عبدالمومن... من مجريط إلى جحيم الدار...م.إسماعيلي
ذاكرة فوق الجمر… لا تنحني
حكايات من الوجع الوطني والكرامة الإنسانية
-10-
عبدالمومن... من مجريط إلى جحيم الدار
في مساء شتوي بارد من أواخر شهر يناير من ذلك العام، كانت مجريط تبدو مدينة عادية تمضي إلى ليلها المعتاد. أضواء المقاهي تتناثر على الأرصفة، والناس يعبرون الشوارع مطمئنين إلى رتابة يوم آخر.
أما عبدالمومن، فلم يكن يفكر ذلك اليوم في الاعتقال ولا في المطاردات. كان منشغلاً بمقال لم يكتمل بعد، وببعض الملاحظات التي دوّنها على هامش صحيفة فوق طاولة المقهى. كانت السياسة بالنسبة إليه آنذاك أقرب إلى معركة أفكار منها إلى مواجهة مع الأصفاد.
تأخر قليلاً ذلك المساء. وحين وصل إلى العمارة التي تضم الشقة التي يقيم فيها، لاحظ شيئاً غير مألوف. صمت ثقيل يلف المكان. خطوات متحفزة. وجوه جامدة.
وما إن اقترب من الباب حتى وجد نفسه أمام عدد كبير من رجال الشرطة، مدججين بالسلاح، يطوقون المدخل والمصعد والممرات.
لم يكن بحاجة إلى كثير من الوقت ليفهم ما جرى. نظرة واحدة إلى الوجوه المنتشرة في الممر كانت كافية. تمركز رجال الشرطة عند المدخل والمصعد وأمام باب الشقة كشف له فوراً أنه محور تلك العملية كلها، وأن الأمر أبعد من مجرد اعتقال عادي.
كل شيء دلّ على أن الفخ أُحكم إغلاقه.
سبق رفيقه سعيد إلى الاعتقال بساعات، ولم يبق أمام أجهزة الأمن سوى عودته؛ عودةٌ ترقبتها كما يترقب الصياد لحظة وقوع فريسته في الشرك.
لم يقاوم.
لم يصرخ.
لم يكن من الرجال الذين يبددون شجاعتهم في الحركات الاستعراضية.
مشى بينهم بهدوء، لكن ذهنه كان يسبق خطواته. لم يكن يعرف كيف وصلت خيوط تلك القضية إلى مجريط، لكنه أدرك أن ما بدأ هناك لن ينتهي هناك، وأن الأبواب التي أُغلقت خلفه لن تُفتح بسهولة.
في مكاتب الاستنطاق بدأت الأسئلة.
اتهموه بالإرهاب، وبالتخطيط، وبالعلاقة مع حركات مسلحة. عرضوا عليه صوراً وملفات وأسماء. وكان يجيب بما يستطيع، بينما كان يدرك شيئاً فشيئاً أن القرار الحقيقي لا يُصنع هناك.
لقد حُسم الأمر في مكان آخر.
وفي صباح من فبراير، اقتيد مكبل اليدين إلى المطار.
رأى الطائرة العسكرية تنتظره فوق المدرج.
وحين أُغلق باب الطائرة خلفه، أدرك أن الرحلة المقبلة لن تكون نحو وطن يعود إليه مواطناً، بل نحو مصير يعود إليه متهماً.
وما إن أقلعت حتى أُسدلت العصابة على عينيه، وأُحكمت القيود في يديه، واستقرت السلسلة الحديدية حول رجليه.
عندها تسلل إلى ذهنه خاطر خاطف:
متى سأرى السماء مرة أخرى؟
لم يكن يعرف الجواب.
كان يعرف فقط أن المسافة بين الحرية والسجن يمكن أن تختصرها رحلة واحدة، وأن الفصل الأكثر قسوة في حياته قد بدأ.
صمت ثقيل يملأ الفضاء.
كان يعرف أن اسمه الحقيقي لم يعد مهماً. وحتى الاسم الذي احتمى به سنوات، لم يعد سراً.
كل شيء انكشف.
ولم يعد هناك ما يجهله المحققون تقريباً؛ الأسماء والعلاقات والتنقلات. أما ما كانوا يبحثون عنه حقاً، فكان شيئاً آخر: أن يتخلى الإنسان عن نفسه.
وحين توقفت الطائرة أخيراً، لم يكن يعرف في أي أرض صار، لكنه كان يعرف أن الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن ما ينتظره على اليابسة سيكون أشد قسوة مما تركه خلفه.
وصل إلى العاصمة. ومن هناك بدأ الطريق إلى "الدار إياها". ذلك المكان الذي كان اسمه وحده يكفي، في تلك السنوات، ليزرع الرعب في القلوب.
خلف الجدران السميكة والأبواب المغلقة، دخل عبدالمومن عالماً خارج الزمن. لم يعد الليل ليلاً ولا النهار نهاراً. صار الزمن سلسلة طويلة من الألم والترقب والانتظار.
وبعد سنوات طويلة، حين صار يتحدث عن تلك الأيام، لم يكن يرويها بلهجة المنتصر ولا بمرارة المهزوم. كان يستعيدها كما يستعيد إنسان حلماً ثقيلاً لم يغادره قط. كان يقول إنهم ضربوه حتى لم يعد يشعر بقدميه، وإن القيود بقيت تلتهم معصميه أشهراً طويلة، وإن النوم أصبح ترفاً محرماً في ذلك المكان. وكانت ساعات الاستنطاق تمتد حتى يفقد المرء إحساسه بالليل والنهار، وكأن الزمن نفسه صار واحداً من أدوات التعذيب.
وفي إحدى اللحظات، رفع رأسه تحت العصابة فرأى وجهاً يعرفه آنذاك كل الناس في بلده.
كان الجنرال إياه نفسه يشرف على استنطاقه.
هناك، في تلك اللحظة، فهم عبد المومن أن الموت لم يعد احتمالاً بعيداً، بل صار جالساً إلى جواره.
ولم يكن يملك إلا شيئاً واحداً يحميه: أن يظل هو نفسه.
ومع ذلك لم ينكسر.
كان الجلادون يريدون انتزاع الاعترافات.
وكان هو يحاول أن يحافظ على آخر مساحة حرة في داخله. كل يوم يمر كان انتصاراً صغيراً على آلة صُممت لتحطيم البشر.
مرت الشهور.
ثم خرج من السرية إلى العلن. وقف أمام القضاء بعد عام تقريباً من الاختفاء والتعذيب. وكان يمكن أن يكون بين الذين صدرت في حقهم أحكام بالإعدام. لكن تقلبات السياسة وتقاطع الأحداث غيّرت مجرى الأمور. صدر الحكم بالسجن عشر سنوات. وعندما أُغلقت أبواب الزنزانة خلفه، كان قد خرج من جحيم ليدخل جحيماً آخر.
غير أن السنوات لم تنجح في انتزاع ما ظل يعتبره أثمن ما يملك.
خرج من السجن وقد تركت السنوات آثارها على جسده، لكن شيئاً واحداً بقي كما دخل: ذلك الإيمان العنيد بأن الإنسان قد يُسلب حريته، ولا تُسلب كرامته إلا إذا تخلى عنها بنفسه. لم يكن كثير الحديث عن معاناته، ولا من الذين يحولون جراحهم إلى أوسمة. كان يدرك أن الكرامة امتحانٌ عسير، وأن بعض الإجابات عليه تُكتب بسنوات من السجن والمعاناة. لذلك، ما إن استعاد حريته حتى عاد إلى الطريق نفسه الذي سلكه قبل الاعتقال؛ يدافع عن المعتقلين والمظلومين، ويسهم في تأسيس حزب سياسي، ويظل وفياً لأفكاره حتى آخر يوم من حياته.
أرادوا أن يصنعوا منه مثالاً للخوف. فصار مثالاً للصمود.
وأرادوا أن يدفنوا صوته في أقبية التعذيب، فإذا بذلك الصوت يبقى شاهداً على زمن كامل.
لأن السجون تستطيع أن تحاصر الجسد، وأن تثقل الروح بالجراح، لكنها تعجز عن إطفاء تلك الجمرة التي يحملها الإنسان في داخله.
وتلك الجمرة... اسمها الكرامة.
م.إسماعيلي
2026\06\05
أحمد بنحلون، المناضل الصنديد الذي دفع ثمن مواقفه السياسية سنواتٍ من الاعتقال والتعذيب، حتى تعفنت قدماه وسالت منهما الديدان، كما روى بنفسه في مذكراته التي وثقت جانبا من معاناة جيل كامل من المناضلين.
ومن المحطات الأولى في مساره النضالي، أن أول اعتقال له كان بمدينة بركان سنة 1962، حين كان يعمل حارسا عاما بإعدادية ابن رشد، حيث أوقف وهو يعلق نداءات تدعو إلى مقاطعة دستور 1962، ممتطيا سلما في أحد شوارع المدينة.
ومن الاحداث التي كان الراحل يرويها عن فترة التعذيب والتحقيق، أنه عندما كان يسأل عن مكان ازدياده، كان يجيب: "بركنت"، وهو الاسم القديم لمدينة عين بني مطهر. غير أن جلاديه اعتقدوا أنه يحاول تضليلهم أو التمويه عليهم، فزاد ذلك من شكوكهم ومعاناته.
Noor Oujdi Tahiri
( يمكنكم اعتقال الجسد لكنكم لن تعتقلوا الفكرة ) : احمد بن جلون اتناء محاكمته
كان يؤمن ان الابتسامة والدعابة و "القشابة واسعة" هي السلاح الاخير الذي لا يمكن السجان والجلاد المصادرة عليه ... متخدا "السخرية" من مستواهم الثقافي المتدني مقارنة بالكتب والمقالات التي كان يكتبها موضوع "التحقيق " معه !! ... وسخريته وابتسامته ( والقلب يعلم الله عليه ) كانت افضل وسيلة لعدم الانهيار والتوسل "لما يتسماوش" ... !!؟

ردحذففي حديث مع أحمد بنجلون..
يصف أحمد بنجلون في هذا الفيديو التعديب الذي تعرض له في السجون المغربية خلال سنوات الجمر و الرصاص.
https://www.youtube.com/watch?v=u3t8AdBGygM