ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني
حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-18-
مولاي... الكرامة تنتصر على الحاجة
ثمّة رجالٌ، كلما ضاقت بهم الدنيا، اتسعت فيهم القيم.
ومن هؤلاء كان مولاي، الرجل الذي مرّ من رئاسة الحكومة كما يمرّ العابر النبيل من بيتٍ استُضيف فيه، ثم غادره دون أن يحمل من أثاثه شيئاً.
حين أُقيلت حكومته، لم يخرج إلى الناس شاكياً، ولم يساوم على ماضيه، ولم يحوّل سنوات عطائه إلى دفتر مطالب. اختار أن يعيش كما عاش دائماً: صامتاً، عفيفاً، متصالحاً مع ضميره، وإن كانت الحياة قد ضاقت به حتى عرف قسوة الحاجة بعد أن كان رئيساً لحكومة البلاد.
ومرت أربعون سنة تقريباً.
تغيّرت الوجوه، وتعاقبت الحكومات، وتبدلت الأزمنة، لكن الرجل ظل وفياً لفكرته الأولى: أن خدمة الوطن ليست وظيفة تُورَّث عنها الامتيازات، بل أمانة تنتهي بانتهاء التكليف.
وحين تولى الاستاذ قيادة حكومة التناوب، لم ينسَ رفيق الدرب القديم. كان يعلم أن مولاي يعيش في ظروف مادية صعبة، وأن الوطن ربما تأخر كثيراً في رد بعض جميل رجاله. فتدخل لدى الملك الراحل، الذي استجاب للمبادرة، ووافق على منحه معاشاً استثنائياً وتعويضاً عن سنوات طويلة لم يتقاضَ عنها شيئاً.
كانت مبادرة إنسانية نبيلة، تحمل شيئاً من الاعتراف لرجلٍ من رجالات الاستقلال والدولة.
وصل الخبر إلى المهندس الفكري كما كانوا يسمونه.
قيل له إن الدولة قررت أن ترد له بعض حقه.
سكت قليلاً... ثم قال، في هدوء الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يُسمعوا:
"المسؤولية الوطنية ليست وظيفة حتى أطالب عنها بتقاعد، إنها واجب يؤديه المرء ثم يمضي."
وأعاد الشيك.
لم يفسر كثيراً، ولم يدخل في جدل مع أحد. اكتفى بأن ردد أن المسؤولية الوطنية واجبٌ يُؤدَّى، لا وظيفةٌ يُنتظر عنها معاش.
ومضى، كما مضى دائماً، خفيف اليدين... ثقيل المعنى.
أتذكر جيداً كيف وصل إلينا ذلك الخبر. كان يتنقل بين الناس همساً، كأنه واحد من تلك الحكايات التي يصعب تصديقها في البداية.
استغربنا أول الأمر. كيف يستطيع رجلٌ أثقلته السنون أن يرد كل ذلك المال؟
ثم، شيئاً فشيئاً، فهمنا أن الرجل لم يكن يرفض مبلغاً من المال، بل كان يحرس صورةً عن نفسه عاش بها ومات عليها.
ومنذ ذلك اليوم، كلما ذُكر اسمه، ذُكر معه ذلك الشيك الذي عاد إلى مُرسله.
وفي زمنٍ صار كثيرون يقيسون الرجال بما أخذوا من الوطن، وقف مولاي شاهداً على أن هناك رجالاً يُقاسون بما تركوه له.
رحل الرجل، وبقي الشيك مجرد ورقة ضاعت في أرشيف الزمن.
أما موقفه... فقد تحوّل إلى صفحةٍ نادرة، تُثبت أن عزة النفس عمرٌ يُعاش، وموقفٌ لا يساوم.
إن الكرامة، عند بعض الرجال، تبلغ من الصلابة حداً يجعلها أشبه بصخرةٍ جلمود، تتكسر عليها قسوة الأيام ولا تنال منها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق