جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

تقديم كتاب أحمد البوخاري (مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة والجرائم السياسية الأخرى في المغرب).

 مقدمة الكتاب: شهادة على حافة الذاكرة والحقيقة

لستُ وحدي من تطارده ظلال الماضي، فلن أنسى أبداً ما حاق بالمهدي بن بركة. لقد قضيتُ ردحاً طويلاً من عمري في دهاليز "الكاب" (الشرطة السرية الأكثر رعباً في تاريخ المغرب الحديث)؛ هناك، حيث كان بن بركة في نظرنا – نحن المنفذين – هدفاً محتوماً يجب "إخماده"، ورجلاً يهدد استقرار النظام والبلاد ويجب القضاء عليه. لأجل ذلك، تتبعنا أدق تفاصيل حياته، ورصدنا حركاته وسكناته، وفكره وشخصيته، وحبكنا خططاً شتى لاغتياله، كنتُ فيها شريكاً مباشراً أو غير مباشر. كنا نتحرك بدافع الواجب المهني الصارم: ننفذ دون أن نسأل.

لكن المفارقة تكمن هنا؛ فمن خلال تغلغلنا في تفاصيل حياته – ربما أكثر من مقربيه – تسلل إلى قلوبنا احترام عميق له، بل وإعجاب بشخصه، كوطني فذ يثبت تفوقه وشجاعته ونقاء سريرته كل يوم. هذا هو بن بركة كما عرفناه من الجانب الآخر للمقصلة.

قد تصدم هذه الاعترافات الكثيرين، لكنها لم تعد تؤرقني؛ فمنذ أن قررتُ كسر جدار الصمت، أصبحتُ أنام هادئ البال ومطمئن الضمير. إن مرور 35 عاماً على رحيله ليس بالزمن البعيد، وقد وطّنتُ نفسي على تحمل التبعات والمخاطر كافة، بما فيها سوء الفهم أو الخداع. لقد ترددتُ كثيراً في الماضي، وخانتني الشجاعة مرات، ولم تكن الظروف السياسية تسمح بفتح هذه الجروح، أما اليوم فقد تغيرت المعادلة، وغدا بن بركة جزءاً لا يتجزأ من تاريخ هذا الوطن الذي أحببته وخدمته، رغم قسوة وتقلبات المرحلة التي قضيتها في "جهاز الكاب" و"شرطة صاحب الجلالة".

من المطاردة إلى التعرية: رسالتي للأجيال الجديدة

لم أعد ذلك الموظف الأمني الذي يكرس حياته لملاحقة "العناصر الهدامة". بالأمس كانت مهمتي مطاردة بن بركة ورفاقه، واليوم غدت مهمتي تعرية الحقيقة التي عاينتها عن كثب، وتقديمها غضة للأجيال الصاعدة.

"إنني أتوجه بطلب الصفح من عائلة بن بركة وأصدقائه الكثر على صمتي الطويل، كما ألتمس العذر من زملائي السابقين ومن سلطات البلاد، لأنني أرفع اليوم الغطاء عن مشاهد مظلمة لا تشرف تاريخنا."

لستُ مؤرخاً ولا كاتباً، ولا أدعي احتكار الحقيقة المطلقة، لكني أطالب بحقي في أن يُستمع إليّ بصفتي شاهداً يمثل فئة عريضة عاصرت هذا المخاض: من منفذين، وجلادين، وضحايا، وصنّاع للتاريخ الحديث.

وثائق الأرشيف: الشهادة المسندة بالدليل

هذا الكتاب ليس مجرد مذكرات شخصية عابرة، بل هو شهادة صادقة وموثقة عن ماضٍ عشته بكل عيوبه وأخطائه. ترتكز هذه الشهادة – إلى جانب تجربتي في "الكاب" – على آلاف الوثائق والأرشيفات السرية؛ سواء من دهاليز المخابرات المغربية أو "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" والمخابرات العامة الفرنسية.

لقد قضيت سنوات طوالاً، بمعدل أربع ساعات يومياً، أنبش في هذه الأرشيفات رفقة العقيد "مارتان" من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ($CIA$). وإن كنت لا أزعم أنها تحوي الحقيقة كاملة، إلا أنها تفيض بالحقائق الدامغة. ومن هنا، أدعو مئات الفاعلين الذين عاصروا تلك الحقبة إلى كسر صمتهم، والمساهمة في كشف المستور، تصالحاً مع الذاكرة وإحقاقاً للحق.

وإذا كنتُ قد حملتُ القلم اليوم، فلأنني أدركتُ أن الإدلاء بشهادتي أمام القضاء المغربي أو الفرنسي أضحى أمراً شبه مستحيل مع مرور الوقت وتلاشي الفرص. لا أريد أن أرحل عن هذا العالم مثقلاً بالحسرة والتأجيل، منتظراً جواز سفر قد لا يأتي، أو قاضي تحقيق يتكرم بالاستماع إلي.

ملفات حاسمة ووقائع مروعة

يأتي هذا الكتاب كمحاولة حاسمة لتسليط الضوء على ملفات شديدة الحساسية والظلمة في تاريخنا، ومنها:

  • قضية المهدي بن بركة وتفاصيل اختفائه.

  • المخربون الفرنسيون الذين اختفوا في المغرب وتورط السلطات في ذلك.

  • التواطؤ الدولي والدعم الذي قدمته أطراف كفرنسا، والولايات المتحدة، وإسرائيل.

  • أحداث مارس 1965 الدامية وقضية عباس المساعدي.

إن هذه الجرائم والمقابر الجماعية ليست وهماً، بل هي حقائق عيانية. ففي يوليو 2001، عاينتُ بنفسي في حي السويسي بالرباط، قرب المعتقل السري "دار المقري"، أشغالاً متسارعة لتعلية الأسوار وجرف التربة بغرض تطهير المكان وإخفاء بقايا العظام البشرية لضحايا دُفنوا هناك بين 1960 و1973. وفي عام 2002، مررتُ بالقرب من المقابر الجماعية لشباب انتفاضة مارس 1965 على الطريق السيار بين الدار البيضاء ومطار محمد الخامس. مشاهد مرعبة تعكس الوجه المظلم لـ "الكاب" ومغرب تلك الحقبة.

المسؤولية الفرنسية وكلمة القضاء

ختاماً، لا يمكن تجاوز السلوك الفرنسي في هذه القضية، والذي اتسم بوقاحة بالغة تفوق الوصف وإهانة لذكاء الشعب الفرنسي نفسه. إن مسؤولية الدولة الفرنسية قائمة وواضحة؛ فمنذ 29 أكتوبر 1965، لم تحرك باريس ساكناً لكشف الحقيقة، بل وضعت العراقيل السياسية والقانونية التي عجز قضاة التحقيق عن اختراقها، وهو ذات السيناريو الذي تكرر في المغرب.

لقد حان الوقت لكسر هذا الطوق، وتحديد المسؤوليات، وترك العدالة والمجتمع يسطران الكلمة الفصل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *