي تطابق تلك العلاقات الإنتاجية وتكسو الهيكل العظمي باللحم والدم والأعصاب" .
وهنا، أشير أيضاً إلى أن التفاعل بين علاقات الإنتاج والقوى المنتجة "يتخذ في البداية صورة التطابق، إلى أن تصبح علاقات الإنتاج قيوداً على نمو القوى المنتجة، إذ أنهما ينموان بشكل غير متساوٍ، ومع ذلك ففي أسلوب الإنتاج توجد الوحدة الجدلية بين العلاقات الفنية والتنظيمية للإنتاج كما تنعكس في صورة القوى المنتجة وبين العلاقات الاقتصادية بين أفراد المجتمع كما تنعكس في صورة علاقات الإنتاج" .
وإذا كانت القوى المنتجة هي الجانب الأكثر ثورية في أسلوب الإنتاج، فإن الثورة تكمن في قوى الإنتاج، نعني في وسائل الإنتاج، كما هو الانقلاب الصناعي الذي قد يكون بطيئاً وقد يكون متسارع الخطى، وكذلك الاكتشافات العلمية والاختراعات التكنولوجية كلها تبعث إلى الوجود بقوى اجتماعية جديدة تأخذ على عاتقها مهمة إعادة تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالثورة إذ تحرر المجتمع من الأبنية والهياكل القديمة التي كانت تكبله، فإنها تخلق في نفس الوقت الأشكال الاجتماعية الجديدة التي تناسبها.
الأهمية الخاصة للبنيان الفوقي
يرى د. فؤاد مرسي أن البنيان الفوقي "لا يقوم بشكل تحكمي، بل يتمشى مع الأساس الاقتصادي للمجتمع، نعني أسلوب الإنتاج، مع القوى المنتجة ومع علاقات الإنتاج، ويتشكل البنيان الفوقي من مجموع العلاقات الاجتماعية غير علاقات الإنتاج، بالإضافة إلى الوعي الاجتماعي ولذلك يتشكل البنيان الفوقي من مجموعة النظم والمؤسسات والمبادئ التي تعمل في كل من مجالات القانون والسياسة والفكر" .
ومع أن البنيان الفوقي –كما يضيف د. فؤاد مرسي- يظل محكوماً بالأساس الاقتصادي للمجتمع، إلا أن دور البشر في هذا المجال هو الدور الأكبر والرئيسي، إذ يتوقف الأمر هنا على النشاط الواعي للناس، لا سيما أولئك الذين يتصدون لقيادة الطبقات والفئات الاجتماعية. وهكذا نتبين العلاقة الجدلية بين كل من العامل الذاتي والعامل الموضوعي، فالعامل الموضوعي هو قبل كل شيء إنتاج مادي وعلاقات إنتاجية يحددها مستوى تطور القوى المنتجة الذي تم التوصل إليه من قبل، أما العامل الذاتي فهو الناس أنفسهم وإرادتهم في التقدم وتنظيم هذه الإرادة في صورة النشاط التحويلي العملي للجماهير في الطبيعة وداخل المجتمع" . وبينما يتخذ دور البشر في تغيير البنيان الفوقي القديم أهمية كبرى، فإن هذا البنيان الفوقي يتميز بطابع محافظ ينطلق من مهمة حماية علاقات ملكية وسائل الإنتاج، أي المحافظة على النظام الاجتماعي الاقتصادي.
وهنا ينبغي التمييز داخل كل تشكيلة جديدة بين العناصر التي انتقلت إلى البنيان الفوقي من التشكيلة القديمة وبين العناصر التي أوجدتها التشكيلة الجديدة أو المجتمع الجديد. فهذه الأخيرة وحدها هي نتيجة تطور أوضاعه الاقتصادية، أما العناصر الأولى فهي الجذور التاريخية التي يتشكل البنيان العلوي على أساسها.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن مجتمعاتنا العربية، بسبب تطورها المشوه، التابع والمتخلف، ما زالت محكومة _بدرجات متفاوتة للبنيان الفوقي الموروث علاوة على القيم الاستهلاكية الهابطة التي تشكل اليوم جزءاً أساسياً من البنيان الفوقي المعاصر المحكوم بعناصر وأدوات التخلف رغم أشكال الحداثة الرثة السائدة في ذلك البنيان، حيث نلاحظ أن البنيان الفوقي في فلسطين والبلدان العربية، اتخذ من الماضي علاقات وأفكار اجتماعية لم تعد صالحة منذ بداية القرن العشرين، لكنها تسترد صلاحيتها اليوم _كما هو الحال في معظم المجتمعات العربية في ظل التكوين الاجتماعي "الجديد"، فهناك عناصر كثيرة موروثة من أبنية علوية لمفاهيم وشعارات دينية وثقافية لا تنتمي للاستنارة الدينية أو التفسير العقلاني للظواهر الطبيعية والعلمية والسياسية، وتلك هي الإشكالية الكبرى مع التيارات السلفية الرجعية، وبالتالي فإن رفضنا لهذه السلفية، لا يعني أبداً إنكارنا لدور الدين واستمراريته في مجتمعاتنا، بصورة موضوعية، لكننا بالمقابل نؤكد على أهمية التعاطي مع القضايا الدينية في إطار مفاهيم التنوير والعقل والديمقراطية، وفي هذا الجانب نقول بوضوح، إن نضالنا من أجل الخلاص من النظام الرأسمالي وكل أشكال الاستغلال ومن أجل النهوض القومي التقدمي الاشتراكي، لا يعني بأي حال تجاوز واقع أن الدين الإسلامي سيظل موضوعياً جزءاً هاماً من البنيان الفوقي حتى في ظل النظام الاشتراكي الديمقراطي، ولكن مع أهمية الأخذ بعين الاعتبار التطورات والتحولات المجتمعية الحديثة التي تستهدف الارتقاء بالجماهير الشعبية، دون أي تأثير مباشر في انتماءها الديني وتراثها الموروث.
ومن هنا استطاع مؤسسو الماركسية أن يقولوا أن الماركسية قد استوعبت وأعادت صياغة كل ما له قيمة في تطور الفكر البشري من فلسفة وعلم وسياسة، كما أكدوا لنا أن الاشتراكية لن تبنى من غير العديد من العناصر التراثية الإيجابية، وما أكثرها في تاريخنا.
ومع أن للسياسة في نهاية الأمر منطقها الموضوعي المستقل عن مخططات الأفراد، فإن من الضروري تحويل الناس، خاصة في الحقل السياسي والاجتماعي الطبقي، من أناس سذج يخدعهم الآخرون ويستغلونهم إلى أناس فاعلين ساعين لتحديد آفاق تطور المجتمع في إطار مفاهيم العدالة والمساواة، بما يضمن تحويل النشاط الواعي للناس الذين يصنعون التاريخ إلى نشاط يصب في تحقيق تلك المفاهيم.
من هنا تتعدد أشكال الوعي الاجتماعي، تتعدد أشكال الإنتاج غير المادي للمجتمع، كما تتعدد أشكال المعرفة ومنها الثقافة التنويرية العقلانية الديمقراطية كشرط للتحرر الوطني والقومي النهضوي الديمقراطي.
وكما أوضحا "ماركس" و "إنجلز" في كتابهما (الأيديولوجية الألمانية)، فإن أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر هي الأفكار السائدة، والطبقة التي تشكل القوة المادية في المجتمع هي في الوقت نفسه القوى الفكرية السائدة في هذا المجتمع، والطبقة التي تتحكم في وسائل الإنتاج المادي تسيطر في الوقت ذاته على وسائل الإنتاج الفكري، بحيث أن أفكار الذين يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الفكري تكون خاضعة لها، وهنا تصبح الثقافة في المجتمع محكومة لازدواجية متناقضة، فإلى جانب ثقافة الحكام توجد أيضاً ثقافة المحكومين، وفي كل مجتمع فإن الصراع بين الطبقة السائدة وبين الطبقة المرشحة للسيادة يتحول إلى صراع في مجال الثقافة، وعندئذ فإن الطبقة المرشحة للسيادة مستقبلاً _نقصد بذلك العمال و الفلاحين وكل الفقراء والكادحين_ تُدْخل في المجتمع أفكارها ووجهات نظرها و تقييمها للنظام السياسي الذي تزمع أن تدمره، كما تقوم – في نفس الوقت- بتطوير الثقافة الروحية السائدة في المجتمع، انطلاقاً من أن الثقافة لا تُخلَق بواسطة الناس فقط، وإنما هي تُخلَق من أجلهم أيضاً وهذه الثقافة هي عندئذ معيار إنسانية المجتمع.
فالثقافة توجد وتعمل وتتطور إذن في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية معينة، وفي مناخ سياسي وفكري نوعي معين، بحيث أن العلاقة بين الثقافة من جانب والظروف الاقتصادية والاجتماعية والمناخ السياسي والفكري من جانب آخر ليست بالعلاقة البسيطة وبين الجانبين تناقضات حافلة، فتطور الثقافة يتحدد بالظروف المادية للحياة الاجتماعية.
وكان لينين وهو يطرح ضرورة الثورة الثقافية قد عالج القديم والحديث في مجال الثقافة، وذلك بأن طرح مهمة الجمع بين الثورة الاشتراكية من جانب وبين الثقافة البرجوازية والعلم البرجوازي والتكنولوجيا البرجوازية من جانب آخر.
لكن المشكلة تطرح في بلادنا العربية مثلما تطرح في البلدان النامية على نحو آخر، فهذه البلدان تناضل من أجل تحرير أنفسها من الثقافة الغربية ذات الطابع الاستهلاكي الرث، المفروضة عليها بحكم التبعية الخارجية، وفي نفس الوقت، فإن تحديث تلك البلدان ينطوي على استيعاب أفكار الحداثة الغربية، ومن هنا فإنها تسعى لدخول القرن الواحد والعشرين بزاد أساسي اجتماعي ثقافي من صنعها هي نفسها، بوصفها قوى مستقلة مشاركة في صنع التاريخ وليس بوصفها موضوعاً للنفوذ الأجنبي.
ومن هنا يأتي البحث في التراث الثقافي العربي، في محاولة لإبراز هذا التراث ذي النزعة الإنسانية، والتأكيد على هذه النزعة في مواجهة لا إنسانية الغرب الاستعماري، لكن هذه الدعوة المشروعة تماماً تتحول عادة في التطبيق ونتيجة لعموميتها وعدم تحديدها إلى دعوة ينقصها التمييز – التمييز بين ثقافة وثقافة.
إن انجاز الثورة العربية "لا يمكن بحال أن يتناقض مع الحفاظ على التراث، بل إن الثورة الاشتراكية، وهي مهمة من مهام الأجيال المقبلة لا يمكن أن تقوم في فراغ، بل هي لا تنفي أبداً التمسك بالتراث والقيم الروحية، فالثورة إنما ترمي فقط إلى تحطيم علاقات الإنتاج وعناصر البنيان الفوقي القائمة التي تكبح التطور الاجتماعي وتعيقه مع الحفاظ على كل ما يلاءم العملية الثورية وكل ما هو ايجابي مما ورثناه عن السلف للأجيال القائمة" .
المبدأ إذن هو الحفاظ على التراث وعدم رفض الانجازات القيمة للعصور السالفة، بل تمثلها وإعادة صياغة كل ما له قيمة، مما أنجبته الثقافة طوال آلاف السنين، فثقافة اليوم هي محصلة للخلق الجديد وللتراث المتجدد، ومن ثم فإن التراث يعتبر استمراراً للتطور الحضاري وبهذه الصفة فهو ضروري.
إن التراث بهذا المعنى هو ظاهرة استمرار التطور الحضاري، بعبارة أخرى فإن علينا أن نميز بين نوعين من التراث: الأول هو النوع الذي يعبر عن سلطان العجز والركود والروتين عن سطوة القديم على عقول وسلوك الناس وعن قوة العادات والتقاليد، وهو إن لم يتفق مع مسيرة تطور المجتمع نفسه فلا حاجة إليه.
والنوع الثاني ويمثل استمرار التطور الحضاري للمجتمع، أي صلاحية المعرفة المتراكمة لخدمة الحاضر والمستقبل، فهذا هو التراث حقاً الذي يقوم ليس فقط على قوة العادات والتقاليد، بل يستند إلى استمرار الحاجة إليه، ويجوس في المجتمع مثلما تجوس المياه الباطنية، فتغذي جذور النبات فيزداد نماء، هو بالدقة تراث متصل أو ثقافة ممتدة أو حضارة مستمرة – ومن ثم يتكفل مثل هذا التراث بنقل خبرة الماضي إلى المستقبل وتتمثل مهمتنا بالدقة في هضم وتمثل النتائج الايجابية المتراكمة بفضل استمرار الحضارة الروحية للبشرية.
المراحل التاريخية لتكون الهوية الوطنية
مرت الهوية الوطنية – في بلادنا بأربع محطات هي
• الأولى: هي الكولونيالية، حين أسست الإدارة الاستعمارية شكلاً من أشكال الكيانات السياسية، التي أخضعت وعي شعوبها لمتطلبات تلك الكيانات القطرية التي ساهم الاستعمار في تأسيس منظميها.
• الثانية: هي مقاومة الاستعمار التي تستمر حتى تحقيق الاستقلال السياسي.
• الثالثة: فهي محطة توسع وانكماش الأمة/الشعب. فعن طريق ضم أراض جديدة أو مجموعات سكانية إضافية، أو عن طريق انفصال أجزاء من الأمة -أرضاً وسكاناً- عن الوطن الأم، فإن هذه العملية من التوسع والانكماش أثرت سلباً في صميم تشكل وتبدل الهوية.
• الرابعة: تكمن في الصراعات والتناقضات الداخلية التي قد تأخذ شكل الحرب الأهلية، أو الثورة أو النزاعات الطائفية أو العرقية التي تريد أن تعيد تعريف الهوية الوطنية، حسب منظور كل طرف من أطرافها.
تحولات الهوية الوطنية الفلسطينية ومتغيراتها:
فيما يتعلق بالهوية الفلسطينية، فإن النماذج السابقة، لا تتطابق – بعموم ما ورد فيها – مع الحالة الفلسطينية، لأسباب كثيرة؛ ففي النموذج الأول، يسعى الآخر (العدو الصهيوني) إلى تفتيت هوية الفلسطينيين إلى أقليات عرقية وطائفية، من مسلمين ومسيحيين ودروز وبدو وشركس، إلا أن هذا المخطط تفتت أمام الوعي الوطني لأبناء شعبنا في الأرض المحتلة 48، الذين تمكنوا من الحفاظ على هويتهِم العربية الفلسطينية.
لكن الهوية الوطنية الفلسطينية، تتقاطع فيما يتعلق بالمحطة الأولى [الكولونيالية]، والمحطة الثانية [المقاومة]، دون الوصول إلى [الاستقلال].
أما المحطة الرابعة [الانفجار الداخلي = الحرب الأهلية] فهي لم تتحقق بشكلها اللبناني أو العراقي والسوداني واليمني والصومالي فحسب، وإنما أيضاً بين هويتين (الهوية الوطنية، وهوية الإسلام السياسي) تمثلت في صدامات واحتراب بين أكبر فريقيين في فلسطين (فتح وحماس) سياسياً وعسكرياً في قطاع غزة تحديداً.
فالمشروع الوطني الفلسطيني كان حائراً بين فلسطينيتهِ وعروبتهِ، خاصة بعد تعديل الميثاق القومي الفلسطيني عام 1969، ليصبح ميثاقاً وطنياً –بعد أن تولت حركة فتح / ياسر عرفات قيادة م.ت.ف - وبالتالي لم يستطع تحقيق التوازن المطلوب في مسيرته الوطنية نظراً لانفصامه عن البعد القومي، ومن ثم كان من الطبيعي أن تتعرض تلك المسيرة لكثير من مظاهر الخلل والهبوط والتراجعات الحادة التي أوصلتها إلى أوسلو وسلطة الحكم الذاتي، ثم المزيد من الهبوط والتراجع والفساد الداخلي، وصولاً إلى احتدام الصراع مع حركة حماس وما نتج عن ذلك من انقسام، ليس في النظام السياسي الفلسطيني الهش فحسب، بل أيضاً انقساماً في الهوية، بين هوية وطنية رثة وبين هوية "الإسلام السياسي". ذلك إن الوعي بهذه الهوية أو الخصوصية الفلسطينية، تنامى في ظل مواجهة شاملة ومعقدة، وعلى جانب ملحوظ من المفارقات مع العدو الإسرائيلي الذي يسعى إلى محو معالمها وتبديد خصائصها من ناحية، ومع الوضع الداخلي المنقسم، القسم الأول منه، ونقصد بذلك القوى اليسارية والديمقراطية، يسعى الى إبراز هذه الهوية وتعميق ملامحها الوطنية والقومية، وهو الأضعف حالياً، وقسم آخر يسعى إلى تعميم الهوية الإسلامية، في حين يسعى فريق أوسلو إلى تكريس هوية باهتة لا مستقبل لها باسم الواقعية الرثة أو القبول بالشروط الأمريكية-الإسرائيلية تحت شعار "دولة قابلة للحياة" أو حكم ذاتي موسع أو روابط قرى أو مدن، أو أي شعار آخر لن يرتقي أبداً إلى تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ذات سيادة كاملة، حيث بات هذا الهدف – في ظل موازين القوى المختلة مع العدو الصهيوني والنظام العربي – نوعاً من الوهم لا بد من مراجعته انطلاقاً من استعادة عملية التحرر الوطني في إطار الصراع العربي – الصهيوني وصولاً إلى دولة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها.
إن هذه الحالة التي وصل إليها المشروع الوطني الفلسطيني كانت في أحد أهم أسبابها نتاجاً لفقدان التوازن والعلاقة العضوية بين الوطني والقومي فيما يتعلق بالصراع مع العدو الصهيوني، ولذلك فإن استعادة التوازن وتحقيقه مشروط باستعادة النضال الوطني لعلاقته التاريخية والمستقبلية بالنضال القومي، ضمن هذه الرؤية، يمكن ترتيب الأولويات، على أن لا يكون في ذلك انغلاق على الخاص، بل على العكس، اعتبار هذه المقدمة طريق نحو تشابك أكبر، والتحام، وتفاعل مع العام القومي، فالهوية الوطنية الفلسطينية لا وجود لها – من حيث الفعالية والتأثير راهناً ومستقبلاً- بدون التحاقها في مكونات الهوية القومية العربية التي تتجلى – كما يقول حليم بركات – في :
1. الانتماء العربي 2. الثقافة المشتركة 3. التكامل الاقتصادي 4. التواصل والاتصال بين البلدان العربية في زمن المعلوماتية 5. التوحد السياسي 6. التحديات الخارجية المعادية.
الصراع كمحفز لتبلور الهوية الوطنية
إن تبلور الهوية الوطنية إنما تم عبر خوض الشعب الفلسطيني فوق وطنه لصراع دامي مع المشروع الصهيوني والإمبريالية البريطانية، التي قامت بإنشاء المجلس الإسلامي 1922 –برئاسة أمين الحسيني- لتفسيخ وتفكيك الهوية الوطنية، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير في العشر سنوات الأولى على الانتداب، لكن تفجر الصراع مع الحركة الصهيونية والاستعمار أدى إلى بروز الهوية الوطنية الفلسطينية في الذهنية الشعبية الفلسطينية، بالرغم من غياب المؤسسات الوطنية أو الدولانية.
ففي رحم الصراع مع المشروع الصهيوني، وعلى الضد منه، تبلورت الهوية الوطنية الفلسطينية كشعور جمعي في أوساط الجماهير الشعبية في مقابل نكوص النخبة القيادية وفشلها في إنشاء مؤسسات كيانية على غرار المؤسسات الصهيونية، فقد انحصر نشاط هذه النخبة من خلال تعبيرات سياسية كيانية تمثيلية كان أبرزها اللجنة القومية العليا، ناهيك عن الأحزاب السياسية للطبقة المهيمنة إلى جانب بعض الاتحادات النقابية والمؤسسات الشعبية والاجتماعية والتعبيرات الثقافية كالمجلات والمطبوعات والصحف، لكن القيادة شبه الاقطاعية، استمرت في سياساتها التوفيقية أو المهادنة للاستعمار البريطاني والأنظمة العربية العميلة، من ناحية ورفضت الارتقاء بالثورة عموماً والنضال المسلح المنظم، خصوصاً إلى المدى الذي رسمته القيادات الثورية من أبناء الفلاحين والعمال بقيادة الشهيد عز الدين القسام، حفاظاً على مصالحها الطبقية الأنانية الضيقة، الأمر الذي أدى – إلى جانب عوامل رئيسية أخرى، عربية واستعمارية- إلى وقوع وتحقق الهزيمة أو النكبة التي كانت بمثابة الكارثة على تعبيرات الهوية الوطنية باعتبارها بددت وفككت تلك التعبيرات أو حتى دثرتها خلال السنوات العشر الاولى بعد النكبة.
ولذلك نلاحظ – توجه الفلسطينيين، بعد النكبة ولأسباب تعود إلى النظام العربي الرجعي، نحو العمل ضمن الأطر السياسية الشيوعية، أو الإسلامية أو القومية، في إطار البنية التنظيمية القومية العربية مثل حركة القوميين العرب والبعث، لكن ذلك لم يكن تأكيداً فلسطينياً على شطب الهوية الفلسطينية (على النقيض مع الإخوان المسلمين الذين رفعوا الهوية الاسلامية). ثم بعد حوالي خمسة عشر عاماً من النكبة، تشكلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني كتنظيم فلسطيني، إلى جانب أبطال العودة وشباب الثأر الذين شكلتهما حركة القوميين العرب في تلك المرحلة. وجاء تأسيس منظمة التحرير عام 1964، لتصبح بمثابة إعلان عن تأسيس التعبير الكياني رغماً عن النظام العربي الذي قام بتأسيسها، ومن ثم استعادة شعبنا الفلسطيني لشعوره العارم بهويته الوطنية من جديد.
ربما كان النتاج الأهم في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني المعاصر، هو بناء مقومات الهوية الوطنية: التعبير السياسي الكياني وسلسلة من المؤسسات الشعبية والرسمية والاجتماعية والنقابية، والبرنامج الوطني الشامل، الميثاق الوطني ووثيقة الاستقلال، ثم الانتفاضة الشعبية الأولى 1987 / 1988، ثم استخدام هذه الانتفاضة لمصلحة القيادة المتنفذة في م.ت.ف وصولاً إلى مؤتمر مدريد 1990 ثم مفاوضات واشنطن ثم أوسلو 1993 واعتراف م.ت.ف بإسرائيل، وقيام السلطة الفلسطينية 1994، وتفاقم الفساد الاقتصادي والهبوط السياسي والصراعات الداخلية والفلتان الأمني حتى الانقسام بين فتح وحماس أو قطاع غزة والضفة في حزيران 2007،، مع استمرار المفاوضات العبثية لدى فريق السلطة، والحديث عن السلام الاقتصادي كمدخل للدولة الفلسطينية، ما يعني وصول العملية السياسية الفلسطينية بما في ذلك الدولة المستقلة كاملة السيادة إلى طريق مسدود، ليس فقط بسبب العوامل الداخلية الفلسطينية، بل والأهم بسبب موقف الحركة الصهيونية ضد إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وقد نجحت في ذلك ارتباطاً بارتهان قيادة م.ت.ف بعد اعترافها بدولة إسرائيل وارتهان النظام العربي وخضوعه للتحالف الإمبريالي الصهيوني.
إن إعادة التمسك بالأهداف الوطنية التاريخية بديلاً لتنازلات أوسلو، والنضال من أجل إعادة بناء م.ت.ف وفق رؤية استراتيجية للتحرر الوطني والقومي، هي مهمة عاجلة ورئيسية تقع على عاتق كافة القوى الوطنية الديمقراطية عموماً واليسارية خصوصاً، انطلاقاَ من اعتبارنا للوحدة العربية ضرورة تاريخية، لكننا ندرك أن من المستحيل إنجازها دون تغيير أنظمة التبعية ومن ثم الخروج الشامل من الرأسمالية، أي بمعنى الخروج من المنظومة الرأسمالية المعولمة من جانب، واستبدال العلاقات الاجتماعية الرأسمالية المشوهة السائدة في بلادنا بعلاقات ذات طابع اشتراكي في إدارة المجتمع برؤية قومية وحدوية تحررية ديمقراطية، تستند إلى التناقض والصراع التناحري مع دولة العدو الصهيوني واقتلاعه من بلادنا، وذلك لأن البورجوازيات العربية ذات الطابع الكومبرادوري بالضرورة لن تفلح في تطوير رأسمالية كاملة، وبالتالي لن تنجز مهام المرحلة القومية. ولذلك على الطبقات الشعبية إنجاز هذه الأهداف التي لا يمكن الفصل بينها، وهي الخروج من الرأسمالية وتحقيق الوحدة العربية، عبر الحركة الشعبية المعادية للرأسمالية وربيبتها الحركة الصهيونية.
ولذلك لا بد أن نكرس في كافة قوى اليسار الماركسي العربي، كل الجهود النظرية وأشكال النضال السياسي والديمقراطي، من أجل تحقيق هذا الهدف الذي بدون تحقيقه لا يمكن أن تحقق شعوب أمتنا العربية أي تطور سياسي أو اقتصادي أو تنموي أو تكنولوجي أو عسكري من ناحية، ولا يمكن لها أيضاً أن تحقق أي مكانة أو دور في مواجهة تحديات الرأسمالية المعولمة وحليفها الصهيوني



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *