جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

القرى الحدودية: قضية وطنية لا طائفية! د. طنوس شلهوب

 القرى الحدودية: قضية وطنية لا طائفية!

د. طنوس شلهوب
يعبّر البيان الصادر عن "تجمّع القرى المسيحية
الحدودية" (نص البيان في التعليق الاول) عن معاناة حقيقية يعيشها أبناء تلك القرى نتيجة القصف والدمار والعزلة وتراجع الخدمات الأساسية، وهي معاناة لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. غير أن المشكلة لا تكمن في المطالب الإنسانية التي يطرحها البيان، بل في اللغة السياسية التي يعتمدها وفي الطريقة التي يعرض بها أسباب هذه المعاناة.
فالبيان يتحدث عن "قصف متكرر من جهات مختلفة"، وكأن القرى الحدودية تواجه أخطاراً مجهولة المصدر أو متعددة المسؤوليات، فيما يعرف جميع أبناء الجنوب، وخصوصاً أبناء القرى المذكورة في البيان، أن المعتدي الوحيد الذي دمّر المنازل والطرقات والمراكز الصحية وطواقم الاسعاف والفرق الاعلامية والمدنيين المتنقلين على الطرقات او الآمنين في منازلهم هو إسرائيل. ولذلك فإن أول ما يلفت الانتباه هو هذا الإصرار على إخفاء اسم المعتدي واستبداله بعبارات فضفاضة ومبهمة تساوي بين الضحية والجلاد وتطمس حقيقة ما يجري على الأرض، وتخلق الالتباس بين العدو الصهيوني والمقاومين الابطال.
فهل كانت "جهات مختلفة" هي التي قتلت كاهن القليعة، او التي استهدفت عائلة الدكتور كرم من القليعة ايضاً، وتسببت باستشهاده مع ولديه على طريق الخردلي؟ وهل كانت "جهات مختلفة" هي التي قصفت دير ميماس ورميش وعين إبل والقليعة ودبل وسائر القرى الحدودية، ودمّرت المنازل والارزاق؟
والأكثر غرابة أن البيان، بعد أن يتجنب تسمية المعتدي، يوجه كل خطابه إلى الدولة اللبنانية، مطالباً إياها بتحمل مسؤولياتها. ولا شك أن للدولة واجبات لا يجوز التنصل منها، لكن منطق البيان يوحي وكأن أصل المشكلة هو تقصير الدولة لا العدوان الإسرائيلي المستمر. فلا نجد أي إدانة واضحة للاعتداءات الإسرائيلية، ولا أي مطالبة بوقفها، ولا أي تحميل للمحتل مسؤولية ما ألحقه من قتل ودمار وتهجير.
إلى جانب ذلك، يطرح البيان إشكالية أخرى تتمثل في تأطير القضية ضمن عنوان "القرى المسيحية الحدودية". فهذه القرى ليست مستهدفة لأنها مسيحية، بل لأنها قرى لبنانية جنوبية تقع على خط المواجهة مع إسرائيل. والشهداء الذين سقطوا في القليعة أو عين إبل أو دير ميماس هم ضحايا العدوان نفسه الذي حصد أرواح أبناء عيترون والخيام وكفركلا وبنت جبيل وسائر قرى الجنوب. لذلك فإن تحويل المأساة إلى عنوان طائفي لا يخدم قضية هذه القرى، بل يعزلها عن محيطها الطبيعي وعن وحدة المصير التي تجمع جميع أبناء الجنوب.
لقد أثبتت التجارب أن القذائف الإسرائيلية لا تسأل عن الهوية المذهبية لضحاياها، وأن الطائرات التي قصفت الكنائس والمنازل والطرقات في القرى المسيحية هي نفسها التي قصفت المساجد والمنازل والحقول في القرى الأخرى. ومن هنا فإن الدفاع عن هذه القرى لا يكون بإبراز خصوصيتها الطائفية، بل بالتأكيد على انتمائها الوطني وعلى وحدة المعاناة والمصير بين جميع اللبنانيين الذين يواجهون العدوان ذاته.
إن من حق أبناء هذه القرى أن يطالبوا بالحماية والخدمات والتعويضات وبكل مقومات الصمود في أرضهم، لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يتساءل: كيف يمكن الحديث عن القصف والقتل والدمار من دون تسمية من يقصف ويقتل ويدمر؟ وكيف يمكن الدفاع عن الضحايا مع إغفال ذكر الجهة التي صنعت مأساتهم؟ إن تسمية الأشياء بأسمائها ليست تفصيلاً لغوياً، بل هي الخطوة الأولى في أي موقف وطني وأخلاقي صادق.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *