جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

العالم في طور الانحلال التاريخي/فؤاد الخمليشي

 العالم في طور الانحلال التاريخي/فؤاد الخمليشي

بلغت الأزمة البنيوية للنظام العالمي مرحلةً متقدّمة من التفكّك التاريخي، حتى صار الخراب سمةً عامة تطبع الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلاقات الإنسانية معًا. فما يجري عبارة عن تناقضات عميقة راكمها نظام قائم على الاستغلال والهيمنة وإخضاع الإنسان لمنطق الربح والقوة. لذلك تتدفّق مظاهر الانهيار من كل اتجاه: عنفٌ معولم، وتسليعٌ شامل للوعي، وتحلّل متسارع للروابط الاجتماعية والقيم الإنسانية، فيما تُلقى أعباء الأزمة على الشعوب في صورة حروبٍ ومجاعاتٍ وتهجيرٍ وتفككٍ جماعي.
في قلب هذا المشهد تتقدّم قوى اليمين الفاشي والرجعي بأشكال مختلفة تحددها خصوصية كل مجتمع وتاريخه. فالليبرالية الرأسمالية المتوحشة لم تكتفِ بتحويل العمل إلى شكلٍ من العبودية المقنّعة، وإنما حوّلت الإنسان نفسه إلى قيمة تبادلية تُقاس بمنفعته داخل السوق. ومن داخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة تنبعث النزعات العرقية والطائفية والأصوليات المغلقة بوصفها أدوات لإعادة توجيه الغضب الشعبي بعيدًا عن جذور الاستغلال الحقيقية. وهكذا تتحوّل التناقضات الاجتماعية إلى صراعات هوية عمياء، يجري من خلالها تفتيت المجتمع ومنع تشكّل وعي جماعي قادر على فهم أسباب المأساة الفعلية.
لقد أصبح العيش في هذا العالم أكثر قسوة واختناقًا، لأن منظومة الهيمنة العالمية لم تعد قادرة على تقديم أي أفق تاريخي للبشرية. فكلما تعمّقت أزماتها، اتّسع نطاق النهب والعنف والتفاوت الطبقي والتفكك الاجتماعي. الحروب لم تعد استثناءً، وإنما أصبحت جزءًا عضويًا من آلية اشتغال هذا النظام، كما لم تعد المجاعات والهجرات الجماعية والانهيارات الاقتصادية نتائج جانبية، وإنما مظاهر ملازمة لبنية عالمية تقوم على تراكم الثروة في قطب، وتعميم البؤس في أقطاب أخرى. لذلك يجري تقديم البربرية الحديثة باعتبارها قدرًا نهائيًا، فيما تُحاصر أي إمكانية لولادة بديل تاريخي قادر على تنظيم الغضب الشعبي وتحويله إلى قوة تغيير واعية.
هذا الواقع لم ينشأ بصورة عفوية، وإنما جرى إنتاجه عبر عمل طويل ومعقّد شاركت فيه المؤسسات السياسية والمالية والإعلامية والثقافية والأمنية التابعة لمراكز الهيمنة العالمية. فقد أُعيد تشكيل البنى الاجتماعية بما يخدم استمرار السيطرة، وصُنعت طبقات من الوكلاء والسماسرة والمثقفين المرتبطين بمصالح النظام القائم، وزُرعوا داخل مؤسسات الدولة والأحزاب والمنابر الإعلامية والثقافية، بل وحتى داخل القوى التي كان يمكن أن تتحوّل إلى مشروع تحرّري حقيقي. جرى تفكيك التنظيمات الاجتماعية المنظمة، وتشويه الوعي الجماعي، وإغراق المجال العام بالتفاهة والاستهلاك والعدمية، حتى يُدفع الناس نحو اليأس أو الاحتراب الداخلي، عوض إدراك البنية العميقة التي تنتج الاستغلال والتبعية والانهيار.
إنّ الأزمة الراهنة تبدو، على سطحها، أزمة أخلاق وقيم، غير أنّ جوهرها أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة نظام استنفد شروط استمراره التاريخي، ولم يعد قادرًا على إعادة إنتاج الحياة الإنسانية بصورة متوازنة. لذلك يعيد إنتاج الخوف والعزلة والاغتراب والعنف والانهيار الروحي على نطاق واسع. السياسة تحوّلت إلى إدارة مباشرة لمصالح القوى المهيمنة، والثقافة جرى تفريغها من بعدها النقدي وتحويلها إلى سلعة، والإعلام صار جهازًا ضخمًا لإعادة تشكيل الوعي وتبرير الهيمنة وإخفاء التناقضات الحقيقية التي تمزّق العالم.
ومع ذلك، فإنّ التناقضات التي تدفع هذا النظام نحو المزيد من التوحّش تحمل في داخلها أيضًا شروط اهتزازه وتفككه. فما يبدو استقرارًا عالميًا ليس سوى توازن هشّ قائم على القمع والنهب وإدارة الأزمات بالقوة. وكلما تعمّقت الهوة بين الثروة الهائلة التي ينتجها البشر وبين البؤس الذي يُفرض عليهم، اتّسعت إمكانات الانفجار الاجتماعي والتاريخي. فالشعوب، رغم ما تتعرّض له من إنهاك وتشتيت، ما تزال تختزن طاقات هائلة للمقاومة والتغيير، لأن الحاجة إلى العدالة والكرامة والتحرّر ضرورة تنبع من صميم الواقع نفسه، وتتجدّد كلما بلغ الاستغلال حدوده القصوى.
Fouad Khamlichi 15/05/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *