جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

احمد البوخاري يبرئ الشهيد المهدي بن بركة من دم الشهيد عباس المسعدي

احمد البوخاري يبرئ الشهيد المهدي بن بركة من دم الشهيد عباس المسعدي في كتابه(مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة والجرائم السياسية الأخرى في المغرب).

 «بوصوله في ماي 1956 إلى مديرية الأمن الوطني، حدد الغزاوي هدفه في تصفية قدماء المحاربين في المقاومة الذين رفضوا التخلي عن السلاح والتعاون مع القصر وحزب الاستقلال من دون رحمة، وكذلك في تصفية قادة وأعضاء حزب الشورى والاستقلال الذي تم القضاء عليه نهائياً بعد ذلك، ثم استعادة الأمن في البلاد بعد عامين أو ثلاثة من المقاومة المسلحة بين 1953 و1955، لكن دون نسيان القضاء على المستقبل السياسي لبن بركة. وكان الغزاوي يتوفر على الضوء الأخضر من لدن الملك لتنفيذ مخططه الدموي، من أجل تقوية مكانته على رأس جميع أسلاك الأمن والشرطة في البلاد.

وقد اتبع طريقة محددة في تحقيق هذه الأهداف؛ حيث اعتمد على قدماء المقاومين الموجودين في الدائرة السابعة بالدار البيضاء، بدءاً من الحسين الصغير نفسه، لاغتيال مئات الأشخاص، كما اعتمد على ميليشيات حزبه (الاستقلال) وبعض عناصر الدائرة السابعة للقضاء على رجال حزب الشورى والاستقلال.

أما مع المهدي بن بركة فقد اتبع مخططاً مختلفاً؛ إذ زج به في ملف اغتيال عباس المسعدي، الذي كان يُعدّ في بداية 1956 رجلاً مسلحاً يمثل خطراً سواء بالنسبة للقصر أو لحزب الاستقلال. لقد تم التخطيط لاغتيال المسعدي في جبال الريف بين 1954 و1955 من طرف عناصر الدائرة السابعة الذين أشرفوا هم أنفسهم على تنفيذ العملية، بمشاركة اثنين من السياسيين كانا يُقدَّمان على أنهما زعيمان في جيش التحرير الشعبي، وهذان الشخصان لا يزالان على قيد الحياة حتى اليوم رغم أنهما قد بلغا من الكبر عتياً. لكن بن بركة، الذي كان قد دخل في مفاوضات مع المسعدي من أجل الانضمام إلى حزب الاستقلال، لم تكن له يد في عملية الاغتيال التي دبرها الغزاوي وقادها الحسين الصغير، وحاولا إلصاق التهمة به لتدمير مساره السياسي منذ بداية العام 1956.»



تُشكل شهادة أحمد البوخاري (العميل السابق لجهاز الكاب 1 - المخابرات المغربية) اختراقاً رواياتياً كبيراً لواحد من أعقد الملفات الدموية في تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال: اغتيال عباس المسعدي، قائد جيش التحرير في الريف، ومحاولة توريط الزعيم الاتحادي المهدي بن بركة.

فيما يلي قراءة تحليلية تفكك أبعاد هذه الشهادة، خلفياتها، والآليات السياسية والأمنية التي حكمت تلك المرحلة الحرجة (عام 1956).

1. تفكيك الأطراف الفاعلة وصراع الشرعيات

تُبرز الشهادة خارطة صراع شرسة على السلطة والنفوذ فور نيل الاستقلال، وتحدد ثلاثة أطراف رئيسية:

  • المؤسسة الأمنية الناشئة (محمد الغزاوي): مدير الأمن الوطني آنذاك، والذي تُظهره الشهادة كمهندس "للمخطط الدموي" بتفويض أو "ضوء أخضر" من القصر الملكي (السلطان محمد الخامس ومحيطه)، بهدف احتكار أدوات العنف الشرعي وتثبيت ركائز الحكم الفردي.

  • جيش التحرير والمقاومة المسلحة: ممثلاً في عباس المسعدي وعناصر "الدائرة السابعة" بالدار البيضاء. هؤلاء رفضوا إلقاء السلاح وتذويب جيش التحرير في الجيش الملكي، فاعتبرهم القصر وحزب الاستقلال "خياراً راديكالياً" يهدد الدولة الناشئة.

  • النخبة السياسية (المهدي بن بركة وحزب الاستقلال): بن بركة كان يمثل الدينامية السياسية والتنظيمية للحزب (قبل الانشقاق وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية). وحسب الشهادة، كان بن بركة ينهج خيار الاستيعاب السياسي للمسعدي، لا تصفيته جسدياً.

2. آليات التصفية والتوظيف المزدوج (ضرب عصفورين بحجر)

تكشف القراءة التحليلية للنص عن "استراتيجية أمنية خبيثة" قادها الغزاوي، اعتمدت على ضرب الخصوم ببعضهم البعض:

  • تصفية المسعدي (الحاجة الأمنية والسياسية): كان المسعدي يمثل خطراً حقيقياً في الريف؛ لامتلاكه السلاح والشرعية الميدانية، ورفضه للحلول السياسية التنازلية. اغتياله كان ضرورة للقصر وحزب الاستقلال معاً لتأمين مركزية الدولة.

  • شيطنة بن بركة (الهدف البعيد): لم يكتفِ المخطط بالتخلص من المسعدي، بل تم استغلال الجريمة "لإلصاق التهمة" بالمهدي بن بركة. الغرض هنا هو الاغتيال المعنوي والسياسي المبكر لشخصية كاريزمية كانت تتطلع لبناء دولة مؤسسات وتنظيم شعبي قوي قد ينافس القصر مستقبلاً.

3. أدوات التنفيذ: اختراق المقاومة (الدائرة السابعة)

تكمن خطورة شهادة البوخاري في إماطة اللثام عن كيفية اختراق الأجهزة الأمنية لجسد المقاومة:

"اعتمد على قدماء المقاومين الموجودين في الدائرة السابعة... بدءاً من الحسين الصغير نفسه".

هذا يعني أن الأمن أدار "حرباً بالوكالة" داخل صفوف المقاومين أنفسهم، حيث استُعمل جناح من المقاومة (الحسين الصغير وعناصره) لتصفية جناح آخر (المسعدي وجيش التحرير بالريف)، مما خلق شرخاً تاريخياً واقتتالاً داخلياً غُيبت فيه الحقيقة لعقود.

4. تبرئة بن بركة: المفاوضات بدل الرصاص

يؤكد التحليل الخيار الاستراتيجي لبن بركة في تلك الفترة:

  • بن بركة كان يرى في جيش التحرير والمسعدي خزاناً استراتيجياً وقوة شعبية يجب إدماجها داخل حزب الاستقلال لتقوية الجبهة السياسية في مواجهة القصر.

  • من الناحية البراغماتية، لم يكن لبن بركة مصلحة في قتل المسعدي، لأن تصفيته تعني إضعاف الجناح المسلح القريب من الحزب، وفتح الباب أمام القصر للسيطرة المطلقة على المشهد، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً عبر تأسيس الجيش الملكي وتعيين ولي العهد (الحسن الثاني) على رأسه.

خلاصة واستنتاجات سياسية

  1. صناعة "الملفات المطبوخة": تُثبت الشهادة أن آليات "المخزن" في تصفية المعارضين سياسياً عبر توريطهم في قضايا جنائية أو اغتيالات (تسييس العدالة والأمن) هي عقيدة قديمة ولدت مع بزوغ فجر الاستقلال.

  2. صراع الإخوة الأعداء: دفع مغرب ما بعد 1956 ثناً باهظاً جراء تصفية الحسابات بين رفاق السلاح، وتم توجيه الرصاص الذي كان موهجاً للمستعمر إلى صدور المقاومين.

  3. إعادة قراءة التاريخ: شهادة البوخاري تُعيد الاعتبار المعنوي للمهدي بن بركة في هذا الملف المحدد، وتكشف أن تهمة قتله للمسعدي (والتي روجت لها أطراف عدة لسنوات) كانت "مؤامرة دولة" مزدوجة للتخلص من خطر الريف المسلح، ومن طموح اليسار السياسي في العاصمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *