جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني ...حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية

 ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني


حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-23-
الشيباني... حين نُفي الرجل وبقي الوطن يسكنه
أشدّ لحظات الغربة تلك التي يقال فيها للإنسان إن الأرض التي أحبها ليست أرضه.
في خريف تلك السنة، فُتحت أبواب السجن أمام "الشيباني" كما يحلو لرفاقه مناداته أو "ديدي" كما يطلق عليه أهله ومعارفه، بعد سبعة عشر عاماً من الاعتقال. كان يظن، ككل سجين أنهكته السنوات، أن أول ما سيعانقه هو هواء الوطن. غير أن الطريق لم يقُده إلى بيته، ولا إلى أصدقائه، ولا إلى شوارع مدينته التي حفظ ملامحها منذ طفولته.
اقتيد مباشرة إلى المطار. لا يحمل معه شيئا سوى بعض الملابس وأوراق متناثرة من سنوات السجن. هناك أُبلغ بأن السلطات قررت إبعاده إلى الخارج بدعوى أنه يحمل جنسية بلد آخر، استناداً إلى إقامة والده في ذلك البلد لفترة من الزمن. وبينما كان الموظف يراجع وثائقه، ظل يردد بهدوء الحقيقة التي آمن بها طوال حياته: "أنا من هنا... هذا وطني."
رجل وُلد في هذا البلد، وناضل ضد الاستعمار، وسُجن سنوات طويلة بسبب مواقفه السياسية، يجد نفسه بعد كل ذلك مطالباً بإثبات انتمائه إلى البلد الذي لم يعرف وطناً غيره.
غادر الشيباني البلد مُكرهاً، لكن الوطن لم يغادره قط.
في منفاه، حمل معه ذاكرة المدن والأصدقاء ووجوه البسطاء الذين دافع عن حقوقهم. كان المنفى انتظاراً طويلاً على عتبة العودة. ثلاثة عشر عاماً كان يبدأ نهاره بمتابعة أخبار الوطن، ويحرص على لقاء ابناء بلده المقيمين هناك كلما سنحت الفرصة. كان المنفى عنده زمناً للترقّب والصبر، تتقدّمه دائماً صورة العودة وترافقه في كل تفاصيله. ولم يبحث عن ملاذات أخرى بحكم أصوله أو يقبل العروض التي قدمت له. فقد
ظل متمسكاً بانتمائه الوطني حتى النهاية. كان يرى نفسه جزءاً من تاريخ هذا البلد، ومن نسيجه الإنساني المتنوع، ومن معاركه الكبرى من أجل الحرية والكرامة.
بالنسبة إلى كثيرين من أبناء جيلي، لم يكن الشيباني مجرد معارض سياسي أو سجين رأي. كان اسمه يحضر كلما دار الحديث عن الحرية والعدالة وفلسطين. وكنا نرى في مواقفه الثابتة من القضية الفلسطينية درساً أخلاقياً نادراً؛ رجل من ديانة أخرى ظل من أكثر الأصوات دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال. لذلك بقي حضوره يتجاوز السياسة إلى دلالة أوسع: معنى الانحياز للإنسان حيثما كان.
ومع نهاية تسعينيات القرن الماضي بدأت صفحة جديدة تُكتب.
ففي العهد الجديد، وبجهود سياسية وإنسانية متواصلة قادها الاستاذ، أحد رفاق جيل النضال الوطني والديمقراطي، تهيأت ظروف العودة. وبعد فترة المنفى، عاد الشيباني إلى أرض الوطن.
تحوّلت عودته إلى لحظةٍ ذات حمولة رمزية كثيفة، استوقفت الذاكرة بقدر ما استوقفت التاريخ. استعاد جواز سفره الوطني، واستعاد حقه في أن يعيش بين أهله، وعاد ليُستقبل باعتباره واحداً من أبناء هذا الوطن الذين اختلفوا مع السلطة يوماً، لكنهم لم يختلفوا مع الوطن نفسه.
استقر في الوطن، وعاش ما تبقى من عمره بين أصدقائه ورفاقه وذكرياته. عاد وقد طوى سنوات الغياب، ليلتقي بالمكان الذي ظلّ يسكنه وجداناً قبل أن تطأه قدماه من جديد.
وفي أواسط خريف ذلك العام، أسدل الستار على رحلة طويلة من النضال والمعاناة والصبر. رحل الشيباني بعد أن عاش السجن والمنفى والعودة.
الرجل الذي أُبعد يوماً عن أرضه، عاد إليها أخيراً، وعاش ما تبقى من عمره بين أهلها.
م.إسماعيلي
2026\06\28



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *