جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أوضاع السودانيين في مصر مجدداً: بين مقتضيات السيادة وواجبات الحماية الإنسانية * الميدان

 أوضاع السودانيين في مصر مجدداً: بين مقتضيات السيادة وواجبات الحماية الإنسانية

الميدان 4472،، الأحد 7 يونيو 2026م.
أدت الحرب الدائرة في السودان وما صاحبها من انهيار أمني وإنساني واسع النطاق إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر، التي تربطها بالسودان علاقات تاريخية راسخة وروابط اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة، تشكلت عبر قرون من التفاعل المشترك، وتعززت من خلال نضالات الشعبين ضد الاستعمار، ومواقفهما المتقاربة تجاه العديد من القضايا المصيرية في المنطقة.
وانطلاقاً من هذه الروابط الخاصة، استقبلت مصر أعداداً كبيرة من السودانيين الفارين من أهوال الحرب، وهو أمر يستحق التقدير والإشادة. كما أن من حق الدولة المصرية، باعتبارها دولة ذات سيادة، أن تضع الأطر القانونية والإدارية اللازمة لتنظيم شؤون الإقامة واللجوء والهجرة على أراضيها، بما يحفظ أمنها القومي وينظم استخدام مواردها وخدماتها العامة.
غير أن هذا الحق المشروع يجب أن يمارس في إطار الالتزامات التي تفرضها المواثيق الدولية والإقليمية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والبروتوكول الملحق بها لعام 1967، والاتفاقيات الأفريقية والعربية ذات الصلة، بما يكفل احترام المبادئ الأساسية لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان المعاملة الإنسانية الكريمة، وتوفير الإجراءات القانونية العادلة والشفافة.
وفي هذا السياق، أثار صدور اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والقانونية المصرية والدولية. فبينما يمثل القانون خطوة نحو بناء إطار وطني لإدارة ملف اللجوء بعد عقود من الاعتماد على آليات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فقد أُبديت جملة من الملاحظات بشأن بعض مواده وإجراءاته، خاصة ما يتعلق بطالبي اللجوء، ومدى كفاية الضمانات القانونية ضد الاحتجاز التعسفي أو القرارات الإدارية غير الخاضعة للرقابة القضائية الفعالة.
ويتزامن ذلك مع تصاعد حملات إعلامية وخطابات تحريضية تستهدف السودانيين وغيرهم من الأجانب، وتحمّلهم مسؤولية أزمات اقتصادية واجتماعية تعود في جوهرها إلى عوامل بنيوية أكثر تعقيداً. ومن المهم التمييز بين النقاش المشروع حول سياسات الهجرة واللجوء من جهة، وبين الخطابات الإقصائية التي تخلط بين المقيم النظامي وغير النظامي، وبين اللاجئ وطالب اللجوء والمهاجر، وتؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء والكراهية تجاه فئات وجدت نفسها مضطرة لمغادرة أوطانها تحت وطأة الحرب أو الاضطهاد أو انعدام الأمن.
لقد أثبتت تجارب عديدة في أفريقيا والعالم العربي أن الأجانب واللاجئين كثيراً ما يتحولون إلى "كبش فداء" للأزمات الاقتصادية والاجتماعية في فترات الضيق، بينما تبقى الأسباب الحقيقية للأزمات، من اختلالات التنمية والبطالة والتفاوت الاجتماعي وضعف الإدارة الاقتصادية، بعيدة عن المعالجة الجذرية. ومن ثم فإن مواجهة هذه الخطابات لا تمثل فقط دفاعاً عن حقوق اللاجئين، بل دفاعاً عن قيم العدالة والتضامن الإنساني والتعايش المشترك التي شكلت عبر التاريخ أحد أهم عناصر القوة الناعمة للمجتمعات العربية والأفريقية.
وإذا كان السودانيون يتابعون بقلق ما يتعرض له بعض مواطنيهم من حالات احتجاز أو ترحيل أو تضييق إداري أو حملات تحريض إعلامي، فإنهم في الوقت ذاته يحرصون على التأكيد أن العلاقات بين الشعبين السوداني والمصري أعمق وأرسخ من أن تختزلها ممارسات أو سياسات ظرفية. فهذه العلاقات قامت على المصالح المشتركة والتداخل الإنساني والثقافي، واستفاد منها الشعبان على مدى عقود طويلة، كما احتضن السودان مئات الآلاف من المصريين الذين عاشوا وعملوا فيه وتمتعوا بالتقدير والاحترام والمشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إن الحفاظ على هذه الروابط التاريخية العميقة، وصون المصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة التي تجمع السودان ومصر في مجالات التجارة والاستثمار والأمن المائي والتكامل الإقليمي والتنمية المستدامة، يقتضي التعامل مع ملف اللاجئين بروح المسؤولية المشتركة والتضامن الإنساني، بعيداً عن التعميم أو التحريض أو التوظيف السياسي والإعلامي الضيق. فاستقرار العلاقات بين البلدين لا يقوم فقط على اعتبارات الجغرافيا والتاريخ، وإنما أيضاً على شبكة واسعة من المصالح المتبادلة التي تجعل من التعاون والتفاهم خياراً ضرورياً للشعبين. ومن ثم، فإن إدارة هذا الملف ينبغي أن تتم على نحو يراعي الاعتبارات المشروعة للدولة المصرية في تنظيم شؤون الإقامة واللجوء وحماية مصالحها الوطنية، وفي الوقت نفسه يكفل احترام كرامة السودانيين الفارين من ويلات الحرب وحقوقهم الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية والإقليمية، بما يعزز الثقة المتبادلة ويحفظ إرث الأخوة وحسن الجوار ويصون مستقبل العلاقات السودانية المصرية من أي توترات أو تداعيات سلبية يمكن تجنبها بالحكمة والإنصاف.
وفي هذا الإطار، نتوجه بنداء إلى القوى الوطنية والديمقراطية المصرية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي المصري، وإلى منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والمثقفين، لمواصلة الدفاع عن قيم التضامن الإنساني والعدالة الاجتماعية، ومساندة المتضررين من الحرب السودانية، بما يعزز تقاليد الأخوة التاريخية بين الشعبين ويصون مستقبل العلاقات السودانية المصرية على أسس الاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة.
إن الحرب ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، وستبقى الشعوب والجغرافيا والتاريخ المشترك. ولذلك فإن الحكمة السياسية والمسؤولية الأخلاقية تقتضيان أن يُدار هذا الملف بما يعزز جسور الثقة والتعاون بين البلدين، لا بما يترك جروحاً أو مرارات يمكن تجنبها عبر الالتزام بالقانون والإنصاف وقيم التضامن الإنساني.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *