حمودي... الفتى الذي استشهد واقفا.م.إسماعيلي
ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني
حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
حمودي... الفتى الذي استشهد واقفا.
في مساءٍ ثقيل من ربيع ذلك العام ، كانت المدينة تبدو كأنها تخفي خوفها تحت ضوء المحيط.
الريح القادمة من الأطلسي كانت تمرّ على الأزقة الفقيرة لحيّ أغزديس بجوار أنزا، وعلى الوجوه المتعبة للعمال والتلاميذ، وعلى البيوت التي اعتادت أن تقتسم الخبز والقلق معاً.
وفي مكانٍ ما من تلك المدينة، كان شاب نحيل ينادونه حمّودي يتهيأ لشيء أكبر من عمره بكثير.
لم يكن بطلاً أسطورياً كما تصنعهم الحكايات المتأخرة، أو زعيماً يحيط به الحراس والهتافات.
كان مجرد فتى مغربي خرج من قلب الفقر حاملاً حقيبة دراسة وأحلاماً أوسع من جدران البلاد الضيقة آنذاك. يشتغل في معامل السردين، ويحمل الأثقال في الميناء، ويعود ليلاً إلى دفاتره كأن المعرفة شكل آخر من أشكال المقاومة. وكان يعرف، باكراً، أن الفقراء لا يملكون ترف الحياد.
في تلك السنوات، كانت فلسطين تسكن الوجدان العربي مثل جرح مفتوح. وكان يوم الأرض أكثر من مناسبة عابرة؛ اختبار أخلاقي كامل:
إما أن تنحاز للأرض المغتصبة وللناس الذين يُقتلعون من بيوتهم، أو تكتفي بالصمت الذي يشبه الخيانة. لم يتردد الفتى، وقف بين رفاقه، بعينيه المتقدتين وحماسته التي تشبه يقين الشباب.
ألقى الكلمات، وزّع المناشير، وشارك في المظاهرات التي كانت ترى في فلسطين امتداداً لمعركة الحرية داخل البلد نفسه.
فالقمع، مهما اختلفت الرايات، يظل القمع ذاته.
والجلاد يتغير وجهه فقط.
لكن السلطة التي كانت ترتجف من فكرة الحرية، لم تكن ترى في ذلك التلميذ المتفوق مجرد شاب يحتج. كانت ترى خطراً كاملاً يمشي على قدمين. اقتحموا حرمة الداخلية التي كان يقيم بها... اختطفوه كما تُختطف الأسرار في الليل. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الجسد الصغير رحلة العذاب الكبيرة.
في مخافر الشرطة ، تحوّل التعذيب إلى طقس يومي.
الكهرباء، الجلد، الركل، الإهانات، والسياط التي تهبط على جسد لم يتجاوز العشرين إلا بقليل.
كانوا يريدون اعترافات، أسماء، انكساراً معنوياً يليق بزمن الرصاص.
لكنه، مثل كثيرين من أبناء تلك المرحلة، كان يعرف أن الجسد قد ينهزم، بينما تبقى الفكرة واقفة.
شيئاً فشيئاً، صار حمودي عاجزاً عن الحركة والكلام.
وحين قُدِّم إلى المحكمة، حمله رفاقه على الأكتاف ليس احتفاء به وإنما قدميه لم تعودا قادرتين على حمله من شدة الضرب والتعذيب.
كان المشهد مرعباً:
شاب في مقتبل العمر، بوجه شاحب وجسد محطم، يقف شاهداً حيّاً على ما يمكن أن تفعله الوحشية حين ترتدي زيّ الدولة.
طلب المحامون نقله إلى المستشفى.
رأى الجميع آثار التعذيب.
لكن أحداً لم يُرِد أن يسمع أنين الحقيقة.
وفي مساء ذلك اليوم بعدما تأخر كل شيء، أسلم الفتى روحه إلى بارئها.
رحل بهدوء يشبه تعب الفقراء الطويل.
رحل قبل أن يصبح مهندساً.
قبل أن يكمل أحلام أمّه.
قبل أن يرى فلسطين حرّة، أو يرى بلده أقل خوفاً.
لكن الموت، أحياناً، لا ينجح في إنهاء الحكاية.
حين شُيّع جثمانه في مدينته، كان النعش ملفوفاً بعلم وطنه وعلم فلسطين معاً، كأن الشاب الذي خرج للاحتجاج من أجل أرض بعيدة، عاد ليقول إن الحرية لا تتجزأ.
وأن الطريق إلى القدس يمر أيضاً عبر مقاومة الظلم أينما كان.
بكت أمّه بصمت النساء اللواتي يعرفن أن أبناءهن حين يدخلون التاريخ، لا يعودون بالكامل إلى البيت.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد حميدو مجرد اسم في ملف قديم أو صورة باهتة في جريدة...
صار رمزاً لجيل كامل حلم بالديمقراطية ودفع ثمن الحلم من جسده.
جيل كان يؤمن أن الوطن لا يُبنى بالخوف، وأن فلسطين ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، بل مرآة لكرامة الإنسان كلها.
مرت السنوات، وتبدلت الوجوه والشعارات، لكن الحقيقة بقيت معلقة مثل سؤال موجع:
من قتل الفتى؟
ومن يحاسب الجلادين؟
ظل الملف مفتوحاً في ذاكرة الرفاق والأمهات حتى حين حاول النسيان الرسمي أن يطمره.
فثمة شهداء لا يموتون لأنهم ببساطة يتحولون إلى ضمير.
وفي كل ذكرى ليوم الأرض، يعود ذلك الشاب النحيل من بعيد، حاملاً دفاتره وآلامه وأحلامه المؤجلة، كأنه يهمس لشباب بلده:
إن الحرية لا تُمنح،
وإن الكرامة تُنتزع،
وإن الأوطان التي تنسى شهداءها، تفقد شيئاً من روحها كل مرة.
م.إسماعيلي
2026\05\28
* ملحوظة: الصورة من توليد الذكاء الإصطناعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق