"الانتخابات في المغرب وإعادة إنتاج السلطة"فؤاد خمليشي
"الانتخابات في المغرب وإعادة إنتاج السلطة"فؤاد خمليشي
منذ تجربة حكومة عبد الله إبراهيم، ظلّ الحقل الانتخابي في المغرب يتحرك داخل حدود سياسية مرسومة سلفاً من طرف البنية الفعلية للسلطة، بحيث لم تتحول الانتخابات إلى آلية تاريخية لإنتاج الإرادة الشعبية أو إعادة توزيع السلطة والثروة، بل إلى وسيلة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة وتدوير النخب المرتبطة بجهاز الدولة ومصالح الكتل المسيطرة اقتصادياً وإدارياً. لذلك فإن تقييم المسار الانتخابي لا ينبغي أن ينطلق من الشعارات القانونية المجردة حول “التعددية” و”التمثيل”، وإنما من النتائج المادية الملموسة التي أفرزها هذا المسار على امتداد عقود: هل أدت الانتخابات إلى تقليص الفوارق الطبقية؟ هل نقلت القرار السياسي إلى المجتمع؟ هل أوقفت تغول الفساد والريع والزبونية؟ أم أنها تحولت إلى غطاء شكلي يمنح الشرعية لاستمرار البنية نفسها؟
إن المتأمل في تاريخ الحياة الحزبية المغربية يلاحظ أن جزءاً واسعاً من الأحزاب لم يتكوّن بوصفه تعبيراً عضوياً عن طبقات اجتماعية تمتلك مشروعاً تاريخياً واضحاً، بل نشأ في كثير من الأحيان داخل توازنات الإدارة الترابية وأجهزة النفوذ المحلي وشبكات الأعيان والمال الانتخابي. وهكذا جرى تحويل السياسة من صراع اجتماعي حول البرامج والمصالح إلى تنافس تقني حول المواقع والامتيازات. ومع الزمن، فقدت الأحزاب طابعها التأطيري والتحرري، وصارت أقرب إلى وسائط انتخابية موسمية تُستدعى خلال الاستحقاقات ثم تنكفئ بعد ذلك إلى منطق التفاوض حول المناصب وتقاسم النفوذ.
وقد أدى هذا التحول إلى إفراغ مفهوم “التمثيل الشعبي” من مضمونه الواقعي. فالمرشح لا يصل غالباً بفضل مشروع اجتماعي أو برنامج اقتصادي متماسك، بل عبر شبكة من الولاءات المحلية والقدرة المالية والعلاقات الزبونية. لذلك لم تعد الانتخابات فضاءً للتعبير الحر عن المصالح الاجتماعية المتناقضة، وإنما آلية لإعادة إنتاج البنية التقليدية نفسها تحت غطاء مؤسساتي حديث. ومن هنا يمكن فهم استمرار الوجوه ذاتها، والأسر السياسية ذاتها، وشبكات المصالح ذاتها، رغم تغير الحكومات والشعارات والتحالفات.
كما أن هيمنة وزارة الداخلية تاريخياً على مفاصل العملية الانتخابية، سواء عبر الإشراف الإداري أو التحكم في المجال الترابي أو التأثير غير المباشر في التوازنات المحلية، جعلت العملية السياسية محكومة بمنطق الضبط أكثر من منطق السيادة الشعبية. فحين تكون الدولة نفسها طرفاً منظماً وموجهاً للحياة الحزبية، تصبح الانتخابات أقرب إلى عملية عقلنة للتوازنات القائمة لا إلى صراع حر بين مشاريع مجتمعية مستقلة. ولهذا لم تتطور المؤسسات المنتخبة إلى مراكز فعلية للقرار، بل بقيت محدودة التأثير أمام البنية العميقة للسلطة الاقتصادية والإدارية.
إن أخطر ما أنتجته هذه البنية ليس فقط ضعف الديمقراطية، بل تعميم الفساد بوصفه نمطاً بنيوياً لإدارة المجتمع. فالفساد هنا نتيجة طبيعية لاقتصاد سياسي قائم على الريع والامتيازات والوساطة والاحتكار. وعندما تصبح الثروة مرتبطة بالقرب من السلطة أكثر من ارتباطها بالإنتاج والعمل، تتحول الانتخابات نفسها إلى استثمار مالي يهدف إلى استرجاع المصاريف عبر النفوذ والصفقات واستغلال الموقع العمومي. وهكذا ينشأ تداخل عضوي بين المال والسلطة والإدارة والانتخابات، بحيث يغدو البرلمان والمجالس المنتخبة امتداداً لمصالح اقتصادية محلية وفئوية أكثر من كونها تعبيراً عن الإرادة العامة.
ومن الناحية الاجتماعية، لم تؤدِّ عقود الانتخابات المتتالية إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية أو التنمية المتوازنة. فقد استمرت البطالة والهشاشة والفوارق المجالية وتدهور الخدمات العمومية، بينما تعاظمت ثروات فئات محدودة مرتبطة بالاقتصاد الريعي والعقار والامتيازات. وهذا يكشف أن جوهر الأزمة لا يكمن في “سوء تدبير” ظرفي أو في فساد بعض الأفراد، بل في طبيعة البنية السياسية نفسها التي تفصل السلطة عن الرقابة الشعبية الفعلية، وتجعل المؤسسات المنتخبة عاجزة عن المساس بالمصالح الكبرى المتحكمة في الاقتصاد والدولة.
أما الخطاب الذي يربط التغيير بالمشاركة الانتخابية وحدها، فإنه يتجاهل حقيقة أساسية: لا يمكن لمؤسسات فاقدة للاستقلال الفعلي أن تنتج تحولاً تاريخياً حقيقياً. فحين تكون الحدود الكبرى للقرار مرسومة مسبقاً، يصبح التداول الحزبي مجرد تداول إداري داخل السقف ذاته. ولذلك بدا واضحاً عبر التجربة أن تغير الحكومات لم يؤدِّ إلى تغير السياسات الجوهرية، بل ظل المنطق الاقتصادي والاجتماعي نفسه قائماً، مع اختلاف في اللغة والشعارات فقط.
ومع ذلك، فإن نقد الانتخابات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه رفضاً مجرداً لفكرة التنظيم الديمقراطي، بل رفضاً للشكل الذي حُولت فيه الديمقراطية إلى تقنية لإعادة إنتاج الهيمنة. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع أو كثرة الأحزاب، وإنما بمدى قدرة المجتمع على التحكم الفعلي في الثروة والقرار والمؤسسات. وعندما تنفصل السياسة عن المصالح الشعبية الفعلية، تتحول الانتخابات إلى طقس دوري يمنح الانطباع بالمشاركة، بينما تستمر البنية العميقة للمجتمع في الاشتغال وفق منطق الاحتكار واللامساواة.
لهذا فإن الأزمة السياسية في المغرب ليست أزمة “عزوف انتخابي” فقط، بل أزمة ثقة تاريخية في مؤسسات لم تستطع، طوال عقود، أن تُثبت قدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية أو الحد من الفساد أو تحقيق العدالة الاجتماعية. ومن هنا يتولد الوعي المتزايد لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن ينتج من داخل الآليات نفسها التي صُممت لضبط المجتمع وإعادة إنتاج موازين القوى القائمة، بل من إعادة بناء المجال السياسي والاجتماعي على أسس جديدة تجعل السلطة خاضعة فعلاً لإرادة المجتمع لا لإدارة التوازنات فوقه.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق