الانتخابات في المغرب: صندوقٌ مُحكَم ووجعٌ مُمتدّ/فؤاد خمليشي
الانتخابات في المغرب: صندوقٌ مُحكَم ووجعٌ مُمتدّ/فؤاد خمليشي
في المغرب، لا تُقدَّم الانتخابات باعتبارها أداةً لتغيير موازين السلطة، بل كآليةٍ لإعادة ترتيب الواجهة السياسية مع الحفاظ الكامل على البنية العميقة للحكم. كل دورة انتخابية تُسوَّق باعتبارها “عرسًا ديمقراطيًا”، بينما يعرف الجميع أن حدود القرار مرسومة سلفًا، وأن المؤسسات المنتخبة تتحرك داخل سقفٍ ضيق لا يسمح بالاقتراب من جوهر السلطة والثروة.
تدخل الأحزاب الحملات بشعارات ضخمة عن التنمية والعدالة والكرامة، ثم تنتهي إلى الوظيفة نفسها: امتصاص الغضب الشعبي، وتوزيع الأوهام، وتحويل المأساة الاجتماعية إلى أرقام انتخابية. المواطن المغربي لا يُستدعى ليحكم، بل ليمنح الشرعية لمشهدٍ سياسي مغلق. يُطلب منه أن يختار بين نخبٍ تختلف في اللغة والأسلوب، لكنها تتحرك داخل المنطق نفسه: حماية التوازنات القائمة، وعدم المساس بالبنية الاقتصادية والسياسية التي تنتج الفقر والتفاوت والتهميش.
في القرى والأحياء الشعبية، حيث البطالة والهشاشة وانهيار الخدمات الأساسية، تتحول الانتخابات إلى موسمٍ لإعادة تدوير الزبونية واستعمال المال والنفوذ والوعود المؤقتة. تُشترى الأصوات أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا عبر شبكات المصالح والخوف والحاجة. وحين تنتهي الحملة، يعود كل شيء إلى مكانه الطبيعي: مستشفيات منهكة، مدارس عمومية تتآكل، شباب يطارد الهجرة، ومدن تُدار بمنطق الربح العقاري لا بمنطق الحق في الحياة.
أما الأحزاب التي تُقدَّم باعتبارها “معارضة”، فكثيرًا ما تنتهي إلى الاندماج الكامل في قواعد اللعبة نفسها. تُرفع الشعارات الحادة خارج المؤسسات، ثم تُبتلع داخل توازنات السلطة فور الاقتراب من مواقع النفوذ. وهكذا يتحول “التناوب” إلى عملية تجميل سياسية لا تغيّر شيئًا في طبيعة القرار، بل تمنح النظام قدرة إضافية على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه.
النتيجة أن قطاعات واسعة من المغاربة لم تعد ترى في الانتخابات أفقًا للتغيير، بل طقسًا متكررًا لإدارة الإحباط الجماعي. نسب العزوف المرتفعة ليست دائمًا علامة “لامبالاة”، كما يُروَّج رسميًا، وإنما تعبير عن وعي متزايد بأن صندوق الاقتراع، في شروطٍ مختلّة، لا يكفي وحده لتغيير واقعٍ تتحكم فيه السلطة الاقتصادية، وشبكات الامتياز، ومراكز القرار غير الخاضعة للمحاسبة الشعبية.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي في المغرب ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: من يملك السلطة الفعلية لتحديد السياسات الكبرى، وتوزيع الثروة، ورسم مستقبل المجتمع؟ ما دام هذا السؤال خارج النقاش العمومي الحقيقي، ستظل الانتخابات تدور في الحلقة نفسها: تغييرٌ في الوجوه، وثباتٌ في البنية، واستمرارٌ لوجعٍ اجتماعي يمتد من دورة انتخابية إلى أخرى.
فالصوت الذي لا يغيّر ميزان القوى، يبقى مجرد صدى داخل صندوقٍ مُحكَم الإغلاق.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق