الرفيق أسامة العبد الرحيم (الأمين العام للحركة التقدمية الكويتية): نحو مشروع عربي تحرري نهضوي ديمقراطي متجدد
الرفيق أسامة العبد الرحيم (الأمين العام للحركة التقدمية الكويتية):
نحو مشروع عربي تحرري نهضوي ديمقراطي متجدد
أجرى الحوار: محمد أبو شريفة
[مقدمة وتوطئة المقال الرئيسي]
عندما يحتدم الصراع ويبلغ ذروته ويصبح الوجود التاريخي والجغرافي للأمة مهدداً ضمن مخطط صهيوني عنوانه حسم الصراع ونفي أي وجود قومي، حينئذ يزداد التمسك بالأهداف التاريخية، مما يتطلب بلورة مشروع عربي تحرري نهضوي ديمقراطي متجدد يتجاوز الشعارات الشكلية ويقف بمسؤولية تاريخية أمام مستقبل الأمة ومصير شعوبها، ويعيد الاعتبار لمفهوم التضامن الكفاحي بين الشعوب العربية، في مواجهة المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي لا يستهدف فلسطين فقط، بل يستهدف الوطن العربي برمته ويبقيه في حالة تجزئة وتبعية.
يؤكد الأمين العام للحركة التقدمية الكويتية أسامة العبد الرحيم في حواره مع مجلة (الهدف) أن المنطقة دخلت مرحلة تاريخية جديدة عنوانها الصراع المفتوح على مستقبلها وهويتها وموقعها في العالم. ويصف ما يجري في غزة بحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة ويتجاوز حدود فلسطين ويعم المنطقة كلها.
تعريف الشخصية:
أسامة العبد الرحيم: سياسي يساري كويتي من مواليد 4 كانون الأول (ديسمبر) 1991 بمنطقة الدسمة في دولة الكويت، كاتب في جريدة (الطليعة) لسان حال الحركة الوطنية الكويتية منذ عام 2012 حتى إغلاقها في عام 2016، وصاحب زاوية (ومضة) في جريدة (الجريدة) (2016-2021). ساهم بكتابة عدة مقالات في صحف ومجلات ومواقع إلكترونية عربية وأجنبية، مؤسس ورئيس تحرير منصة (تقدم).
تخرج في ثانوية أحمد البشر الرومي في عام 2008، حاصل على شهادة البكالوريوس في التسويق والإدارة من جامعة الكويت، اهتم بالعمل التطوعي، وبدأ مشواره في الشأن العام من العمل النقابي الطلابي مع قائمة الوسط الديمقراطي.
وفي عام 2013 انضم لاتحاد الشباب الديمقراطي الكويتي الحائز على عضوية اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي. ساهم مع الوفد الشبابي الكويتي في طرد وفد الكيان الصهيوني من مهرجان الشباب العالمي عام 2017 في مدينة سوتشي الروسية. انتُخب عضواً في الهيئة التنفيذية للاتحاد، وأصبح نائباً للرئيس بعد مؤتمره العام الأول في عام 2019.
انتسب إلى الحركة التقدمية الكويتية في عام 2012، وتدرج في تولي المسؤوليات والمواقع القيادية فيها، وبعد المؤتمر العام الثاني للحركة في عام 2021 انتُخب عضواً في اللجنة المركزية للحركة، وتولى منصب أمين اللجنة المركزية للحركة، وانتُخب أميناً عاماً للحركة التقدمية الكويتية بعد مؤتمرها العام الثالث في عام 2023، وجُددت له الثقة أميناً عاماً للحركة في مؤتمرها الرابع بعام 2025.
السؤال الأول: تطورت الأحداث خلال العامين الماضيين بشكل كبير وعلى عدة مستويات، كيف يمكنكم توصيف اللحظة الراهنة داخل الأراضي المحتلة؟ وخصوصاً أن الاعتداءات الصهيونية لا تستهدف قطاع غزة فحسب بل تتعرض الضفة الغربية لحملات يومية، وهو ما أظهر أن الكيان لا يرى في الضفة والقطاع كتلاً منفصلة، هل هناك استراتيجية واضحة يعمل وفقها جيش الاحتلال الآن؟ وكيف تصفونها؟
الجواب: لا يمكن فهم ما يجري في غزة بمعزل عما يجري في الضفة، ولا يمكن فهم ما يجري في فلسطين بمعزل عما يجري في كامل الوطن العربي، فالكيان الصهيوني، بحكم طبيعته الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية التوسعية وكقاعدة أمامية للإمبريالية مزروعة في منطقتنا، لا يتعامل مع غزة والضفة والداخل المحتل كملفات منفصلة، بل يتعامل معها كأساسات للوجود الفلسطيني وهذا ما يستهدف إزالته لما يمثله من عقبة أمام مشروعه.
ونحن نرى أن أخطر ما تحاول الإمبريالية وتوابعها ترسيخه دائماً في وعي الإنسان العربي هو التجزئة، أي أن فلسطين منفصلة عن لبنان، وسورية منفصلة عن العراق، والخليج منفصل، وكأن هذه التجزئة قدر تاريخي، خلافاً لحقيقتها كصناعة استعمارية هدفها إبقاء الأمة الواحدة ممزقة وضعيفة، يسهل إخضاعها والتحكم بمصيرها.
أما بتحديد فلسطين، فإن الاستراتيجية الصهيونية اليوم واضحة، وهي ضرب كل أساس يقوم عليه الوجود الفلسطيني، في غزة عبر الإبادة والتجويع والتدمير الشامل ومحاولة اقتلاع الناس من أرضهم، وفي الضفة عبر الاعتقالات والقمع اليومي، وتوسيع الاستيطان، ومصادرة الأرض، وتفكيك المدن والمخيمات، وهذا يؤكد أن المسألة بالنسبة للكيان ليست (مسألة أمنية) مرتبطة بفصيل أو منطقة، بل هي مسألة الوجود الفلسطيني ذاته.
لذلك نحن نصف ما يجري بأنه حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي متكاملة الأركان وواضحة الأدلة. حرب تستهدف الأرض والإنسان والذاكرة وكل ما يثبت الوجود الفلسطيني، والكيان يعمل وفق استراتيجية أن أي بقعة تمثل أساساً لتثبيت الوجود الفلسطيني في حدود فلسطين، ويعم المنطقة كلها، فالوطن العربي (كُلٌّ) تأتي فلسطين (جزءاً) منه، فهو يمثل أساساً للوجود الفلسطيني، لذلك يستهدف الصهاينة المنطقة كلها لإعادة تشكيلها بحيث يبسط هيمنته على الكل ليقتطع منه أي جزء لا يخدم مصالحه الإمبريالية. ومن هنا فإن الرد لا يكون بتجزئة المعركة، بل بفهمها كمعركة تحرر وطني عربي شاملة ضد مشروع صهيوني إمبريالي يستهدف الوطن العربي وفي القلب منه فلسطين.
السؤال الثاني: تأتي الذكرى الـ 78 لنكبة احتلال فلسطين في ظل أجواء بالغة الخطورة تهدد بتصفية القضية الفلسطينية وتضع الجميع أمام تحديات كبيرة، وطالما مثل الشعب الكويتي مواقف مبدئية جذرية على الصعيد الوطني والقومي في دعمه ومساندته للقضية الفلسطينية، وأعلن بوضوح رفضه مشاريع التسوية والتطبيع، وفي ضوء تعقيدات المشهد القومي والإقليمي هل ما زال مستمرّاً هذا الموقف ذاته؟
الجواب: كل ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، لم يؤكد فقط عدالة القضية الفلسطينية، بل أكد أيضاً صحة الموقف الشعبي العربي وضمنه الكويتي الرافض للكيان وللاحتلال ولمشاريع التطبيع والتسوية والاستسلام للعدو الصهيونى.
فنحن حين نقول إن فلسطين قضية الأمة المركزية، فهذا ليس خطاباً عاطفياً أو شعاراً سياسياً، بل حقيقة أثبتتها الوقائع، فالكيان الصهيوني لا ينظر إلى المنطقة كما ذكرنا سابقاً باعتبارها شعوباً ودولاً منعزلة عن بعضها، بل ينظر إليها كساحة عمليات كاملة يجب إخضاعها وتفكيكها وإبقاؤها في حالة ضعف دائم، بما يخدم المشروع الإمبريالي في الهيمنة على المنطقة وثرواتها وممراتها ومصيرها، ولتأكيد السطوة الصهيونية عليها.
ومن هنا، فإن موقف الشعب الكويتي من فلسطين لم يكن يوماً موقفاً عابراً أو مرتبطاً بظرف سياسي مؤقت، كما لم ينظر إلى القضية كقضية إنسانية عادلة فحسب، بل هو موقف مبدئي وطني قومي وإسلامي وإنساني متجذر في الوعي الشعبي الكويتي، ويستند على تعريف الكويت لنفسها في دستورها كجزء من الأمة العربية. والكويتيون عبر تاريخهم، أدركوا أن فلسطين ليست قضية تضامن خارجي مع شعب منكوب، بل قضية ترتبط بمستقبل الأمة كلها، وبكرامة الإنسان العربي وحقه في السيادة والتحرر.
وإن الأحداث الأخيرة أكدت بصورة قاطعة أن هذا الكيان الغاصب الجاثم على أرض فلسطين لا يمكن أن يكون (دولة) ضمن دول المنطقة، وإنما هو الخطر الأكبر المهدد للوجود العربي والإنساني في المنطقة، فالمجازر، والإبادة الجماعية، والتوسع والعربدة العسكرية، واستباحة سيادة الدول، ومحاولات إعادة تشكيل المنطقة بالقوة الغاشمة، كلها كشفت الطبيعة الحقيقية لهذا المشروع بوصفه مشروعاً عدوانياً توسعياً مرتبطاً بالإمبريالية لا حدود لأطماعه ولا لعدوانيته.
وفي المقابل، يحاول العدو الصهيوني، ومعه القوى الإمبريالية وتوابعها، دق الأسافين بين شعوب المنطقة، واستغلال بعض الأزمات والأحداث والخلافات لإرباك الوعي الشعبي وتشويهه، مع الاعتماد بالتوازي على الحرب العسكرية وعلى سياسة خلط الأوراق وقلب الحقائق، لمحاولة اختراق وعي الجماهير العربية بحيث يتحول العدو الحقيقي إلى (حليف) وتتحول التناقضات الثانوية إلى صراعات تستنزف شعوب المنطقة بعيداً عن التناقض الرئيسي مع المشروع الصهيوني الإمبريالي.
وهذا بالذات ما يجب التصدي له وفضحه ومحاصرته، لأن معركة الوعي اليوم ليست أقل أهمية من أي مواجهة ميدانية، وإفشال محاولات الاختراق الصهيوني للوعي الشعبي هو واجب أساسي على قوى الشعوب الحية، لأن ذلك يشكل جزءاً من التراكم التاريخي الضروري في المعركة الوجودية مع العدو الصهيوني ومشروعه في المنطقة.
السؤال الثالث: دخلت معركة (طوفان الأقصى) عامها الثالث، وترتب عليها تداعيات سياسية وأمنية واستراتيجية، برأيكم أين وصلنا اليوم فلسطينياً وعربياً؟ وهل ترون ارتباطاً بين معركة غزة وتغييرات التوازن الدولي؟
الجواب: بدايةً نرى أن معركة (طوفان الأقصى) يجب أن تفهم ضمن سياقها التاريخي العميق، لا باعتبارها حدثاً منفصلاً أو طارئاً، فالمقاومة الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، بل بدأت منذ اللحظة التي وطئت فيها الحركة الصهيونية الاستعمارية أرض فلسطين، وما يميز (طوفان الأقصى) ليس جوهره، لأن جوهره هو ذاته جوهر النضال الفلسطيني الممتد منذ أكثر من سبعة عقود، أي المقاومة والتحرر ورفض الخضوع والاستسلام والتمسك بالحق، وإن استثنائيتها تكمن في حجمها ونوعيتها وتوقيتها التاريخي.
لقد جاءت هذه المعركة في لحظة يشهد فيها العالم تغيرات متسارعة في موازين القوى الدولية، وتفنناً واضحاً في بنية النظام الدولي القائم الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية، بالتوازي مع صعود قوى دولية باتت تزيح تدريجياً الهيمنة الأحادية الغربية وتفتح المجال أمام عالم أكثر تعددية. ولذلك فإن (طوفان الأقصى) لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل جاءت في قلب لحظة عالمية مأزومة، الأمر الذي جعل ارتداداتها تتجاوز فلسطين والمنطقة إلى بنية النظام الدولي نفسه.
فالكيان الصهيوني لم يكن يوماً (دولة) عادية، بل يمثل تاريخياً القاعدة العسكرية والأمنية المتقدمة للمشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة، ومن خلاله سعت القوى الاستعمارية إلى إحكام قبضتها على الممرات الاستراتيجية والطاقة والثروات والأسواق، وضمان بقاء المنطقة العربية مفككة وخاضعة وعاجزة عن بناء مشروعها المستقل، ولهذا فإن فلسطين كانت دائماً في قلب الصراع العالمي، لا على هامشه.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا تلعب المقاومة الفلسطينية دوراً متقدماً في مواجهة المصالح الإمبريالية في المنطقة. فحين ضربت بطوفان الأقصى المشروع الصهيوني، فهي لم تضرب فقط صورة (الجيش الذي لا يقهر)، بل وجهت ضربة استراتيجية لمشروع كان يسعى إلى حسم القضية الفلسطينية نهائياً، وفرض الهيمنة الصهيونية الكاملة على الشرق الأوسط تحت المظلة الأمريكية.
أما فلسطينياً وعربياً، فقد وضعت هذه المعركة أمام حقيقة كبرى، وهي أن المنطقة دخلت مرحلة تاريخية جديدة، عنوانها الصراع المفتوح على مستقبلها وهويتها وموقعها في العالم، ولم يعد ممكناً الحديث عن استقرار زائف أو عن تسويات تفرضها موازين القوة القديمة، لأن ما يجري اليوم هو معركة لإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية بأدوات أكثر عنفاً ووحشية، وفي المقابل تفرض إرادة مقاومة شعبية وقومية ترفض الخضوع لهذا المسار.
ولذلك فإن (طوفان الأقصى) وضعت الأمة العربية في قلب المعركة، بل في مقدمتها، بمواجهة المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي يستهدف تصفية أي إمكانية لوجود عربي مستقل وحر ومتقدم، وهذا ما يستدعي نهوضاً لحركة التحرر العربية سياسياً وفكرياً وشعبياً، يرتقي إلى مستوى هذا التحدي التاريخي الكبير، ويعيد بناء عناصر القوة والوحدة والمقاومة في مواجهة هذه الهجمة المسعورة التي لا تستهدف فلسطين وحدها، بل تستهدف مستقبل الأمة كلها.
السؤال الرابع: من الملاحظ أن هنالك تضامناً شعبياً عالمياً واسع النطاق مع الشعب الفلسطيني اليوم، وخاصة من فئة الشباب التي كانت الدوائر صنع القرار الغربية تعتقد أنها تسيطر عليها وتخضعها لمخططاتها وبرامجها لتكون أبعد ما يكون عن العمل السياسي، كيف تنظرون إلى هذا التطور؟
الجواب: ما نشهده اليوم من اتساع غير مسبوق لحركة التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في أوساط الشباب، هو أحد أهم التحولات السياسية والفكرية التي كشفتها معركة غزة، فالإمبراطورية الغربية عبر منظوماتها الإعلامية والثقافية والتعليمية، عملت لعقود طويلة على إنتاج إنسان منزوع السياسة والهوية والقضية، إنسان مشغول بالاستهلاك والفردانية ومعزول عن هموم الشعوب والتحرر والعدالة، وكان الاعتقاد السائد لدى دوائر صنع القرار الغربية أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر قابلية للاحتواء والتطويع وأبعد ما تكون عن الفعل السياسي الجذري.
لكن ما جرى في فلسطين، وخصوصاً مشاهد الإبادة الجماعية اليومية في غزة، فجر تناقضاً عميقاً داخل المجتمعات الغربية نفسها، وأسقط كثيراً من الأقنعة التي حاولت الإمبريالية الاحتماء خلفها تحت شعارات (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(القانون الدولي)، لقد شاهد ملايين الشباب حول العالم، بشكل مباشر، آلة القتل الصهيونية وهي تستهدف الأطفال والمستشفيات والمدارس ومقومات الحياة بأكملها، وبدعم غربي سياسي وعسكري وإعلامي لهذا العدوان، أي حكوماتهم وشركاتهم، ومن أموالهم، فتفجرت التناقضات وتحولت لمواجهات حولت الجامعات الأمريكية والأوروبية لساحات اشتباك سياسي وفكري. ورأينا أجيالاً جديدة تدخل الفعل السياسي من بوابة فلسطين، ليس فقط باعتبارها قضية تضامن إنساني، بل باعتبارها قضية ترتبط بجوهر الصراع ضد الاستعمار والعنصرية والاستغلال والهيمنة الإمبريالية، وستستخدم تدريجياً هذه المواجهات لفعل سياسي أكبر وذي فاعلية أساسية في المعادلة تضعف القبضة الصهيو إمبريالية، وهذا التطور بالغ الأهمية. لأن فلسطين استعادت موقعها الطبيعي بوصفها قضية تحرر إنساني عالمية تكشف طبيعة النظام الدولي القائم وتناقضاته البنيوية.
كما أن هذا الحراك أكد أن السيطرة على الوعي ليست مطلقة كما تحاول ترسيخه القوى الإمبريالية في وعي الشعوب لتخديرها، فرغم كل أدوات التضليل والرقابة والقمع، ظهرت قدرة الشعوب، وخصوصاً الشباب، على كسر السردية الرسمية وإنتاج وعي مضاد أكثر اتصالاً بحقائق الواقع، ولذلك رأينا هذا القمع الواسع داخل الجامعات الغربية ضد الطلاب والمتضامنين، لأن الأنظمة الغربية أدركت أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التظاهرات، بل في تشكل وعي عالمي جديد يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإمبريالية والاستعمار وطبيعة النظام الرأسمالي نفسه.
ونحن نعتقد أن هذا التراكم الشعبي العالمي سيكون له أثر عميق على المدى التاريخي، لأنه يعيد الاعتبار لفكرة النضال الأممي والتضامن بين الشعوب، ويفتح المجال أمام تشكل اصطفافات شعبية عالمية أكثر وعياً بطبيعة الصراع في العالم، وأكثر استعداداً لمواجهة منظومات الهيمنة والاستغلال، وفي قلبها المشروع الصهيوني باعتباره أحد أكثر التعبيرات تطرفاً ووحشية لهذه المنظومة.
السؤال الخامس: كيف تنظرون إلى التصعيد المرتبط بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٦، والتي طالت نيرانها دول المنطقة ومنها الكويت؟
الجواب: إن ما يجري في منطقتنا يمثل تصعيداً خطيراً يهدد لا أمن المنطقة واستقرارها فحسب، وإنما يهدد أيضاً الأمن والسلم الدوليين، خصوصاً في ظل تهلهل المنظومة الدولية والعجز التام لما كان يسمى النظام العالمي ومؤسساته والاستهتار الصارخ بمواثيقه وقوانينه، وإن لم يتوصل الأطراف المتحاربة في الهدنة الهشة القائمة إلى اتفاق ينهي الحرب فإنها تهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة توتر وخراب ودمار وقتل ممتدة ومتسعة. ومن هنا، نحن كحركة تقدمية كويتية نرفض رفضاً قاطعاً تحويل أرضنا أو أي أرض عربية إلى ساحة حرب أو ميدان لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وهذا ما تجاهلته الإدارة الأمريكية ومعها الكيان الصهيوني بإشعال الحرب ضد إرادة دول المنطقة وشعوبها، وعلى الولايات المتحدة تحديداً أن تنهي هذه الحرب وتحترم موقف دول المنطقة التي تؤكد ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي ينهي هذه الحرب، وفي السياق ذاته ندين الاعتداءات والهجمات التي طالت الكويت ودول الخليج من الطرف الإيراني، فكما أن شعوب المنطقة ليست وقوداً لمشاريع الهيمنة، فإن بلدانها ليست ساحات مفتوحة للصراعات العسكرية ومصالحها ليست رهينة للمواجهات الإقليمية والدولية.
كما أن ما نشهده اليوم يؤكد مرة أخرى أن النزعة نحو الحرب والعسكرة ليست حالة استثنائية في النظام الرأسمالي الإمبريالي، بل جزء عضوي من بنيته وأزماته، فالإمبريالية، حين تتفاقم أزماتها الاقتصادية والسياسية، تلجأ إلى تفجير الحروب والصراعات وإعادة توزيع النفوذ بالقوة، ويصبح المجمع الصناعي العسكري وشبكات رأس المال الكبرى المستفيد الأول من إشعال المنطقة وإغراقها بالفوضى والدمار.
السؤال السادس: كيف يمكن للكويت تفادي الآثار السلبية للحرب على اقتصادها خاصة في ظل إغلاق مضيق هرمز؟
الجواب: مبدئياً وقبل كل شيء، يجب، كما أكدنا نحن مع إنهاء الحرب، ومع فتح مضيق هرمز كجزء من إنهاء الحرب، ولكن مهم الإشارة إلى أن أزمة إغلاق مضيق هرمز كشفت هشاشة البنية الاقتصادية الريعية التابعة، واتضح أن الاعتماد شبه المطلق على النفط كمورد واحد وعلى مسار واحد للتصدير والاستيراد ليس سياسة اقتصادية آمنة، بل مكمن ضعف استراتيجي. وهذا ما نطرحه إزاء أهمية التفكير استراتيجياً، فالكويت تحتاج إلى رفع مستوى التنسيق الخليجي، خصوصاً في خطوط الإمداد، والأمن الغذائي والمائي، والموانئ والمواصلات، والتجارة البينية، ووصولاً إلى منطقة اقتصادية وجمركية خليجية واحدة وأكثر تماسكاً. فالأزمة أثبتت أن الروابط بين بلدان الخليج ليست جغرافية فقط، بل روابط حياة ومصير ومصالح مباشرة.
ولابد من مراجعة استراتيجية الدفاع والأمن، فالاعتماد على الوجود العسكري الأجنبي لا يمنع انتقال نيران الحروب إلى دولنا، بل قد يجعلها جزءاً من ساحة الاشتباك كما حصل في هذه الحرب، والمطلوب استراتيجية دفاع وطني وخليجي مستقلة، تقوم على تنويع مصادر التسليح، وتطوير القدرات الذاتية، وتدريب الاحتياط، وتعبئة الطاقات الشعبية. وبناء منظومة أمن قومي عربية قادرة على حماية المصالح الوطنية والقومية لا الارتهان لحسابات القوى الدولية والإقليمية ومصالحها.
اقتصادياً، لا يكفي الحديث عن (تنويع مصادر الدخل) كشعار مكرر، فالمطلوب مشروع تنموي وطني بديل يبني اقتصاداً منتجاً، يوسع الصناعات النفطية المتقدمة كالتكرير والبتروكيماويات، ويدعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات الإنتاجية، ويقيم مشروعات مشتركة مع دول المنطقة، بحيث لا تبقى الكويت رهينة الريع والاستيراد والمضائق البحرية وحدها.
وسياسياً، يجب الدفع نحو مبادرات إقليمية خليجية لمعاهدة عدم الاعتداء وحسن الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية الخاصة لكل بلد، بالتوازي مع الانفتاح على أطر دولية صاعدة مثل بريكس ومنظمة شنغهاي كجزء من سياسة خارجية أكثر توازناً واستقلالية في عالم يتغير بسرعة.
وقد حان الوقت لتفكير استراتيجي جديد ينطلق من مصالح الكويت الوطنية والقومية، فالأزمة الحالية عبارة عن إنذار تاريخي بأن الأمن الاقتصادي لا يتحقق إلا بالسيادة، والإنتاج، والوحدة الداخلية، والتكامل الخليجي والعربي.
السؤال السابع: في القراءة السياسية الراهنة للواقع العربي نجد أنه يعاني الكثير من الأزمات والتحديات، وقد استندتم في الحركة التقدمية الكويتية إلى ضرورة تعزيز التضامن الكفاحي بين الشعوب العربية وإرساء مبادئ الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، برأيكم ما هو الدور المطلوب من جميع القوى التحررية القومية واليسارية والتقدمية في مواجهة التحديات الراهنة؟
الجواب: إن الواقع العربي اليوم يمر بمرحلة تاريخية شديدة الخطورة والتعقيد، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية البنيوية مع الهجمة الصهيوإمبريالية الهادفة إلى إعادة تشكيل المنطقة. فنحن لا نواجه فقط أزمات اقتصادية أو سياسية جزئية ومنفصلة عن بعضها، بل نواجه حالة شاملة من الاستنزاف والتجزئة والتفتيت، جرى تعميقها لعقود عبر الحروب، والاستبداد، والتبعية الاقتصادية، وإضعاف الحياة السياسية والشعبية، وإشعال الصراعات والانقسامات الداخلية.
ومن هنا، فإن القوى القومية واليسارية والتقدمية والتحررية أمام مسؤولية تاريخية تتعلق بمستقبل الأمة ومصير شعوبها، فهذه القوى مطالبة قبل كل شيء، بإعادة بناء مشروع تحرري وطني وقومي يمتلك رؤية واضحة لمواجهة المشروع الصهيوني الإمبريالي، وفي الوقت نفسه يمتلك برنامجاً تغييرياً يعالج أزمات مجتمعاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ولا يمكن لأي حركة تحرر حقيقية أن تنجح وهي منفصلة عن الجماهير وقضاياها المعيشية واليومية، لذلك فإن المطلوب هو الربط العضوي بين معركة التحرر الوطني والقومي، ومعركة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة. لأن الأمة الضعيفة من الداخل، والمجتمعات المحرومة والمهمشة، تصبح أكثر هشاشة أمام الهيمنة الخارجية والاختراق والتفكيك.
ونحن نرى أن تعزيز التضامن الكفاحي بين الشعوب العربية ليس مجرد شعار عاطفي، بل ضرورة استراتيجية، فالمشروع الذي يستهدف فلسطين هو ذاته الذي يستهدف العراق وسورية ولبنان واليمن والسودان وكل بلد عربي يسعى للحفاظ على استقلال قراره وثرواته وهويته، ولذلك فإن أي مواجهة مجتزأة أو قطرية مع هذا المشروع ستبقى محدودة الأثر ما لم تتحول إلى حالة تحررية عربية شاملة.
كذلك نقع على عاتق القوى التحررية مسؤولية خوض معركة الوعي، في مواجهة حملات التضليل والصهينة والتفكيك الطائفي والمذهبي والإثني، التي تستخدم لضرب الهوية الجامعة وتشتيت البوصلة الشعبية، فإحدى أخطر أدوات الهيمنة اليوم هي تحويل الشعوب من قوى قادرة على الفعل التاريخي إلى جماعات خائفة ومنقسمة ومستهلكة للصراعات الداخلية.
إن معركتنا اليوم ليست فقط معركة دفاع عن الأرض أو السيادة، بل معركة من أجل مستقبل عربي متحرر. وهذه مهمة طويلة وصعبة، لكنها ليست مستحيلة، ما دامت في الأمة قوى حية مؤمنة بحق شعوبها في التحرر والتقدم والكرامة.
السؤال الثامن: في ظل ما تعيشه الأمة والظروف التي يمر بها الوطن العربي، هل هناك أرضية لمشروع قومي عربي؟ وما هي رؤية الحركة التقدمية الكويتية التي تطرحها؟
الجواب: نحن نعتقد أن كل ما تعيشه الأمة العربية اليوم، بكل ما فيه من أخطار وتحديات وحروب ومحاولات تفكيك وإخضاع، يجب ألا يقود إلى اليأس أو الاستسلام، بل يفترض أن يكون دافعاً محفزاً لبلورة مشروع عربي شامل يواجه الهجمة الصهيوإمبريالية، ويعيد للأمة قدرتها على الفعل والمبادرة والنهوض.
فالمشروع الصهيوني الإمبريالي لا يستهدف بلداً عربياً بعينه، ولا يقتصر على فلسطين فقط، بل يستهدف إبقاء الوطن العربي كله في حالة تجزئة وتبعية وضعف دائم، ومنع تشكل أي حالة وحدوية أو تنموية أو استقلالية حقيقية، ولذلك فإن الرد على هذا المشروع لا يمكن أن يكون قطرياً ضيقاً أو آنياً أو تكتيكياً فقط، بل يحتاج إلى رؤية عربية تحررية شاملة تعيد ربط قضايا الأمة ببعضها ضمن إطار تاريخي واحد.
ونحن ننطلق من أن المشروع القومي العربي المطلوب اليوم لا يمكن أن يكون مجرد شعارات شكلية، بل يجب أن يكون مشروعاً تحررياً نهضوياً ديمقراطياً متجدداً، يستفيد من التجارب السابقة بما لها وما عليها، وينطلق من واقع المرحلة الراهنة وتحولاتها الدولية والإقليمية.
إن أي مشروع قومي عربي حقيقي يجب أن يرتكز على عدة أسس مترابطة، أولها مواجهة المشروع الصهيوني باعتباره الخطر الرئيسي على الأمة، ورفض كل أشكال التطبيع والتبعية والاختراق الصهيوني، وثانيها بناء استقلال سياسي واقتصادي حقيقي يحرر القرار العربي من الهيمنة الإمبريالية ومن الارتهان للمراكز الرأسمالية العالمية، وثالثها تحقيق التنمية المنتجة والعدالة الاجتماعية.
كما نرى أن الحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية ليست قضايا ثانوية أو مؤجلة، بل هي جزء أساسي من مشروع النهوض ذاته، فلا يمكن بناء قوة عربية تاريخية فاعلة في ظل تهميش الشعوب، فالأمة القوية هي الأمة التي تطلق طاقات شعوبها السياسية والفكرية والإبداعية.
وفي الوقت نفسه، فإننا نؤكد أن الوحدة العربية التي ننشدها ليست شعاراً رومانسياً أو اندماجاً فوقياً معزولاً عن الواقع، بل مسار تاريخي تراكمي يبدأ بتعزيز التكامل والتنسيق والتضامن بين الدول العربية في مجالات الاقتصاد والدفاع والثقافة والأمن القومي، وبناء مصالح عربية مشتركة تعيد وصل ما مزقته التجزئة الاستعمارية.
ونحن نعتقد أيضاً أن التحولات الدولية الجارية، وتراجع الهيمنة الأحادية الأمريكية، وصعود قوى دولية جديدة، تفتح هامشاً تاريخياً أمام العرب لإعادة التموضع وبناء علاقات دولية أكثر توازناً واستقلالية، شرط امتلاك مشروع عربي واضح وإرادة سياسية وشعبية قادرة على استثمار هذه التحولات.
إن المشروع القومي العربي بالنسبة لنا ليس مجرد حلم نظري، بل ضرورة وجودية، لأن البديل عن مشروع التحرر والنهوض العربي هو المزيد من التفكيك والتبعية والاستباحة. أما المستقبل الذي تستحقه شعوبنا فهو مستقبل الحرية والوحدة والعدالة والتقدم.
( نُشر هذا الحوار في مجلة الهدف، العدد 83 / 1557 )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق