جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

المشاركة والمقاطعة: حين تتحول التكتيكات إلى عقائد و تتحول السياسة إلى جدل دائري عقيم/الرفيق محمد السفريوي

 المشاركة والمقاطعة: حين تتحول التكتيكات إلى عقائد

و تتحول السياسة إلى جدل دائري عقيم/الرفيق محمد السفريوي
مستهجن ما تحمله لنا النقاشات السياسية اليوم، خاصة ذلك السعي إلى تحويل الموقف من الانتخابات إلى معيار حاسم يحدد المواقع السياسية والأخلاقية. فبدل أن نعتبر المشاركة أو المقاطعة خيارين تكتيكيين تحكمهما موازين القوى والأهداف والظروف التاريخية، يجري تقديمهما كما لو كانا عقيدتين متقابلتين .
فمن جهة، هناك من يكتشف فجأة أن المقاطعة هي جوهر الماركسية اللينينية وروحها الخالدة، أو من جهة أخرى، هناك من يحول المقاطعة إلى مقياس للمبدئية والصلابة النضالية، بحيث يصبح مجرد المشاركة دليلا على الانبطاح، بينما تغدو المقاطعة قرينة للنزاهة الثورية.
وفي الحالتين معا يضيع جوهر السياسة.
فالسياسة ليست شعائر و طقوس على المؤمنين الالتزام بها كامتحان في نقاء العقيدة. السياسة تقدير للممكن، وإدارة للصراع، واختيار للأدوات الأكثر خدمة لاستراتيجية محددة. لذلك لا توجد مشاركة مقدسة ولا مقاطعة مقدسة. توجد فقط خيارات تقاس بمدى خدمتها للأهداف الكبرى التي يسعى إليها الفاعل السياسي.و على ضوئها تصاغ التقييمات.
فمثلا حين يقرر تنظيم سياسي العمل داخل أجهزة نقابة بيروقراطية أو فاسدة، لا يعني ذلك أنه يمنحها شهادة حسن سيرة أو يزكي ممارساتها. كما أن مقاطعته لها لا تعني تلقائيا أنه أكثر جذرية أو أكثر وفاءً لقضايا الشغيلة. القيمة السياسية لا تكمن في الدخول أو الخروج، بل في ما يخدمه كل خيار من أهداف وما يحققه من نتائج.
لقد تحولت مسألة المشاركة والمقاطعة عند البعض إلى جدل دائري عقيم، يهدر فيه قدر هائل من الجهد دون أي أفق عملي. وكأن الأزمة الحقيقية في مجتمعاتنا ليست الاستبداد والفساد والتفاوتات الاجتماعية وتراجع السياسة نفسها، بل تحديد من يملك الحق الحصري في احتكار صفة "المبدئي".
يا سادة، تصرفوا كسياسيين. ناقشوا الاستراتيجيات والبرامج وموازين القوى والنتائج المتوقعة. أما تحويل التكتيكات إلى هويات مغلقة، وإلى وسيلة لتوزيع صكوك الشرعية السياسية، فليس سوى هروب من السياسة إلى جدالات وهمية لا تنتج إلا مزيداً من العجز .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *