الاغتيال... يستطيع الشهيد أن ينهض الآن. م.إسماعيلي
ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني
حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-2-
الاغتيال... يستطيع الشهيد أن ينهض الآن.
في ذلك الشتاء الثقيل، كان البلد يبدو كمن يمشي فوق زجاجٍ مكسور. المدن هادئة من بعيد، لكن تحت جلدها كانت النار تشتعل ببطء: أسئلة الحرية، والعدالة، والسلطة، والمنفى، والخوف الذي صار يتسلل إلى البيوت كما يتسلل البرد من شقوق النوافذ القديمة.
كان الناس يتحدثون همساً. الأسماء الكبيرة تُذكر بحذر، كأن مجرد التلفظ بها قد يجلب المصيبة. والبلاد كلها بدت معلقة بين حلمٍ يريد أن يولد، وقبضةٍ تخشى أن تفلت منها الأشياء.
وسط ذلك كله، كان الشهيد يتحرك بعجلة رجلٍ يشعر أن الوقت يطارده. لا يهدأ. لا يساوم. كأن في داخله ساعة خفية تدق أسرع من ساعات الآخرين.
لم يكن مجرد محامياً أو صحافياً أو قيادياً حزبياً. كان عقلاً مشتعلاً، ولساناً حاداً يجرح صمت الخوف، وروحاً لا تعرف التراجع. خرج من السجون أصلب مما دخل. نجا من الطرود الملغومة، ومن ظلال الإعدام، ومن التهم الثقيلة التي كانت تمر فوق رأسه كسيفٍ معلق، ثم يعود دائماً إلى مكتبه الصغير في الجريدة، يكتب بعناد رجلٍ اكتشف أن الكتابة نفسها شكلٌ من أشكال المقاومة.
في ذلك العام، بدا كأنه يحاول أن يعيش أعماراً كثيرة دفعةً واحدة. يجوب المدن. يؤطر الشبيبة. يخطب في القاعات المكتظة بالدخان والأسئلة. يكتب افتتاحيات تشبه الطعنات. ويزرع في المناضلين يقيناً جديداً: أن اليسار ليس شعارات تُرفع، إنما هو أخلاق مواجهة أيضاً.
كان يضحك كثيراً، على نحوٍ يثير القلق أحياناً. ضحكة رجل يعرف هشاشة الحياة، لذلك يلتهمها بسرعة.
لكن الموت، في الجهة الأخرى، كان يرتب خطته بصبرٍ بارد.
منذ أسابيع، بدأت الظلال تتكاثر حوله. وجوه مجهولة قرب البيت. سيارة تتكرر في الأزقة نفسها. خطوات تتباطأ حين يلتفت. وأفكار مشبعة بالكراهية، تُلبِس القتل هيئة “واجب مقدس”.
صار المناخ مسموماً إلى درجة أن الاختلاف السياسي وحده يكفي لتبرير هدر الدم.
في ظهيرة ذلك اليوم، غادر مقر الجريدة كعادته. كان قد أمضى الساعات الأخيرة من النهار بين المقالات والضحك العابر والنكات التي يوزعها على العمال، كأن الحياة ما تزال تتسع لأيام أخرى.
عاد إلى البيت. تناول غداءً بسيطاً مع أسرته. ثم تهيأ للخروج رفقة والدته في زيارة عائلية.
فتح باب سيارته البيضاء.
وفي تلك اللحظة القصيرة، انقضت الظلال.
يدٌ غادرة شدت جسده إلى الخلف. قضيب حديدي هوى على رأسه. ثم لمع الخنجر.
حدث كل شيء بسرعةٍ وحشية، كأن الموت كان مستعجلاً.
حاول أن يقاوم. تشبث بقاتله بقوة رجلٍ لم يتعلم السقوط بسهولة. لكن الطعنات كانت أسرع من القلب.
وفي ثوانٍ قليلة، كان الشهيد ممدداً قرب سيارته، ودمه الحار ينساب فوق الإسفلت ببطءٍ موجع، كأنه يكتب البيان الأخير.
لم يكن قد بلغ الأربعين بعد.
في تلك الأثناء، داخل مقر الحزب، كنا نستعد لشيء آخر تماماً.
أوراق الشبيبة الاتحادية مبعثرة فوق الطاولات. آلات “الستانسيل” تدور بلا توقف. الأصوات تتداخل. والحماس يملأ المكان.
كنا نظن أن المعركة القادمة ستكون معركة أفكار فقط: شعارات، تقارير، مؤتمرات، وأحلام كبيرة عن وطنٍ أقل قسوة.
ثم فُتح الباب بعنف.
دخل الرفيق مترنحاً، شاحب الوجه، كأن أحدهم انتزع الهواء من صدره. كان صوته مكسوراً على نحوٍ لم نعرفه فيه من قبل:
— “قتلوه… قتلوه…!”
تجمد كل شيء.
حتى الآلة توقفت، كأن الحديد نفسه أصابه الذهول.
سأله أحدنا بصعوبة: — “من؟”
فخرج الجواب كرصاصة اخترقت القاعة:
— “الشهيد… قتلوا الشهيد.”
بعدها، لم يعد أحد يتذكر كيف خرجنا من المقر. كيف ركضنا في الشوارع. كيف وصلنا إلى الحي.
الذاكرة احتفظت فقط بصورة واحدة:
السيارة البيضاء واقفة بصمت، وذلك الدم…
ذلك الدم الذي لم يجف بعد فوق الإسفلت.
كان كثيفاً. فادحاً. وحقيقياً أكثر من قدرتنا على التصديق.
في تلك اللحظة، شعرنا أن البلد كله انطفأ قليلاً.
لكن شيئاً آخر وُلد أيضاً.
شيء يشبه الغضب النبيل. شيء يشبه القسم. شيء يشبه الإصرار العنيد على ألا يذهب الدم هباءً.
انعقد المجلس الوطني للشبيبة الاتحادية بعد أيام من الاغتيال. الحزن كان يرفرف فوق القاعة كراية سوداء. الوجوه شاحبة. الأصوات منخفضة. وحتى الكلمات بدت متعبة من كثرة ما حملت من فاجعة.
غير أن الشهيد كان حاضراً في كل زاوية.
في العيون المبللة. في القبضات المرفوعة. في الصمت الثقيل بين الجمل. وفي ذلك الشعار الذي دوّى داخل القاعة كقسمٍ جماعي ضد الخوف:
“إذا اغتال المغتالون الشهيد… فكلنا الشهيد.”
حينها أدركنا أن الخناجر تستطيع قتل الجسد، لكنها تعجز عن قتل الفكرة حين تتحول إلى ذاكرة شعب.
صار الشهيد أكثر حضوراً بعد موته. كأن دمه فتح باباً واسعاً داخل الوعي الوطني.
وفي الأربعينية، امتلأت القاعة عن آخرها. الذين جاؤوا باكين في الأيام الأولى، عادوا هذه المرة يحملون شيئاً آخر أيضاً: كبرياء خافتاً، وعناداً يشبه الضوء.
صعد الشاعر الكبير وألقى قصيدته: “عرس الشيخ”.
وكان صوته يرتجف بين الرثاء والتمرد، بين الحزن والغضب، كأنه لا يلقي قصيدة، بل يشعل جمراً قديماً تحت الرماد.
وحين بلغ المقطع:
“يستطيع الشهيد أن ينهض الآن…”
شعرنا أن القاعة كلها ارتعشت.
لم يكن الشهيد غائباً. كان هناك، في ارتعاشة الأيدي، في العيون التي رفضت الانكسار، في ذلك الإيمان العنيد بأن الرجال قد يُغتالون أحياناً، أما الأحلام الكبيرة، فتعرف دائماً كيف تؤجل موتها.
م.إسماعيلي
2026\05\26
* ملحوظة: الصورة من توليد الذكاء الاصطناعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق